الحارس الليلي الجزء الثالث

فخ الضعف ونداء الواجب

بقلم عادل النور

استمرت غيوم القلق تتلبد فوق مدينة الأضواء، ولم تكن وحدها التي تعاني. ففي أعماق "نور الدين"، كان الصراع يحتدم. لقد استمع إلى كلمات جده، ووجد فيها بعض العزاء، لكن جذور إدمانه القديم كانت عميقة، تضرب في تربة مشاعره، وتنمو مع كل لحظة ضعف. كانت "عائشة" بجانبه، تساندها، وتحاول أن تقوي عزيمته، لكنها لم تستطع أن تخترق ذلك الحاجز النفسي الذي يمنعه من الاعتراف الكامل بعمق المشكلة.

في إحدى الليالي، وبينما كانت المدينة في سبات عميق، كان "نور الدين" يتألم. لم يكن ألمًا جسديًا، بل كان ألمًا روحيًا، ألمًا جعله يشعر بالوحدة والعزلة، حتى وهو محاط بمن يحب. كانت الرغبة تهاجمه بشراسة، كأنها وحش جائع ينهش في روحه. حاول أن يقاوم، حاول أن يتذكر كلمات جده، حاول أن يفكر في "عائشة"، لكن كل شيء كان يتبدد أمام قوة هذا الإلحاح.

"لا. لا أستطيع. هذا أقوى مني." تمتم لنفسه، وكان صوته يحمل نبرة استسلام. مد يده إلى هاتفه، بأصابع مرتعشة، كأنها تتجه نحو حتفها. كانت هناك قائمة بأرقام يعرف أنها ستجلب له الراحة المؤقتة، لكنها ستؤدي إلى المزيد من العذاب. اختار واحدًا منها، رقمًا يعرف أنه لا ينبغي له أن يلمسه أبدًا.

"مرحبًا؟" جاء صوت رجل غير مألوف، بدا متعبًا ومنهمكًا. "أنا... أحتاج... شيئًا." قال "نور الدين"، وكانت كلماته تخرج بصعوبة. "ماذا تحتاج؟" سأل الرجل بلهجة لا تخلو من شك. "شيئًا ينسيني. شيئًا يجعلني أشعر... بأنني لست أنا."

بدأ الرجل يدرك. كانت هذه الكلمات مألوفة بالنسبة له، كلمات يرددها من يعانون من نفس المشكلة. "أفهم. متى تحتاج؟ وأين؟"

اتفقا على مكان، في أحد أزقة المدينة الخلفية، بعيدًا عن الأنظار، بعيدًا عن عيون "عائشة" التي كانت تراقبه بحب. لقد خانه ضعفه. لقد اختار الهروب بدلًا من المواجهة، اختار الراحة الزائفة بدلًا من الشفاء الحقيقي.

عندما وصل "نور الدين" إلى المكان الموعود، كان الظلام قد غطى كل شيء. رأى الرجل الذي كان ينتظره، يحمل حقيبة صغيرة. لم يطرح أسئلة، ولم يبدِ أي اهتمام. كان "نور الدين" في أشد الحاجة لإبرة التخدير التي يبحث عنها.

"خذ هذا." قال الرجل، وقدم له شيئًا صغيرًا، مغلفًا بعناية. "كم؟" سأل "نور الدين"، وهو يمسك بالشيء بين أصابعه، وكأنه يحمل كنزًا ثمينًا. "لا يهم الآن. المهم أنك ستشعر بالتحسن." قال الرجل، ثم اختفى في الظلام.

في غرفته، بعد أن عاد، وبينما كانت "عائشة" تعتقد أنه نائم، كان "نور الدين" يغرق في عالمه الخاص. كان يشعر بالراحة، بالهدوء، بالنسيان. نسي همومه، نسي مشاكله، نسي وعده. لكن هذه الراحة لم تدم طويلًا. كانت أشبه بالفقاعة، سرعان ما تنفجر، تاركة وراءها فراغًا أكبر، وحزنًا أعمق.

عندما استيقظ في الصباح، كان يشعر بالثقل، بالندم، بالخجل. رأى "عائشة" تقف بجانبه، تحمل له كوبًا من الماء، وجهها مليء بالحب والقلق. لم يستطع النظر في عينيها. "صباح الخير، نور الدين." قالت، بابتسامة خفيفة. "صباح النور." أجاب بصوت خافت.

"هل نمت جيدًا؟" سألت، وكان هناك شيء من الشك في صوتها. "نعم، الحمد لله." كذب، وهو يشعر بالغثيان.

لم يكن هذا الضعف هو المشكلة الوحيدة. لقد كان هناك تطورات أخرى في عالم "نور الدين" الخارق. وصلت إليه أخبار عن تحركات غامضة في أطراف المدينة، تحركات تثير القلق. كانت هناك همسات عن جماعة جديدة، تظهر من العدم، تحمل شعارات غريبة، وتسعى لنشر الفوضى.

"نور الدين، هناك شيء يحدث." قال "رياض"، صديقه المقرب، الذي كان عينيه دائمًا ساهرة على المدينة. "مجموعة جديدة، يبدو أنها تحمل أفكارًا متطرفة، بدأت تظهر في الأحياء الفقيرة. يقومون بتجنيد الشباب، يتحدثون عن الظلم، وعن الانتقام."

"من هم؟ وماذا يريدون؟" سأل "نور الدين"، وقد بدأ يشعر بالضغط يتزايد عليه. "لا نعرف الكثير حتى الآن. لكن أساليبهم بدأت تصبح عنيفة. لقد وقعت اشتباكات بسيطة في الأيام الماضية. ونخشى أن يتطور الأمر."

في تلك اللحظة، شعر "نور الدين" بالضياع. كيف يمكن له أن يواجه تهديدًا جديدًا، بينما هو نفسه يصارع وحشًا بداخله؟ كيف يمكن له أن يكون "الحارس" الذي تحتاجه المدينة، وهو بالكاد يستطيع أن يحمي نفسه من الانهيار؟

"علينا أن نفعل شيئًا." قال "رياض"، ولم يدرك أن "نور الدين" كان يدور في حلقة مفرغة من الشك الذاتي.

"لكني... لست متأكدًا أنني أستطيع." اعترف "نور الدين"، وكانت كلماته تخرج بمرارة.

"ماذا تقصد؟ هل أنت متعب؟" سأل "رياض"، وهو يشعر بقلق متزايد.

"لا. الأمر... أكبر من ذلك. أنا... أنا أواجه مشكلة."

لم يستطع "نور الدين" أن يكشف كل شيء لـ "رياض". كانت خصوصية "عائشة" معه، ولحظة ضعفه، تجعله يشعر بالخجل. لكنه كان يعلم أن هذا الإدمان، هذه الرغبة، كانت تعيق قدرته على القيام بواجبه. لقد أصبح يمثل خطرًا، ليس فقط على نفسه، بل على المدينة التي تعتمد عليه. كانت عيناه تبحثان عن مخرج، عن حل، لكنه لم يجده في تلك اللحظة. كان يشعر كأنه محاصر، بين واجب سام، وضعف بشري مدمر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%