ليلة الرعب
الزائر الغامض
بقلم سامر الخفي
كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الأولى، مخترقة حجاب الضباب الذي غطى قرية "الصمّان" كوشاح من حرير. اختفت الرياح الهوجاء، ليحل محلها نسيم عليل يحمل معه رائحة الأرض الرطبة، وعبق الزهور البرية. لكن الهدوء لم يطمئن فارس. ما زالت أصداء ليلة أمس، تلك الهمسات الغريبة، ورؤية الظلال، تتردد في ذهنه كصدى مزعج.
لم يستطع النوم. أمضى الليلة في غرفة صغيرة في بيت العمدة، الذي استقبله بترحاب، وإن كانت عيناه تبدوان مليئتين بالأسئلة. لم يخبر فارس أحدًا عن التفاصيل الدقيقة لما حدث في بيت جده. كيف له أن يفسر ما رآه وما سمعه؟ هل كان مجرد إرهاق، وخوف، وتأثير المكان القديم؟ أم أن هناك شيئاً حقيقياً وراء كل ذلك؟
بعد تناول وجبة إفطار بسيطة، قرر فارس العودة إلى بيت جده. لم يكن الأمر مجرد فضول، بل كان هناك شعور بالواجب. جده تركه لغزاً، ولم يكن فارس ليتقبل أن يظل هذا اللغز معلقاً دون حل.
فتح أبواب البيت بحذر. يبدو المكان هادئاً في ضوء النهار. اختفت الظلال المزعجة، وأصبحت الغرفة أقل إثارة للرعب. لكنه شعر بأن هناك ثقلاً ما زال يخيم على الأجواء.
ذهب مباشرة إلى غرفة جده. بدأ يبحث بعمق أكبر. قلب الكتب، تفحص الأدراج، أزاح الستائر. كان يبحث عن أي شيء قد يكون جده قد أغفله.
وبينما هو ينظر إلى اللوحة الزيتية لجده، لاحظ شيئاً غريباً. تحت إحدى زوايا اللوحة، كان هناك نقش صغير. انحنى ليفحصه. كان نقشاً لرمز غريب، لم يره من قبل. لم يكن مجرد نقش، بل بدا وكأنه مفتاح لشيء ما.
بدأ فارس في تفحص اللوحة بعناية فائقة. كان يعلم أن جده كان رجلاً ذكياً، وغالباً ما كان يخفي الأشياء بطرق غير تقليدية. بدأ يلمس جوانب اللوحة، ثم إطارها. وفجأة، شعر بأن هناك جزءاً من الإطار يتحرك.
بصبر، ضغط على هذا الجزء. سمع صوت نقرة خفيفة، ثم انزلق جزء من الإطار للخلف، كاشفاً عن فتحة صغيرة. كانت داخلها علبة معدنية صغيرة.
نفسه انحبست. أخرج العلبة بحذر. كانت ثقيلة، ومغلقة بإحكام. لم يكن هناك مفتاح. بدأ يبحث عن طريقة لفتحها. وبما أنه لا يملك الأدوات اللازمة، اضطر إلى استخدام القوة. بعد محاولات عدة، تمكن من فتحها.
كان بداخلها شيئان. الأول، مفتاح قديم، نحاسي، بصناعة يدوية. والثاني، كتاب صغير، مجلد بالجلد، يبدو قديماً جداً.
فتح الكتاب. كانت صفحاته مليئة بكتابات عربية قديمة، وحروف لم يفهمها فارس كلها. لكنه تعرف على بعض الكلمات، مثل "الجن"، "السحر"، "التعويذات". شعر بأن قلبه يخفق بقوة. هل كان جده متورطاً في هذا؟
وبينما هو يتصفح الكتاب، سقطت ورقة أخرى منه. كانت ورقة مرسوم عليها خريطة. خريطة قديمة للقرية، وبعض العلامات الغريبة مرسومة عليها. علامة عند بيت جده، وعلامة أخرى في مكان يبدو أنه مقبرة قديمة خارج القرية.
"ما هذا؟" تمتم فارس. هل كان جده يخفي شيئاً خطيراً؟
فجأة، سمع صوتاً. صوت طرق على الباب الخارجي. صوت قوي، منتظم.
استجمع فارس شجاعته، ووضع الكتاب والعلبة والمفتاح في حقيبته. ذهب ليفتح الباب.
كان يقف أمامه رجل ذو بنية قوية، يرتدي عباءة داكنة، وعلى وجهه لحية بيضاء قصيرة. كان وجهه تعلوه علامات الخبرة، وعيناه تبدوان ثاقبتين. لكن كان هناك شيء في نظراته يوحي بالحزن، أو ربما بالقلق.
"السلام عليكم"، قال الرجل بصوت عميق.
"وعليكم السلام"، رد فارس. "هل يمكنني المساعدة؟"
"أنا… أنا قريب لجيران جدك"، قال الرجل، وبدا وكأنه يتجنب النظر مباشرة في عين فارس. "سمعت بخبر وفاته، وجئت لأطمئن. وأيضاً… لأسأل عن شيخ القرية، السيد عبد الله. هل هو موجود؟"
كان اسم السيد عبد الله معروفاً لدى فارس. كان شيخ القرية، ورجل دين ذو احترام كبير. "السيد عبد الله في المسجد، على الأرجح"، أجاب فارس. "هل تريد أن أذهب معك؟"
"لا، شكراً لك"، قال الرجل. "لكن… أرى أنك دخلت بيت الشيخ. هل وجدت شيئاً؟"
شعر فارس بشيء من الريبة. لماذا يسأل هذا الرجل عن الأشياء الموجودة في بيت جده؟ "كنت أبحث عن الوصية، فقط"، قال فارس.
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة. "أتفهم. إنها مسؤولية كبيرة. لكن… هناك أمور في هذا البيت لا ينبغي العبث بها. أسرار قديمة…".
صمت الرجل. وبدا وكأنه يريد أن يقول شيئاً آخر، لكنه توقف.
"أي أسرار؟" سأل فارس، وهو يشعر بأن قلبه يدق بسرعة.
"لا شيء مهم"، قال الرجل، وهو يتجه نحو الباب. "فقط… احذر يا بني. بعض الأبواب الأفضل أن تظل مغلقة".
ثم غادر الرجل، تاركاً فارس في حيرة عميقة. من هذا الرجل؟ ولماذا كان يبدو قلقاً هكذا؟ وما هي "الأسرار القديمة" التي تحدث عنها؟
نظر فارس إلى الكتاب، والمفتاح، والخريطة. لقد بدأت الصورة تتضح، لكنها كانت صورة أكثر إثارة للقلق مما كان يتخيل. هل كان جده ساحراً؟ هل كان متورطاً في أمور لا يفهمها؟
قرر فارس أن يذهب إلى المسجد، ليقابل السيد عبد الله. ربما يستطيع هو أن ينير له بعض الأمور.
بينما كان يسير نحو المسجد، شعر بأن هناك عينين تراقبه. نظر حوله، لكنه لم ير أحداً. ربما كان مجرد شعور.
وصل إلى المسجد، ووجد السيد عبد الله يصلي. بعد انتهاء الصلاة، اقترب منه فارس.
"السلام عليكم يا سيدي"، قال فارس.
"وعليكم السلام يا بني"، رد السيد عبد الله، وابتسم ابتسامة دافئة. "أهلاً بك في قرية الصمّان. سمعنا عن وفات جدك. رحمه الله".
"الله يرحمه"، قال فارس. "أشكرك يا سيدي. أتيت لأطلب منك نصيحة. لقد وجدت بعض الأشياء الغريبة في بيت جدي".
شرح فارس للسيد عبد الله ما وجده، دون ذكر تفاصيل الكتاب. أخرج المفتاح، وأظهر له الخريطة.
نظر السيد عبد الله إلى المفتاح والخريطة بانتباه. ثم تنهد. "يا بني"، قال بصوت خفيض، "جدك كان رجلاً صالحاً، لكنه كان لديه اهتمامات… خاصة. لقد كان مهتماً بالتاريخ، وبالقصص القديمة. وأظن أن هذه الأشياء تتعلق بما كان يبحث عنه".
"يبحث عن ماذا يا سيدي؟" سأل فارس.
"هناك أساطير قديمة عن كنوز مدفونة في هذه المنطقة"، قال السيد عبد الله. "عن أماكن مقدسة، وعن أشياء خارقة. ربما كان جدك يعتقد أنه وجد دليلاً عليها".
"لكن… هذا الكتاب الذي وجدته… بدا وكأنه يتحدث عن الجن والسحر"، قال فارس، وهو يشعر بأن عقله يرتعش.
جحظت عينا السيد عبد الله قليلاً. "أظن أن عليك أن تكون حذراً جداً يا بني. بعض المعرفة يمكن أن تكون خطيرة. وجدك، رحمه الله، كان رجلاً حكيماً، ولكنه ربما كان أحياناً ينجرف وراء فضوله".
"ومن كان ذلك الرجل الذي جاء إلى بيت جدي؟" سأل فارس. "هل تعرفه؟"
"رجل غريب"، قال السيد عبد الله. "لم أره من قبل. لكن يبدو أنه يعرف شيئاً عن بيت جدك. وعن الأسرار التي فيه".
شعر فارس بأن كل خيط يقوده إلى لغز أكبر. هل كان بيت جده مجرد منزل، أم أنه كان بوابة لعالم آخر؟ هل كان جده بطلاً، أم مجرد رجل عادي تورط في أمور تفوق قدرته؟
"شكراً لك يا سيدي"، قال فارس. "سأكون حذراً".
خرج فارس من المسجد، وهو يشعر بأن الثقل قد زاد. لم يعد الأمر مجرد ميراث، بل أصبح سباقاً ضد الزمن، ومواجهة لأسرار قديمة. هل سيتمكن من فهم ما وجده؟ وهل سيتمكن من البقاء على قيد الحياة؟