ليلة الرعب
الأشباح العتيقة ورسائل الماضي
بقلم سامر الخفي
في صباح اليوم التالي، عادت الشمس لتلقي بأشعتها الدافئة على منزل العائلة، ولكن الدفء لم يصل إلى قلوب ساكنيه. كان القلق يخيم على الأجواء، نتيجة لليلة الماضية التي تخللتها انقطاعات غريبة وظلالٌ وهمية. استيقظت زينب مبكراً، وشعرت بأنها لم تنم طويلاً. كانت صور الظلام وأصوات الهمسات تطاردها. بعد أن توضأت وأدت صلاتها، اتجهت إلى جناح والدتها.
"صباح الخير يا أمّي،" قالت زينب وهي تجد والدتها جالسةً على سجادة الصلاة، تتلو أذكار الصباح بتضرع.
"صباح النور يا ابنتي. هل نمتِ جيداً؟" سألت فاطمة، وعيناها تحملان آثار السهر.
"لم أنم كثيراً. ولكنني استجمعت قواي. هل حدث شيءٌ غريبٌ آخر بعد انقطاع الكهرباء؟"
"لا شيءٌ يُذكر. ولكنني أرى أن هذا الانقطاع لم يكن عادياً. كأن هناك يداً خفيةً تعبث بنا. ولكن الله فوق كل شيء."
دخل خالد، وقد أعدّ بعض الأكواب من القهوة العربية المرة. "صباح الخير. يبدو أن ليلتنا كانت مقلقة."
"لم تكن مقلقة فحسب يا خالد، بل كانت غريبة. زينب ترى أشياء، وأنا أشعر بشيءٍ يتغير في هذا المنزل."
"ربما حان الوقت لنبدأ البحث الذي تحدثنا عنه بالأمس. نبحث عن أي شيءٍ قد يفسر الوضع. سأذهب إلى مكتب أبي، وأبحث في أوراقه القديمة. ربما تكون هناك إشارةٌ إلى هذا الاتفاق."
"وأنا سأبحث في مخزن الكتب القديم،" قالت زينب. "ربما أجد رسائل، أو مذكرات، أو أي شيءٍ يمكن أن يساعدنا."
بدأ الجميع في مهامهم. انغمس خالد في أوراق والده، التي كانت أغلبها تتعلق بأعماله التجارية، ولكن بينها كانت هناك بعض الأوراق الشخصية التي تحتفظ بذكرياتٍ قديمة. كان يقلب الصفحات، وشعر بأن كل ورقة تحمل معها جزءاً من تاريخ العائلة.
في مخزن الكتب، كان الجو موحشاً وغبارياً. الأرفف العالية امتلأت بالكتب القديمة، التي تفوح منها رائحة الورق المتعفن. بدأت زينب في تفحص الصناديق القديمة، والملفات التي تبدو وكأنها لم تُفتح منذ عقود. وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً، مغطىً بالغبار. حركت الغطاء الثقيل، ليكتشف بداخلها مجموعة من الرسائل القديمة، مربوطة بشريطٍ بالٍ. كانت خط اليد عليها قديم، وحبر الأقلام قد بهت.
فتحت إحدى الرسائل بحذر. كانت بخط يد جدتها، موجهة إلى جدها. قرأت بتمعن، وشعرت بأنها تفتح نافذةً على حياةٍ مضت. كانت الرسائل تتحدث عن حبٍ عميق، وعن مخاوفٍ مشتركة، وعن أمانةٍ تم حملها. ثم، بين مجموعة الرسائل، وجدت ورقةً مختلفة. كانت تبدو كعهدٍ أو اتفاقٍ مكتوب. كان التاريخ عليها يعود إلى قبل سنواتٍ طويلة.
"إلى ابني أحمد،" بدأ النص. "أوصيك بوصيةٍ غالية، حملتها بنفسي، وسلّمتها لك أمانةً. لقد عاهدتُ صديقي محمد بن قاسم على أن نحفظ هذا السرّ معاً، ونحميه من الضياع. هذا السرّ ليس مالاً، ولا أرضاً، بل هو كنزٌ لا يُقدّر بثمن، يتعلق بمستقبل هذه الدار، وبشرف عائلتين عريقتين. إن حدث لي مكروه، أو حال دوني وبين إتمام ما بدأته، فإني أسلّم الأمانة إليك. عليك أن تحافظ عليها، وأن تعيدها إلى أصحابها الشرعيين حين يأتي الوقت المناسب، وحين تظهر العلامات التي اتفقتُ عليها مع محمد. لا تفشِ هذا السرّ لأحد، حتى ولو كان أقرب الناس إليك، إلا حين تثق ثقةً كاملةً فيمن ستسلم إليه الأمانة. وقد اتفقتُ معك على شفرةٍ سرية، إن احتجتَ للتواصل مع محمد، وهي: 'الصحراء واسعة، والليل طويل'."
شعرت زينب بأن الدم يتجمد في عروقها. هذا ليس مجرد اتفاقٍ عادي. هذا شيءٌ أعمق وأخطر. كانت هذه الورقة هي مفتاح كل شيء. إنها تكشف عن سرٍّ عظيم، وعن أمانةٍ غامضة.
في نفس الوقت، كان خالد يكتشف شيئاً مشابهاً. بين أوراق والده، وجد دفتر ملاحظاتٍ صغير، يبدو أنه لم يكن يقصد أن يراه أحد. كانت هناك ملاحظاتٌ مكتوبة بخطٍ سريع، وأرقامٌ ورموز. ولكن، لفت انتباهه صفحةٌ معينة، كانت مكتوبة بشكلٍ منظمٍ وواضح.
"اليوم، تحدثتُ مع العم محمد. لقد اتفقنا على خطةٍ أخيرة. الأمانة جاهزة، ولكن الظروف لم تسمح بتسليمها. لقد قررنا أن ندفع جزءاً من ثمنها الآن، والباقي عند التسليم. ولكن، لابد من حماية الأمانة. إن اكتشف أحدٌ أمرها، فستكون العواقب وخيمة. لقد وضعتُ شفرةً للتواصل، لكي لا يسهل فكها. والشفرة هي: 'الصحراء واسعة، والليل طويل'. إذا احتاج محمد إليّ، سأقول له: 'الليل يحمل نجومًا'. وإذا احتجتُ أنا إليه، سأقول: 'النجوم تبعث نورًا'."
كان خالد يشعر بالدوار. هذا الكلام يعني أن والده كان يتكتم على سرٍ كبير، بالتعاون مع العم محمد. ولكن ما هي هذه الأمانة؟ وما الذي يجعلها بهذه الخطورة؟
اجتمعت زينب وخالد في الديوان، وقد استطاع كل منهما أن يعثر على جزءٍ من اللغز. عرضت زينب الورقة التي وجدتها، وقرأ خالد ما كتبه لها. ثم أخرج دفتر ملاحظات والده، وقرأ له الملاحظات التي وجدها.
"هذا مذهل!" قال خالد، وعيناه تتسع دهشةً. "يبدو أن والدنا كانا يخفيان سراً عظيماً."
"نعم، ولكنه سرٌ يبدو أنه الآن بدأ يظهر للعلن،" قالت زينب. "عودة العم محمد، ومطالبته بما له، يبدو أنها مرتبطة بهذا السرّ. ربما حان وقت التسليم."
"ولكن ماذا تعني هذه الأمانة؟ وكيف نعرف متى يسلمونها؟" سأل خالد.
"ربما يكون هناك رموزٌ أخرى. ربما علينا أن ننتظر. أو أن نبحث عن أي معلوماتٍ إضافية."
نظرت زينب إلى والدتها، التي كانت تستمع بصمتٍ إلى حديثهم. "أمّي، هل لديكِ أي فكرةٍ عما يمكن أن تكون هذه الأمانة؟"
فكرت فاطمة طويلاً، ثم قالت: "أبوك كان رجلاً شريفاً، وكان يخشى على سمعة العائلة. وكان يقول دائماً إن هناك أشياءً لا تُقدّر بثمن. ولكن لم أفهم يوماً ما الذي كان يعنيه. ربما كانت هذه الأمانة تتعلق بجدّكما، وبعلاقته بالعم محمد. لقد كانا صديقين حميمين، ويعملان معاً في مشاريعٍ كثيرة."
"ولكن، لماذا هذا السرّ؟ ولماذا هذه الشفرة؟" سأل خالد. "هل كان هناك خطرٌ يهدد هذه الأمانة؟"
"لا أستطيع أن أجزم. ولكن، بما أن هناك شفرة، فهذا يعني أن هناك طرفاً ثالثاً قد يكون يسعى للاستيلاء على هذه الأمانة، أو إلحاق الأذى بها."
في هذه اللحظة، سمعوا صوت جرس الباب. كان صوتاً حاداً ومفاجئاً. نهض الجميع، وشعروا بأن قلوبهم تدق بعنف. من يمكن أن يكون في هذا الوقت؟
نظر خالد من خلف الستارة، ثم قال بصوتٍ منخفض: "إنه العم محمد."
شعرت فاطمة وزينب بالتوتر. هل جاء ليطالب بما له؟ أم أن الأمر يتعلق بهذا السرّ الغامض؟
فتح خالد الباب، ليجد العم محمد يقف على العتبة، بوجهه الذي بدا شاحباً، وعينيه تحملان نظرةً غريبة.
"السلام عليكم،" قال العم محمد بصوتٍ متهدج. "هل تسمحون لي بالدخول؟ لديّ أمرٌ هامٌّ جداً لأخبركم به."
مرحباً به، دخل العم محمد، وشعر الجميع بأن الهواء قد أصبح أثقل. كان يحمل في يده شيئاً مغلفاً بورقٍ أسود.
"جئت لأتمم الوعد،" قال العم محمد، وهو ينظر إلى فاطمة وزينب وخالد. "لقد حان وقت الكشف عن الحقيقة."