الفصل 13 / 25

ليلة الرعب

همسات الظلال وصدى الأزمان

بقلم سامر الخفي

جلست السيدة الفاضلة فاطمة، وقد ارتسم على وجهها الصبوح مزيج من القلق والتضرع، تراقب أروقة منزلها العتيق الذي تملأه الآن روائح البخور الفواح وعبق الياسمين المنبعث من الشرفة. كانت الشمس تغرب، تلقي بأشعتها الذهبية على نقوش الجبس المعقدة التي تزين جدران الديوان، وكأنها ترسم قصصاً من عهد مضى. سمعت خطوات خفيفة تقترب، فعرفت أن ابنتها الغالية، زينب، قد أتت.

"أمّي، هل ما زلتِ هنا؟" سألت زينب بصوت رقيق، وقد حملت في يدها صينية فضية تفوح منها رائحة الشاي بالنعناع.

"أين أذهب يا ابنتي؟ هذه الديار هي ملجأي وملاذي،" أجابت فاطمة، وعيناها تلمعان بحنان وهي تستقبل الصينية. "ولكن قلبي لم يهدأ منذ أن بلغنا خبر استيقاظ العم محمد من غلته."

جلست زينب بجوار والدتها، وتشاركت معها كوب الشاي الساخن. "لا تقلقي يا أمّي. العم محمد رجلٌ قوّي، وقد مرّ بأقسى الظروف. وسيعود إلى عافيته بإذن الله."

"آه يا ابنتي، لستُ أخاف عليه بقدر ما أخاف على سرٍّ دفينٍ بات يكتمه صدره. هذا الرجل الذي كان أعزّ أصدقاء أبيك، والذي تبادلنا معه وعوداً ورجاءات، يبدو أن هناك ما يثقل كاهله. منذ سنوات، كان هناك اتفاق بينه وبين أبيك، اتفاقٌ يخصّ مصير هذه الدار، ولكن الأقدار حالت دون إتمامه. الآن، وبعد هذه الغيبة الطويلة، يعود ليطالب بما له، أو ما يعتقد أن له."

تنهدت زينب بعمق. كانت تعرف القصة، وإن لم تدرك كل تفاصيلها. والدها، المرحوم الحاج أحمد، كان رجلاً صاحب مبدأ، ولكن ظروف الحياة القاهرة جعلته يعقد اتفاقاً يبدو الآن وكأنه لعنة. "ولكن أمّي، إذا كان الأمر يتعلق بمالٍ أو دين، فما المانع؟ المال يعود، والعلاقات تبقى."

"الأمر ليس بالمال فقط يا زينب. الأمر يتعلق بالشرف، وبالأمانة، وباسمٍ رفيعٍ ورثناه عن آبائنا. إن كان العم محمد يرغب في استعادة شيءٍ قديم، فليكن. ولكن مخاوفي تكمن في الطريقة، وفي الأسباب التي قد تكون وراء عودته الآن، في هذا التوقيت بالذات. أشعر بأن هناك رياحاً معاكسة بدأت تهبّ على عائلتنا، وأخشى أن تحمل معها ما لا يُحمد عقباه."

كانت فاطمة امرأةً حكيمة، تمتلك بصيرةً نافذة. كانت ترى ما لا تراه الأعين، وتشعر بما لا تدركه العقول. لقد عانت في حياتها ما يكفي لتكوّن فهماً عميقاً لطبيعة البشر وتقلبات الدهر.

في زاوية أخرى من المنزل، كان الشاب المهندس خالد، ابن عم زينب، يتفحص خرائط هندسية متناثرة على طاولة خشبية عتيقة. كان منهمكاً في تفاصيل مشروعٍ يتطلب دقةً وتركيزاً عالياً، ولكنه في نفس الوقت كان ذهنه مشغولاً بما يحدث. كان يعلم أن عودة العم محمد تحمل في طياتها أكثر من مجرد مصالحة عائلية. سمع بالحديث الذي دار بين فاطمة وزينب، وشعر بأن هناك ظلالاً داكنة تتجمع فوق سماء حياتهم.

"هل كل شيء على ما يرام يا خالتي؟" سأل خالد وهو يدخل الديوان، وقد وضع الخرائط جانباً.

"الحمد لله يا خالد. ولكن القلق يساورني. وكما تعلم، فإن العم محمد عاد. وهذه العودة تحمل معها أموراً قديمة."

"علمتُ بذلك. ولكن لا تقلقي. نحن هنا. وأنا مستعدٌ للمساعدة بكل ما أوتيت من قوة. إذا كان هناك أي شيء يمكنني فعله، سواء في هذا المشروع الذي أعكف عليه، أو في أي شأن آخر، فلا تترددي في إخباري."

نظرت إليه فاطمة بعينين ممتنتين. كان خالد شاباً وفياً، ورث عن أبيه شجاعة القلب ونقاء السريرة. "بارك الله فيك يا بني. أنت ونعم السند. ولكن هذه المسائل معقدة، وتتعلق بعهودٍ من الماضي."

"الماضي قد يكون ثقيلاً، ولكنه لا ينبغي أن يمنعنا من بناء مستقبلٍ أفضل،" قال خالد بحزم. "وإن كان هناك ما يشوب هذا الماضي، فبالصبر والحكمة يمكننا تذليله. سأحرص على لقاء العم محمد قريباً. لا بد أن نفهم دوافعه، وأن نجد حلاً يرضي الجميع، ويحفظ كرامة الجميع."

شعرت فاطمة براحةٍ نسبية. وجود خالد بجانبها، وخاصةً بجانب زينب، كان يبعث في نفسها الطمأنينة. كان يعامل زينب بأخويةٍ صادقة، وكان يغار على مصلحة العائلة.

في هذه الأثناء، كانت زينب تنظر إلى والدتها، ثم إلى خالد، وشعرت بأن قلباً واحداً يدق في أجسادهم. كانت تثق بهما، وتؤمن بأن تكاتفهم سيجعلهم يتجاوزون أي محنة. ولكن، في أعماق نفسها، كان هناك صوتٌ خافتٌ يهمس لها بأنه ليس كل ما يبدو كذلك. كانت تذكر عيني العم محمد، حين رآتهما للمرة الأولى بعد غيابه، كانت فيهما نظرةٌ لا يمكن تفسيرها. نظرةٌ تحمل خليطاً من الحزن، والغضب، وشيئاً غامضاً آخر… شيئاً كان يخفي وراءه قصصاً لم تُروَ بعد.

"أمّي،" قالت زينب بصوتٍ خفيض، "هل أنتِ متأكدة أن هذا الاتفاق الذي تتحدثين عنه يتعلق بمسائل مادية فقط؟"

رفعت فاطمة حاجبها، وقالت: "ما الذي يدور في ذهنك يا ابنتي؟"

"لا أدري. ولكنني أشعر بأن هناك أبعاداً أخرى. ربما يتعلق الأمر بشيءٍ أكبر. شيءٌ يؤثر على سمعة العائلة، أو على مكانتها. أتذكر أن أبي كان يتحدث أحياناً عن 'أمانة' كان يحملها، وكان يقول إنها مسؤوليةٌ عظيمة. لم أفهم حينها ما المقصود."

تأملت فاطمة كلام ابنتها، وبدت عليها علامات التفكير العميق. "ربما أنتِ على حق يا زينب. ربما كان الأمر أبعد من مجرد حساباتٍ مالية. ولكن، حتى لو كان كذلك، فماذا يمكننا أن نفعل الآن؟ العم محمد هو من يملك زمام المبادرة."

"علينا أن نستعد، يا أمّي. علينا أن نبحث عن أي وثائق قديمة، أي أوراق، أي شيء قد يوضح لنا حقيقة هذا الاتفاق. علينا أن نكون على درايةٍ كاملة قبل أي مواجهة."

وافق خالد على فكرة زينب، وأضاف: "سأساعدكما في البحث. ربما تكون هناك سجلاتٌ في مكتب أبي، أو في مخزن الكتب القديم. لا بد أن نجد شيئاً."

في هذه اللحظة، انقطعت الكهرباء فجأة، وغرق الديوان في ظلامٍ دامس. لم يكن انقطاعاً عادياً، بل كان مفاجئاً ومخيفاً. شهقت فاطمة وزينب، بينما شعر خالد بانقباضٍ في صدره. استمر الظلام لدقائق، ثم عادت الكهرباء، ولكن شيئاً قد تغير. شيءٌ في الجو أصبح أثقل، وأكثر غموضاً.

"يا إلهي! ما هذا؟" هتفت فاطمة، وقد امسك يد ابنتها بقوة.

"لا أعرف، يا أمّي. ربما عطلٌ كهربائي." أجاب خالد، ولكن صوته كان يحمل قلقاً لم يكن يخفيه.

نظرت زينب حولها، وشعرت بأن عينيها تلتقطان لمحةً خاطفةً لظلٍ يتحرك في زاوية الديوان، ظلٌ لم يكن موجوداً قبل انقطاع التيار. رفعت رأسها بسرعة، ولكن لم يكن هناك شيء. فقط أثاثٌ قديم، وستائرٌ ثقيلة.

"هل رأيتما ذلك؟" همست زينب، وصوتها بالكاد يُسمع.

"رأيتُ ماذا؟" سألت فاطمة، وقد زاد خوفها.

"ظلاً… شيئاً ما مرّ سريعاً."

"لا يا ابنتي، ربما الظلام جعل خيالك يلعب. نحن فقط في قلقٍ شديد."

نظر خالد إلى زينب، ولاحظ نظرتها المرتعبة. كان يعلم أنها ليست من تخلق الهواجس من لا شيء. "ربما يجب أن نذهب كلٌ إلى غرفته. والليل لا يزال طويلاً."

بينما كان الجميع يتحرك، شعر خالد بأن هناك أنفاساً باردة تتسلل إلى المكان، رغم حرارة الجو. لم يكن ذلك مجرد شعور، بل كان حقيقةً ملموسة. لم يستطع تفسير هذا الإحساس الغريب. هل كان نتيجةً للضغط النفسي؟ أم أن هناك شيئاً آخر، شيئاً يختبئ في ظلال ليلة الرعب التي بدأت تتكشف فصولها؟

انتهت تلك الليلة، ولكنها لم تنتهِ في أذهانهم. ظلت همسات الظلال وصدى الأزمان يتردد في أرجاء المنزل، يحمل معه وعداً بمزيدٍ من الغموض، ومزيدٍ من الخوف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%