الفصل 17 / 25

ليلة الرعب

سكون ما قبل العاصفة

بقلم سامر الخفي

كانت الليلة قد أرخت سدولها على قرية "وادي الغيل" الهادئة، تاركةً خلفها هدوءاً مصطنعاً يلفّ المكان. في بيت العمّ صلاح، علت الأصوات الخافتة، أين يجتمع أركان الأسرة حول مائدة الطعام، يتشاركون هموم النهار وبعض الآمال الغامضة. ناصر، الشاب ذو العينين اللامعتين والقلب المرهف، كان يجلس متربعاً، يرقب وجه أمه، السيدة فاطمة، وقد علاه شبه تجهم، يتوق لفكّ رموز السكون الذي خيّم عليها منذ عودتها من زيارة أمّ أحمد.

"أمي، هل كل شيء على ما يرام؟" سأل ناصر، بصوتٍ يحمل مزيجاً من القلق والفضول.

رفعت السيدة فاطمة رأسها، ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت: "لا شيء يا بني، مجرد تفكير في أحوال الناس. الظروف صعبة والهموم كثيرة."

لكن ناصر لم يقتنع. لقد عرف أمه جيداً، ورأى في عينيها ذلك البريق المعهود قبل الكوارث، بريقٌ كان يسبق العواصف. والدته، ذات الشخصية القوية والعزيمة التي لا تلين، كانت دائماً تبدو هادئة من الخارج، لكن قلباً نابضاً بالحياة والتساؤلات كان يدور بداخلها.

"لكنني أرى في عينيكِ شيئاً غير عادي، أمي. أراكِ شاردة الذهن، وكأنكِ تحملين ثقلاً أكبر من مجرد تفكير في أحوال الناس. هل هناك أمرٌ يخصّ أمّ أحمد؟"

تنهدت السيدة فاطمة، نظرت إلى زوجها العمّ صلاح، ثم عادت بعينيها إلى ناصر. "يا بني، بعض الأسرار يجب أن تبقى دفينة، وبعض الحقائق يصعب البوح بها، خاصةً حينما تتعلق بأشخاص أعزاء."

"لكن أمّي، نحن عائلة، وما يمسّ واحداً منّا يمسّنا جميعاً." أضافت خديجة، أخت ناصر الكبرى، وهي تنهي تناول طعامها. كانت خديجة، الفتاة العاقلة المتزنة، تتميز بذكاء حادّ وقدرة على فهم المواقف بعمق.

"أعلم ذلك يا ابنتي. ولكن ما سمعته اليوم من أمّ أحمد، أشبه بفتح صندوق باندورا، لا يمكننا العبث بما فيه دون أن نحترق بناره." قالت السيدة فاطمة، وارتعش صوتها قليلاً.

"وما هو هذا الصندوق يا أمي؟" سأل فهد، شقيق ناصر الأصغر، وهو الصبي ذو الروح المرحة والذي كان يقف خلف أخيه الأكبر، مستمعاً للحديث باهتمام.

نظرت السيدة فاطمة إلى زوجها، تنتظر منه إشارة. العمّ صلاح، الرجل الصامت الوقور، أومأ برأسه موافقاً.

"يا أبنائي، ما ستسمعونه الآن قد يغيّر فهمكم للكثير من الأمور. لقد كشفت أمّ أحمد لي عن سرٍّ قديم، سرٌّ يعود إلى ما قبل ولادتكم بسنوات طويلة، سرٌّ يتعلق بالأسرة، بالأرض، وبالأحداث التي عصفت بنا في الماضي. لقد اكتشفت وجود شيءٍ مريبٍ في بيت أمّ أحمد، شيءٌ لم يكن من المفترض أن يكون موجوداً، شيءٌ يثير القلق والريبة."

"وما هو هذا الشيء؟" سأل ناصر، وعينيه جاحظتان.

"لقد وجدت آثاراً غريبة، نقوشاً غير مفهومة على جدارٍ في قبو المنزل، كان مغلقاً منذ زمن بعيد. وقبل أن تكتشف النقوش، كانت هناك أحداثٌ غريبة تحدث في البيت، أصواتٌ مجهولة، وظلالٌ تتحرك في الليل. وعندما ذهبت لأرى بنفسي، شعرت ببردٍ قارسٍ يتسلل إلى العظام، وبشعورٍ غريبٍ بالخوف لم أعهده من قبل."

"نقوش؟ برد؟ ظلال؟" تردد ناصر الكلمات، كأنها ألغازٌ لم يحلّها بعد. "هل تقصدين جنّاً يا أمي؟"

"لا أدري يا بني، لكنني أشعر أن هناك شيئاً غير طبيعي. أمّ أحمد في حالة خوفٍ شديد، وهي تخشى على عائلتها، وعلى سمعتها. لقد طلبت مني ألا أفشي شيئاً، لكنني لم أستطع كتمان الأمر عنكم، خصوصاً وأن الأمر قد يتعلق بمنزلكم أيضاً، فالقصص القديمة تربط بين عائلتينا."

"بيت أمّ أحمد؟ وما علاقته ببيتنا؟" تساءل العمّ صلاح، وقد بدا عليه القلق.

"النقوش، يا صلاح. النقوش التي وجدتها أمّ أحمد، تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ تلك التي رأيتها في حلمٍ غريبٍ قبل سنوات، حلمٌ اعتقدت أنه مجرد كابوس. تلك النقوش كانت مرسومة بلغةٍ غريبة، وألوانٍ داكنة، وكانت تثير في نفسي شعوراً بالخطر. لقد طلبت من أمّ أحمد أن تحتفظ بما وجدته سراً، لكنني أعتقد أننا يجب أن نتحرك، يجب أن نفهم ما الذي يحدث قبل أن يتفاقم الأمر."

ارتفع صوت زقزقة عصافير الليل، كأنها تعزف سمفونيةً حزينةً على صمت المكان. الجوّ في الغرفة أصبح مشحوناً بالتوتر، وكلّ منهم كان يفكر في معنى هذه الكلمات.

"هل هناك أيّ تاريخٍ مشتركٍ بين بيوتنا يجعل هذه النقوش مرتبطة بنا؟" سأل ناصر، محاولاً ربط خيوط الأحداث.

"نعم يا بني. قصص الجدات، والحكايات المتوارثة، تتحدث عن قطعة أرضٍ كانت ملكاً لجدٍّ قديمٍ لنا ولعائلة أمّ أحمد، قبل أن تقسم بينهم بطريقةٍ غامضة. وهناك شائعاتٌ عن وجود شيءٍ مدفونٍ في تلك الأرض، شيءٌ كان له تأثيرٌ على العائلتين."

"شائعات؟ مدفون؟" كرر فهد، وقد بدأت ملامح المرح تزول من وجهه ليحلّ محلها تعبيرٌ من الذهول.

"هذه ليست مجرد شائعات، يا فهد. والدتي، رحمها الله، كانت دائماً تحكي عن رؤى غريبة، وعن أماكن لا ينبغي الاقتراب منها، وعن أسرارٍ تظلّ طي الكتمان. الآن، يبدو أن تلك الأسرار بدأت تتكشف، وأن ما كان نائماً قد استيقظ."

"وماذا علينا أن نفعل الآن، يا أمي؟" سأل ناصر، وقد غلبته رغبته في معرفة الحقيقة، وفي حماية أسرته.

"علينا أن نذهب إلى بيت أمّ أحمد غداً، مع شروق الشمس. يجب أن نرى هذه النقوش بأنفسنا، وأن نفهم ما تعنيه. ويجب أن نكون حذرين. فالخوف الذي رأيته في عيني أمّ أحمد، لم يكن خوفاً عادياً. كان خوفاً من شيءٍ لا يمكن للعقل استيعابه بسهولة."

"ولماذا الانتظار حتى الصباح؟" سأل فهد، ولم يستطع تمالك نفسه. "لماذا لا نذهب الآن، ونكتشف ما يحدث؟"

"يا بني، يجب أن نتحلى بالصبر. والقيام بأمرٍ كهذا في الظلام، قد يكون خطيراً. كما أننا نحتاج إلى بعض الاستعداد. ويجب أن نتحدث مع الشيخ سليمان، فهو رجلٌ حكيمٌ ولعلّه لديه تفسيرٌ لهذه الظواهر."

"الشيخ سليمان؟" تساءلت خديجة. "هل تعتقدين أنه يعرف شيئاً؟"

"الشيخ سليمان هو حارسٌ لأسرار القرية. لقد سمعت عنه الكثير. وهو رجلٌ لديه فهمٌ عميقٌ للتاريخ، وللتراث، ولربما لديه معرفةٌ باللغات القديمة أو بالنقوش الغريبة."

"إذاً، غداً سنذهب إلى بيت أمّ أحمد، وسنطلب من الشيخ سليمان أن يلتقي بنا. ولكن يجب أن نتذكر، يا أبنائي، أن الشجاعة لا تعني التهور. وأن الحكمة تقتضي التأني." قالت السيدة فاطمة، وأنهت كلامها بنبرةٍ حازمة.

نظر ناصر إلى أفراد عائلته، ورأى في أعينهم مزيجاً من القلق، والفضول، والإصرار. كان يعلم أن هذه الليلة لن تمرّ بسهولة، وأنهم على وشك الغوص في عالمٍ من الغموض والخطر، عالمٍ قد يقلب حياتهم رأساً على عقب. لقد بدأت اللعبة، وكان عليهم أن يلعبوها حتى النهاية، مهما كان الثمن.

ارتسم على وجه ناصر تصميمٌ غريب، مزيجٌ من الرهبة والعزيمة. كان يعلم أن ما هو قادمٌ قد يكون أكبر من أن يحتمله، لكنه كان مستعداً لمواجهة أيّ شيءٍ من أجل عائلته. في تلك اللحظة، شعر وكأنّ لعنةً قديمةً قد استيقظت، لعنةً ستلقي بظلالها على "وادي الغيل" بأكمله، ولن ينجو منها أحد.

بعد أن اجتمع أفراد الأسرة، قام ناصر وصديقه المقرب، ياسر، ببعض التحضيرات الميدانية. لقد جمعا بعض الأدوات الأساسية: مصباح قوي، حبل متين، وبعض الأغراض التي قد تفيد في حال استكشاف أماكن مغلقة أو مظلمة. ياسر، الشاب الواثق بنفسه، والذي يتمتع بمهاراتٍ في التعامل مع المواقف الصعبة، كان يشكل سنداً قوياً لناصر.

"هل أنت متأكدٌ من قرارك يا ناصر؟" سأل ياسر، وعيناه تعكسان بعض القلق. "أمّ أحمد معروفةٌ بسردها للخرافات، وربما ما رأته هو مجرد هلوساتٍ بسبب الخوف."

"أنا واثقٌ يا ياسر. أمي ليست من اللواتي يبالغن في الأمور. وإذا كانت هي تشعر بالخطر، فهذا يعني أن هناك خطراً حقيقياً. بالإضافة إلى ذلك، سمعتُ قصصاً عن جدرانٍ مخفيةٍ في البيوت القديمة، عن أماكنٍ لم تطأها قدمٌ منذ عقود."

"ولكن، لماذا يتحدثون عن نقوشٍ بلغةٍ غريبة؟ هذا ليس بالأمر الهين."

"هذا ما يجعل الأمر أكثر إثارةً وخطورةً. يبدو أن هناك سراً قديماً، سراً يتعلق بالماضي، وقد يكون له علاقةٌ ببداية كلّ الشرور في هذه القرية. يجب أن نكتشف الحقيقة."

عاد ناصر إلى غرفته، ألقى نظرةً على صورةٍ معلقةٍ على الحائط، صورةٌ لجدّه وهو شابٌّ، ذو عينين حالمتين وشعرٍ غامق. لطالما شعر ناصر بارتباطٍ غريبٍ بجدّه، الذي مات قبل أن يراه. كان يتمنى لو يعرف المزيد عن حياته، وعن الأسرار التي حملها معه إلى القبر.

"هل أنت مستيقظٌ يا جدي؟" همس ناصر، وكأنّ روحه تطير في سكون الليل. "هل هذه هي النهاية، أم البداية؟"

ثم نظر إلى نافذته، إلى سماءٍ مظلمةٍ تتلألأ فيها نجومٌ باردة. شعر وكأنّ النجوم تراقبهم، تنتظر منهم أن يخطئوا، تنتظر منهم أن يسقطوا في الفخ.

"علينا أن نكون مستعدين،" قال لنفسه بصوتٍ خفيض. "مستعدين لأي شيء."

في تلك الليلة، ساد صمتٌ ثقيلٌ على "وادي الغيل". صمتٌ كان يحمل في طياته وعداً بأحداثٍ جلل، وبكشفٍ سيطيح بالهدوء الظاهري، وسيكشف عن وجوهٍ مظلمةٍ كانت مختبئةً خلف ستار الزمن. كانت ليلةً سكونٍ ما قبل العاصفة، عاصفةٌ تحمل معها الرعب، والمفاجآت، وربما، الخلاص.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%