الفصل 1 / 25

ليلة الرعب

الظلال في بيت الأجداد

بقلم سامر الخفي

كانت الريح ترتعد كذئب جريح في أزقة قرية "الصمّان" العتيقة، تلسع الوجوه الباهتة والعينين المتعبتين. لم يكن الهواء وحده البارد، بل امتد البرد ليغزو عظام "فارس" وهو يغوص في غياهب بيت جده المهجور. لم يكن مجرد بيت، بل كان شاهداً على أجيال، ومرآة تعكس تقلبات الأيام، وحافظاً لأسرار دفنتها الرمال. كان الليل قد أرخى سدوله، مخلياً المكان لسكون لا يرحم، وسكون لا يعني الطمأنينة، بل هو صوت الظلال المتراقصة على الجدران البالية، وصوت الهمسات التي لا تسمعها الآذان، بل تشعر بها الأرواح.

وقف فارس على أعتاب البيت، حيث كانت أبوابه الخشبية الثقيلة تنوء تحت وطأة الزمن، وقد علاها السوس والتآكل. كان قد غادر هذه القرية قبل عشر سنوات، تاركاً وراءه ضجيج الحياة وصخبها، ليغوص في بحر المدينة الواسع، باحثاً عن رزق وعن حياة تليق بطموحه. لكن نداء الواجب، أو ربما نداء القدر، أعاده اليوم إلى هذه الديار التي ألفها شعوره، وخلدت في ذاكرته صورها. وفاة جده المفاجئة، والميراث الغامض الذي تركه، كل ذلك جعله يعود.

نفخ فارس في راحة يده، وقد شعر ببرودة غريبة تسري في عروقه. أمسك بالمصباح الزيتي القديم الذي ورثه عن جده، وأشعل فتيلته. ارتسمت دائرة ضوئية خافتة على الأرضية الترابية، بالكاد تكشف عن بعض قطع الأثاث المكسورة، والستائر الممزقة التي تتدلى كأشباح. الرائحة كانت مزيجاً من الغبار، والرطوبة، وشيء آخر… شيء لا يستطيع فارس تحديده، لكنه كان يشعره بالضيق، بوشم قديم ينهش روحه.

"جدّي…" همس فارس، والصوت تاه في رحابة المكان. كان يعرف أن جده كان رجلاً صالحاً، ورعاً، كريماً. لكنه سمع همسات، شائعات، عن حياته السرية، عن أماكن يرتادها في الليل، عن حكايات غريبة نسجتها ألسنة الناس. لم يكن يؤمن فارس بهذه الخرافات، لكن اليوم، وفي هذا المكان، بدأت تلك الشائعات تكتسب وجهاً آخر.

تقدم ببطء، وخطواته كانت تحدث صدى مدوياً، وكأن البيت يستيقظ على وجوده. كل زاوية كانت تحكي قصة. هنا، كانت والدته تلعب وهي طفلة. وهناك، كان والده يتبادل الأحاديث مع جده. ذكريات متناثرة، لكنها بدت اليوم باهتة، مشوشة، وكأنها غشيت عليها سحابة مظلمة.

كان الهدف الرئيسي لفارس هو البحث عن الوصية، أو أي مستند يوضح تفاصيل الميراث. لكن قبل ذلك، كان عليه أن يتجاوز مخاوفه، وأن يتغلب على شعوره المتزايد بأن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام. اقترب من غرفة جده. كانت الباب مواربة، وكأنها تدعوه للدخول، أو ربما تحذره.

دفع الباب برفق. الغرفة كانت أصغر حجماً، لكنها كانت أكثر إثارة للقلق. على الجدار المقابل، كانت هناك لوحة زيتية قديمة، تصور رجلاً بلحية بيضاء وعينين نافذتين. كان جده. لكن شيئاً في ملامحه كان مختلفاً، شيئاً يوحي بالحزن العميق، واليأس. بجوار اللوحة، كانت هناك رفوف خشبية مليئة بالكتب القديمة، وبعض الأعشاب المجففة.

تسلل ضوء المصباح إلى طاولة صغيرة بجوار السرير. كانت عليها بعض الأدوات، وعلبة خشبية مزخرفة. فتح فارس العلبة. كانت فارغة. إلا من ورقة صغيرة مطوية بعناية. مد يده المتعرقة ليفتحها. كانت مكتوبة بخط جده.

"يا ولدي فارس، إذا قرأت هذا، فإني أكون قد رحلت، وتركت لك هذا البيت، وهذا السر. ليس كل ما تراه هو ما يبدو عليه. هناك قوى لا ترى بالعين المجردة، تسكن في هذا المكان، وفي هذه البلاد. احذر الظلال، واحذر الأصوات التي تأتي من العدم. مفتاح خلاصك، ومفتاح فهم كل شيء، يكمن في…".

توقف النص هنا. كأن الكاتب قد انقطع فجأة، أو كأن شيئاً ما قد أوقفه. شعر فارس بقشعريرة تسري في عموده الفقري. ما الذي كان يتحدث عنه جده؟ قوى؟ ظلال؟ أصوات؟

فجأة، سمع صوتاً. صوت خفيف، كأنه حفيف أجنحة، قادم من زاوية الغرفة. استدار فارس بسرعة، رافعاً المصباح. لم ير شيئاً. لكن الصوت لم يتوقف. بدأ يقترب، ويصبح أعلى. كان أشبه بخدش، أو حفيف، يتسلل من الجدار.

"من هناك؟" صرخ فارس، وصوته ارتجف. لم يكن هناك أحد. شعر بالخوف ينهش قلبه. هل كان خيالاً؟ هل كان عقله يلعب به؟

واصل الصوت. أصبح أكثر وضوحاً، وأكثر إزعاجاً. بدأ يتحول إلى همسة. همسة غير مفهومة، لكنها تحمل نبرة تحذير، أو ربما دعوة. شعر فارس بأن الهواء في الغرفة قد أصبح أثقل. وأن الظلال بدأت تتكثف، وتتحرك ببطء، وكأنها كائنات حية.

تراجع فارس بضع خطوات، متجهاً نحو الباب. عيناه تبحثان عن مخرج، عن يقين. كان يريد أن يهرب، أن يترك كل شيء خلفه. لكن كلماته الأخيرة، "مفتاح خلاصك…"، بقيت تتردد في أذنيه، تمنعه من الرحيل.

شعر بشيء بارد يلامس يده. أنزل بصره. كانت حشرة صغيرة، سوداء، زاحفة على طاولة جده. لكنها كانت أكبر حجماً من أي حشرة رآها من قبل. كان لها شكل غريب، وأعين صغيرة لامعة.

تجاهل فارس الحشرة، وركز انتباهه على الباب. كان يتنفس بصعوبة. كان عليه أن يخرج من هذا المكان. الآن.

دفع الباب بقوة، وركض خارج الغرفة، خارج البيت. في الخارج، كان الليل لا يزال عاصفاً، لكن الهواء كان أقل خنقاً. تنفس بعمق، وشعر بأن قلبه يخفق بعنف. نظر إلى البيت المهجور، الذي يقف شامخاً في الظلام، كسفينة غرقت في بحر من الأسرار.

لقد عاد إلى بيت أجداده، لكنه وجد شيئاً أعمق من الذكريات. وجد ظلالاً، وأصواتاً، وسراً غامضاً. ولم يكن يعرف أن هذه الليلة، مجرد البداية. بداية لرحلة ستكشف له عن وجه آخر للواقع، وجه يجعله يشك في كل ما عرفه، وفي كل ما آمن به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%