الفصل 10 / 25

ليلة الرعب

خيوط الأسرار وعمق الحزن

بقلم سامر الخفي

تسللت سارة إلى الغرفة المهجورة، وكأنها تخطو في عالمٍ آخر، عالمٌ نسيه الزمن. كان الهواء ثقيلًا، مشبعًا برائحة الغبار والوحدة. الأثاث القديم كان مغطى بملاءاتٍ بيضاء، كأشباحٍ صامتةٍ تقف في الظلام. كان الأنين الخافت الذي جذبها إلى هنا لا يزال يتردد، ولكنه بدا الآن أقل وضوحًا، وكأنه يتلاشى مع دخولها.

"من هناك؟" نطقت سارة بصوتٍ خفيض، وهي تتحسس طريقها في الظلام، وعيناها تحاولان التكيف مع قلة الضوء.

لم تسمع ردًا، سوى صوت سقوط شيءٍ في زاويةٍ بعيدةٍ، مما جعل قلبها يقفز. رفعت يدها، تحاول أن تستشعر شيئًا صلبًا، ربما جدارًا أو عمودًا. أمسكت بيدها شيئًا باردًا وناعمًا، كان عبارة عن ستارةٍ قديمةٍ، بدأت تتطاير أوراقها.

كانت سارة قد استشعرت وجود إنسانٍ ما، أو على الأقل، وجود كائنٍ حيٍ. لم يكن الأنين مجرد وهمٍ. لكن هل كان ذلك الشخص في خطر؟ أو هل هو من يسبب ذلك الخطر؟

"هل أنتِ بخير؟" سألت سارة مجددًا، محاولةً أن تبدو هادئةً قدر الإمكان.

فجأة، توقف الأنين. ساد صمتٌ مطبقٌ، صمتٌ أثقل من أي صوت. شعرت سارة بوجودٍ غامضٍ في الغرفة، وجودٍ ليس ماديًا تمامًا، ولكنه محسوس. كأن الهواء نفسه قد تغير، وأصبح كثيفًا ومشحونًا بطاقةٍ غريبة.

"لا تخافي،" سمعت صوتًا خافتًا، يبدو وكأنه يأتي من مكانٍ قريبٍ جدًا، ولكنه لا يبدو صوتًا بشريًا تمامًا. كان فيه نبرةٌ من الحزن العميق، ونبرةٌ من الشفقة.

ارتعشت سارة. "من أنت؟"

"أنا… أنا الحزن الذي استقر هنا. أنا الصوت الذي لا يسمعه إلا من فتح قلبه للألم."

اتسعت عينا سارة في الظلام. "أنتِ… روحٌ؟"

"ربما. أو ربما مجرد صدى لما كان. صدى لقلبٍ كُسر، وروحٍ أُنهكت."

بدأت سارة تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لم تكن تلك المخلوقات التي قرأت عنها في القصص الخيالية، بل كان شيئًا أكثر واقعيةً، شيئًا يلامس أعمق مشاعر الإنسان.

"لماذا أنتِ هنا؟" سألت سارة، وبدأت تشعر ببعض الشجاعة، شجاعةٌ نابعةٌ من الفضول والرغبة في المساعدة.

"أبحث عن شيءٍ ضائع. عن سلامٍ لم أجده. عن حقٍ سُلب."

"ما هو الشيء الضائع؟"

"لم يعد الأمر مهمًا الآن. المهم أن الألم لا يزال هنا. والحزن يتجذر."

شعرت سارة بنوعٍ من التعاطف الغريب مع هذا الصوت. لم يكن عدائيًا، بل كان مليئًا بالوحدة. "هل يمكنني أن أساعدك؟"

صمتٌ طويلٌ، ثم سمعت نفس الصوت الخافت يقول: "المساعدة تأتي لمن يفتح بابه للحق. ولكن أغلب القلوب مغلقةٌ الآن."

"أنا… أنا على استعدادٍ للاستماع."

"الاستماع ليس كافيًا. يجب أن تفهمي. يجب أن تشعري بما حدث. في هذه الغرفة، عاشت فتاةٌ اسمها ليلى. كانت لديها أحلامٌ كبيرة، وقلبٌ مليءٌ بالحب. ولكن القدر كان قاسيًا. فقدت كل شيءٍ في لحظةٍ واحدة."

بدأت سارة تشعر بأن الجو المحيط بها أصبح أكثر ثقلاً، وكأن الغرفة نفسها تحكي قصة ليلى. "ماذا حدث لها؟"

"اختفت. كأنها لم تكن. بحث عنها الجميع، ولكن لم يجدوا لها أثرًا. قيل إنها هربت. وقيل إنها ماتت. ولكن الحقيقة… الحقيقة أعمق من ذلك."

"وما هي الحقيقة؟" سألت سارة، وقد شعرت بأنها على وشك اكتشاف سرٍ قديمٍ.

"تم سلب حقها. تم إنكار وجودها. تركها الجميع لتواجه مصيرها وحدها. وروحها لم تجد السكينة."

بدأت سارة تتذكر ما قالته جدتها عن مأساةٍ حلت بالقصر في الماضي. هل كانت ليلى هي الشخص الذي فقدته العائلة؟

"هل كنتِ… أنتِ ليلى؟" سألت سارة، وشعرت بأن الهواء يبرد أكثر.

"أنا مجرد همسٌ باقٍ. صدى لألمٍ لا ينتهي."

شعرت سارة بضعفٍ مفاجئ. لم تكن مستعدةً لمثل هذا الاعتراف. ولكنها لم تكن تريد أن تترك هذا "الهمس" وحيدًا. "أريد أن أفهم. أريد أن أعرف ما حدث."

"يجب أن تعرفي. ولكن الحقيقة قد تكون مؤلمة. الحقيقة مدفونةٌ بعمقٍ في هذا القصر، في قلوب الذين تركوا ليلى لمصيرها."

فجأة، سمعت سارة صوت خطواتٍ تقترب من الغرفة. كانت خطواتٍ سريعةً، توحي بالخوف أو الاستعجال.

"من هناك؟" سمعت صوت رامي ينادي من خارج الغرفة، ولكنه كان خائفًا.

تلاشت على الفور تلك الهالة الغامضة، واختفى الصوت. ساد الصمت مرةً أخرى، الصمت المطبق الذي سبق.

"ليلى؟" ناديت سارة، ولكن لم يأتِ رد.

فتحت الباب بسرعة، ورأت رامي يقف على العتبة، وجهه شاحبٌ.

"سارة! ماذا تفعلين هنا؟" سأل رامي، وبدا عليه الذعر. "قلت لكِ إن هذه الأماكن خطرة."

"كنت أسمع صوتًا،" قالت سارة، وهي تحاول استعادة أنفاسها. "صوتًا حزينًا."

نظر رامي حوله، وكأنه يبحث عن شيءٍ غير مرئي. "هذا المكان… هذا المكان فيه أشياءٌ لا يجب أن تراها أو تسمعها. يجب أن نخرج من هنا فورًا."

"ولكن… من كان يتحدث؟"

"لا أعرف. ولكنني سمعت ما يكفي. هذه الأماكن ليست آمنة. خاصةً في الليل."

سحب رامي يد سارة، وبدأ يسحبها للخارج. "هيا بنا، يجب أن نعود إلى غرفتنا."

بينما كانوا يغادرون الغرفة، نظرت سارة إلى الخلف. شعرت وكأنها تركت وراءها جزءًا من روحها. كانت تعلم أن هذه ليست نهاية القصة، بل مجرد بداية.

في صباح اليوم التالي، كانت سارة تفكر مليًا فيما حدث. كانت الكلمات التي سمعتها، والقصة التي بدأت تتكشف، لا تزال تدور في رأسها. بدأت تتذكر بعض التفاصيل التي ذكرتها جدتها سابقًا، وبعض النظرات التي كانت تراها على وجوه أفراد عائلتها عندما يتعلق الأمر ببعض المواضيع.

كانت تدرك أن هناك صلةً بين ما سمعته وبين تاريخ عائلتها. ولكن ما هي هذه الصلة؟ ولماذا يتم إخفاء الحقيقة؟

في وقت لاحق، جلست مع جدتها زينب، وحاولت أن تطرح بعض الأسئلة بشكلٍ غير مباشر.

"يا جدتي، هل كنتِ تعرفين فتاةً اسمها ليلى؟" سألت سارة، وقلبها يخفق.

نظرت زينب إلى سارة، وتجمدت ابتسامتها. بدا عليها بعض الارتباك، ثم الحزن. "ليلى؟ من ذكر لكِ هذا الاسم؟"

"لقد سمعته… في الليل. في أحد الأجنحة المهجورة."

نظرت زينب إلى يدها، وبدأت تمسك بها بعصبية. "هذا القصر… يحمل أحزانًا كثيرة. ليلى… كانت قريبةً لنا. فقدناها منذ زمنٍ طويل."

"ماذا حدث لها؟" سألت سارة، وهي تشعر بأنها تقترب من الحقيقة.

"اختفت. لم نجد لها أثرًا. كان الأمر مؤلمًا للغاية. لم نتحدث عنه كثيرًا بعد ذلك. حاولنا أن ننسى."

"ولكن… هل هناك أي شيءٍ آخر؟ هل كان هناك أي شكوك؟"

تنهدت زينب بعمق، وبدا عليها الإرهاق. "كان هناك الكثير من الشكوك. ولكن لم نجد دليلًا. ولم نرد أن نؤذي أنفسنا أكثر. ولكن… ربما لم يكن اختفاؤها مجرد اختفاء."

"ماذا تقصدين؟"

"ربما كان هناك من تسبب في ذلك. ولكننا لم نتمكن من إثبات شيءٍ. مرت السنون، وظلت الحقيقة مدفونةً. لا تكسري قلبكِ يا سارة. بعض الأشياء من الماضي، يجب أن تترك لتدفن."

لكن سارة لم تستطع أن تتوقف. لقد شعرت بأنها على وشك كشف سرٍ كبير، سرٍ قد يكون له علاقةٌ بما يحدث الآن في القصر. كانت كلماتها، "تم سلب حقها، تم إنكار وجودها"، تتردد في ذهنها.

لم تكن تعلم أن رحلتها في اكتشاف الحقيقة قد بدأت للتو، وأنها ستجرفها إلى أعماقٍ مظلمةٍ لم تتخيلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%