ليلة الرعب
أصداء من الماضي
بقلم سامر الخفي
مع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تنسج لوناً وردياً خافتاً على الأفق، اجتمع أفراد أسرة العمّ صلاح عند باب المنزل. كانت السيدة فاطمة، ترتدي حجابها الأسود المطرز، وتبدو أكثر حزماً من ذي قبل. إلى جانبها، يقف العمّ صلاح، وقد بدا على وجهه علامات التأمل العميق، بينما كان ناصر وخديجة وفهد، يقفون خلفهما، عيونهم تتطلع إلى المستقبل المجهول.
"هل أنتم مستعدون؟" سألت السيدة فاطمة، بصوتٍ يحمل مزيجاً من الشجاعة والقلق.
"نعم يا أمي،" أجاب ناصر، وقد اختلطت مشاعره بين الإثارة والخوف.
"تذكروا، يجب أن نكون حذرين، ولا نتهاون في أيّ شيء. ما سنراه قد يكون مزعجاً، وقد يثير فينا مشاعر لم نعهدها من قبل." أضاف العمّ صلاح، وهو يمسك بكتف ناصر.
كانت الوجهة الأولى هي منزل أمّ أحمد، وهو منزلٌ قديمٌ يقع في طرف القرية، يشبه في طرازه العديد من البيوت الأخرى، لكنه يحمل في طياته قصصاً أقدم، وأسراراً دفينة. عند وصولهم، وجدوا أمّ أحمد تنتظرهم عند الباب، وجهها شاحب، وعيناها زائغتان. كانت ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، ويبدو عليها الإرهاق الشديد.
"أهلاً بكم،" قالت بصوتٍ مرتجف. "كنت أنتظركم. لم أذق طعم النوم الليلة الماضية."
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،" ردّت السيدة فاطمة، وضمّتها بحنان. "هل هناك أيّ جديد؟"
"الظلال،" قالت أمّ أحمد، وعيناها تتجهان نحو الداخل. "الظلال تزداد وضوحاً، والأصوات تتردد في القبو. أشعر وكأنّ هناك من يراقبني، من يتربص بي."
"اهدئي يا أمّ أحمد،" قال العمّ صلاح. "نحن هنا لمساعدتك. هل يمكنكِ أن تريني المكان الذي وجدتِ فيه تلك النقوش؟"
قادت أمّ أحمد الجميع إلى ممرّ مظلم، يؤدي إلى درجٍ حجريٍّ قديمٍ، ينحدر إلى قبوٍ واسعٍ وموحش. كان الهواء في القبو بارداً ورطباً، محمّلاً بروائح التراب القديم والعفن. بينما كانوا ينزلون الدرج، ارتفعت أصواتٌ خافتة، تشبه همساتٍ تأتي من العدم.
"هل تسمعون ذلك؟" سألت خديجة، وعيناها تلمعان بالخوف.
"نعم،" قال ناصر، وقد شعر بقشعريرة تسري في جسده. "لكن لا تخافوا، سنبقى معاً."
وصلوا إلى قاع القبو، وهو مكانٌ واسعٌ تتناثر فيه أدواتٌ قديمةٌ مهملة، وآثارٌ للرطوبة تغطي الجدران. في أحد الجدران، كان هناك بابٌ حجريّ، مغلقٌ بإحكام، ويبدو أنّه لم يفتح منذ زمنٍ طويل.
"هنا،" قالت أمّ أحمد، مشيرةً إلى الباب. "تحت هذا الباب."
نظر العمّ صلاح إلى الباب، ثم إلى ابنه ناصر. "هل تحاول أن تفتح هذا الباب؟"
"لا،" أجاب ناصر. "لقد حاولت أمس، ولكنه متينٌ جداً. يبدو أنّه مغلقٌ من الداخل، أو أنّه مصممٌ بطريقةٍ خاصة."
"لكننا اكتشفنا شيئاً آخر،" قالت أمّ أحمد، وعادت عيناها إلى الجدار المجاور للباب. "لقد نظرت خلف بعض الأخشاب المتساقطة، ووجدت هذه."
أشارت إلى جزءٍ من الجدار، حيث كانت هناك نقوشٌ غريبة، مرسومةٌ بألوانٍ داكنة، تبدو وكأنها قديمةٌ جداً. كانت النقوش معقدةً، تحمل خطوطاً وزوايا غير مألوفة، وتشكل رموزاً غامضة.
"يا إلهي!" قال ناصر، وهو يقترب ليرى النقوش عن كثب. "هذه هي النقوش التي تحدثت عنها أمي في حلمها!"
"نعم،" أكدت السيدة فاطمة، وعيناها تحدقان في النقوش. "هذه هي. لم أعتقد أبداً أنني سأراها حقيقةً."
"ما هذه اللغة؟" تساءل فهد، وهو يحاول فهم الرموز. "هل هي عربية؟"
"لا، ليست عربية،" أجاب ناصر، وهو يشعر بالفضول يتغلب على خوفه. "تبدو وكأنها لغةٌ قديمة، ربما سريانية، أو لغةٌ من زمنٍ غابر."
"لقد قرأت شيئاً عن هذا النوع من النقوش في كتابٍ قديمٍ عن تاريخ القرية،" قال العمّ صلاح، وقد لمعت عيناه ببريقٍ من المعرفة. "كانت هناك أساطيرٌ تتحدث عن كهوفٍ قديمةٍ في هذه المنطقة، كانت تستخدمها طوائفٌ غامضةٌ في الماضي. وكانوا يضعون رموزاً خاصةً للحماية، أو للاستدعاء."
"للاستدعاء؟" كررت خديجة، وقد ساد الرعب على وجهها. "استدعاء ماذا؟"
"لا أعرف،" أجاب العمّ صلاح. "لكن يبدو أن هذه النقوش ليست مجرد زخارف. إنها تحمل رسالةً، أو ربما تحذيراً."
"وهذا الباب،" قال ناصر، وهو يشير إلى الباب الحجريّ. "هل تعتقدون أنه يؤدي إلى مكانٍ آخر؟"
"ربما،" أجاب العمّ صلاح. "ربما يؤدي إلى مكانٍ خبّأوا فيه شيئاً، أو إلى مكانٍ تركوه خلفهم."
"لقد شعرت ببردٍ شديدٍ في هذا المكان،" قالت أمّ أحمد، وهي تحتضن نفسها. "شعرت وكأنّ البرد لا يأتي من الخارج، بل يأتي من هذا الجدار، من هذه النقوش."
"هذا دليلٌ على وجود طاقةٍ غريبةٍ في هذا المكان،" قالت السيدة فاطمة. "علينا أن نستدعي الشيخ سليمان. هو الوحيد الذي قد يفهم ما تعنيه هذه النقوش، وماذا يريد من هو في الطرف الآخر من هذا الباب."
"ولكن، كيف يمكننا أن نفتح هذا الباب؟" سأل فهد، وهو ينظر إلى الباب الحجريّ العتيق.
"هذا هو السؤال الأهم،" قال ناصر. "إذا كانت هذه النقوش لها علاقةٌ بالباب، ربما يكون هناك مفتاحٌ أو رمزٌ يجب أن نستخدمه لفتحه."
"لقد لاحظت شيئاً آخر،" قالت خديجة، وهي تقترب من النقوش. "هناك بقعةٌ صغيرةٌ في منتصف النقوش، تبدو مختلفةً عن باقي النقوش. لونها أغمق، وكأنها مرسومةٌ بمادةٍ أخرى."
نظر الجميع إلى حيث أشارت خديجة. وبالفعل، كانت هناك نقطةٌ صغيرةٌ في مركز دائرةٍ من النقوش، تبدو وكأنها كانت مخصصةً لشيءٍ معين.
"ربما هذا هو المكان الذي يجب أن نضع فيه شيئاً ما،" اقترح ياسر، الذي كان يرافق ناصر منذ البداية.
"ماذا يمكن أن نضع؟" تساءل ناصر. "هل هو مفتاح؟ هل هو حجر؟"
"لا أعرف،" أجاب ياسر. "لكنني شعرت بشيءٍ غريبٍ عندما لمست النقوش. وكأنّ هناك شيئاً يتحرك بداخلها."
"ربما يجب أن نعود إلى المنزل، ونبحث في كتبنا القديمة،" قال العمّ صلاح. "ربما نجد شيئاً يساعدنا في فهم هذه اللغة، أو في معرفة ما الذي يجب أن نفعله."
"لا،" قال ناصر، وعيناه تلمعان بتصميم. "لا يمكننا الانتظار. شعرت بشيءٍ في هذا المكان، شعرت بأنّ الخطر يقترب. يجب أن نكتشف ما الذي يخفيه هذا الباب."
"ولكن كيف؟" سألت أمّ أحمد، وقد عادت عيناها إلى حالة الذعر.
"سأحاول أن أجد شيئاً،" قال ناصر، وهو ينظر حوله في القبو. "ربما هناك أداةٌ قديمةٌ، أو رمزٌ يمكننا استخدامه."
وبدأ ناصر بالبحث بين الأدوات المتناثرة في القبو. كان يبحث بجدٍّ، يقلّب الأشياء، ويتفحصها بعناية. وفجأة، توقف. كان يمسك بمقبضٍ معدنيٍّ قديمٍ، مزينٍ بنقوشٍ مشابهةٍ لتلك الموجودة على الجدار.
"انظروا إلى هذا،" قال، وقد بدا على وجهه مزيجٌ من الدهشة والترقب. "هذا المقبض، النقوش التي عليه، تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ النقوش على الجدار."
"يا إلهي!" قالت السيدة فاطمة. "هل يمكن أن يكون هذا هو المفتاح؟"
"ربما،" أجاب ناصر. "لكن كيف نستخدمه؟"
"انظر إلى هذه النقطة التي تحدثت عنها خديجة،" قال ياسر. "ربما يجب أن نضع هذا المقبض في تلك النقطة."
اقترب ناصر من الجدار، وامسك بالمقبض المعدنيّ. تردّد لحظة، ثم وضعه في النقطة المحددة في النقوش. حدث شيءٌ مدهش. بدأت النقوش تتوهج بضوءٍ خافتٍ، وانبعث صوتٌ طحنٍ حجريّ، وكأنّ الجدار نفسه يتحرك.
"إنه يفتح!" صرخ فهد، وقد علا صوته بالدهشة.
وببطءٍ شديدٍ، بدأ الباب الحجريّ ينفتح إلى الداخل، كاشفاً عن ظلامٍ أعمق، وعن رائحةٍ غريبة، رائحةٍ لا تشبه أيّ شيءٍ عرفوه من قبل. في تلك اللحظة، شعر الجميع بأنهم قد تجاوزوا نقطة اللاعودة، وأنهم قد فتحوا باباً إلى عالمٍ من المجهول، عالمٍ يحمل في طياته أسراراً قديمة، ومخاطرَ تفوق خيالهم.