الحارس الليلي الجزء الثالث

همسات في دهاليز الماضي

بقلم عادل النور

في عيادةٍ صغيرةٍ متواضعة، تتوارى في أحد شوارع القاهرة القديمة، حيث تتلاصق البيوت كالأخوة المتعانقة، وحيث تفوح رائحة التاريخ من كل زاوية، كان الرجل العجوز، الحاج "سليمان"، يتلقى العلاج. كان الطبيب "أحمد"، رجلٌ يتميز بقلبه الطيب وعقله الرزين، يقوم بضم جراح الرجل، الذي بدا عليه الألم والإرهاق.

"الوضع ليس خطيرًا للغاية يا حاج سليمان"، قال الدكتور أحمد وهو يربط الضمادة. "لكن يجب أن ترتاح. وهناك ما يقلقني أكثر."

نظر الحاج سليمان إلى الطبيب بعينين غائرتين. "ماذا تقلقك يا دكتور؟ هل هي الوثائق؟"

"لا، بل هي علامات هذه الإصابات"، أجاب الدكتور أحمد، مشيرًا إلى بعض الكدمات الغريبة التي لم تكن مجرد علامات ضربٍ عادي. "هذه الضربات، دقتها وقوتها، توحي بأن المعتدين لم يكونوا مجرد لصوص. كانوا محترفين، لديهم تدريبٌ خاص."

"محترفين؟"، كرر الحاج سليمان، وشعر بقشعريرةٍ تسري في عموده الفقري. "لكنهم كانوا ثلاثة فقط. بدا أنهم ضعفاء أمام الشاب الغامض."

"الشاب الغامض"، ابتسم الدكتور أحمد ابتسامةً خفيفة. "نعم، هو الظاهر أن قوته لا تضاهى. لكن هؤلاء الرجال، تدريبهم يوحي بأنهم أداةٌ في يدٍ أكبر. يدٌ لا تعمل بالصدفة، بل تخطط وتنفذ بدقةٍ متناهية."

"وهم يريدون هذه الحقيبة"، قال الحاج سليمان، ممسكًا بها بيدٍ مرتجفة. "قالوا إنها تحمل سرًا. سرٌ قد يغير مجرى التاريخ."

"سرٌ؟"، أعاد الدكتور أحمد السؤال، وعلامات الاستفهام ترتسم على وجهه. "ما هو هذا السر؟ هل لديك فكرة؟"

"لا أعرف كل شيء"، اعترف الحاج سليمان. "لقد ورثتها عن جدي، وجدي عن جده. يقولون إنها تخص جدًا من أجدادي، كان عالمًا وفلكيًا. اكتشف شيئًا عظيمًا، شيئًا غريبًا. لكنه خاف على نفسه وعلى عائلته، فقرر أن يخفي كل شيء. ولم يترك لنا سوى هذه الحقيبة، مع وصيةٍ بعدم فتحها إلا في وقتٍ الضرورة القصوى. والآن، يبدو أن وقت الضرورة قد حان."

"وقت الضرورة"، فكر الدكتور أحمد. "هل يعتقد هؤلاء الرجال أنهم يعرفون محتوى الحقيبة؟"

"لا أدري"، أجاب الحاج سليمان. "لكنهم كانوا يعرفون أني أحملها. وهذا يكفي."

في هذه الأثناء، كان "الشهاب" يتجول في شوارع القاهرة القديمة، تحت جنح الظلام. كانت المدينة تنام، لكنه كان مستيقظًا. كان عقله يدور في دوامةٍ من الأسئلة. من هم هؤلاء الرجال؟ ومن يقف خلفهم؟ وما هي طبيعة السر الذي تدور حوله هذه الحقيبة؟

كان "الشهاب"، واسمه الحقيقي "فارس"، رجلًا عاديًا في الظاهر. كان يعمل مهندسًا معماريًا، يحلم ببناء صروحٍ عظيمة، لكن الليل كان يكشف عن وجهه الآخر. وجه البطل الخفي، الذي يحمي المدينة من الشرور التي تتخفى في الظلال. كانت لديه قدراتٌ خارقة، لكنه كان يخفيها عن الجميع، إلا عن قلةٍ قليلةٍ ممن يثق بهم.

كانت هذه القدرات هبةً من الله، هبةً اكتشفها بعد حادثٍ غامضٍ تعرض له في شبابه. حادثٌ جعله يشعر بأنه مختلف، وأن لديه مسؤوليةً تجاه من حوله. لم يكن يسعى للشهرة أو السلطة، بل كان هدفه الوحيد هو تحقيق العدل، وحماية الأبرياء.

وصل "الشهاب" إلى مكتبه السري، الذي كان عبارةً عن قبوٍ قديمٍ تحت أحد المباني المهجورة. في هذا المكان، كان يضع خططه، ويجمع المعلومات، ويستعد لمواجهة الأخطار. كان هناك شاشةٌ عملاقةٌ تعرض خرائط المدينة، وصورًا للمجرمين، وتقارير استخباراتية.

"يا أميرة"، نادى "الشهاب" بصوتٍ خفيض.

ظهرت صورةٌ امرأةٍ جميلةٍ وذكيةٍ على الشاشة. كانت "أميرة"، عالمة كمبيوتر، وخبيرة في الشؤون الأمنية. كانت قلب "الشهاب" النابض، وعقله المدبر. كانت تعرف هويته الحقيقية، وكانت تدعمه في مهمته.

"أنا معك يا فارس"، قالت بصوتها الرقيق، الذي يحمل في طياته قوةً لا يستهان بها. "ما الجديد؟"

"لقد تعرض الحاج سليمان لهجوم"، أخبر "الشهاب" "أميرة" بما حدث. "وبدا أن المهاجمين كانوا يبحثون عن وثائقٍ قديمة."

"وثائق؟"، استغربت "أميرة". "هل تعرف طبيعتها؟"

"قال إنها تخص أحد أجداده، عالم وفلكي"، أجاب "الشهاب". "وأنها تحمل سرًا عظيمًا."

"سرٌ عظيم؟"، تكررت "أميرة" الكلمات، وعيناها لمعتا بفضولٍ علمي. "هذا مثيرٌ للاهتمام. هل لديك أي معلوماتٍ عن جد الحاج سليمان هذا؟ عن اسمه، أو عن الفترة التي عاش فيها؟"

"سأحاول البحث عن ذلك"، قال "الشهاب". "لكنني أشعر بأن الأمر أكبر من مجرد وثائق قديمة. يبدو أن هناك جهةً ما تخطط لشيءٍ ما، وهذا السر هو مفتاح خطتهم."

"وهل تعتقد أن هؤلاء الرجال كانوا مجرد عملاء؟" سألت "أميرة".

"بالتأكيد"، أجاب "الشهاب". "تدريبهم، وطريقة هجومهم، كل شيء يوحي بأنهم أداةٌ في يدٍ قوية."

"يجب أن نجد هؤلاء الرجال، أو من يقف خلفهم"، قالت "أميرة". "وأن نكتشف طبيعة هذا السر. ربما يكون مرتبطًا بتاريخ المدينة، أو بكنوزٍ مخبأة، أو حتى بقوى خفية."

"أنا أفكر في نفس الشيء"، قال "الشهاب". "هل يمكنكِ البحث عن أي تقاريرٍ عن اختفاءاتٍ أو سرقاتٍ غريبةٍ في الآونة الأخيرة، خاصةً ما يتعلق بالآثار أو الوثائق القديمة؟"

"بالطبع"، وعدت "أميرة". "سأبدأ البحث فورًا. وسأحاول أيضًا التعمق في تاريخ عائلة الحاج سليمان، وسأبحث عن أي معلوماتٍ عن جده العالم والفلكي."

"شكرًا لكِ يا أميرة"، قال "الشهاب"، وشعر بارتياحٍ لوجودها إلى جانبه. "وجودكِ يمنحني القوة."

"وقوتك هي التي تحمينا جميعًا يا فارس"، ردت "أميرة"، وعيناها تفيضان بالحب والاحترام. "لا تقلق، سنحل هذا اللغز معًا."

بعد أن أنهى حديثه مع "أميرة"، جلس "الشهاب" يفكر. شعر بأن هذا اللغز يمتد جذوره عميقًا في تاريخ المدينة، وربما في تاريخ الحضارة كلها. هل كان هذا السر يتعلق بمكانٍ ما؟ بقوةٍ ما؟ هل كان هناك من يسعى لاستغلال هذا السر لتحقيق أهدافه الشريرة؟

تذكر "الشهاب" كلمات الحاج سليمان: "سرٌ قد يغير مجرى التاريخ." هذه الكلمات لم تكن مجرد تهديد، بل كانت وصفًا دقيقًا لما قد يحدث إذا وقع هذا السر في الأيدي الخطأ.

"يجب أن أفهم ما يخبئه الماضي"، همس "الشهاب" لنفسه، وعيناه مثبتتان على الشاشة التي تعرض خريطةً قديمةً للقاهرة. "قبل أن يستطيع أعدائي تغيير مستقبلنا."

بدأت خيوط اللعبة تتشابك، وتتضح معالم المعركة القادمة. معركةٌ لن تكون سهلة، معركةٌ ستتطلب منه كل ما لديه من قوةٍ وذكاءٍ وإيمان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%