ليلة الرعب
الغربال والفجر الدامي
بقلم سامر الخفي
كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة التراب الرطب والياسمين الذي لم يعد يمنح أريجه المعهود، بل اختلطت به مسحة من الغموض المروع. في تلك الليلة، بدت السماء وكأنها ترتدي وشاحاً داكناً، حجبت عنه النجوم المتلألئة، وحولت القمر إلى هلال شاحب، يلقي بضوءه الخافت على جنبات بيت العمران الذي اعتاد أن يضج بالحياة والأنس. غادرت ليلى قلبها، وبقيت وحدها في غرفة والدتها، تتلمس أطراف العباءة السوداء التي كانت تستر وجهها، وقد استقر فيها بردٌ لا يأتي من حرارة الليل.
"يا أمي، هل تسمعينني؟" هامست، صوتها يرتجف كعودٍ مشدودٍ على حافة الانقطاع. لم تجد إلا صدى صوتها المنكسر يرتد إليها من الجدران العتيقة. الستائر المخملية، التي اعتادت أن ترقص مع نسمات الصيف، كانت الآن جامدة، كأنها هي الأخرى حبست أنفاسها في انتظار ما لا يُحمد عقباه.
منذ أن اختفى الشيخ إبراهيم، وحالة الرعب لم تفارق منزلهم. بدأ الأمر بثرثرة الهمسات، وانتهى بوجود أشباحٍ تتجسد في خيالاتهم، وبظلالٍ تتراقص في زوايا الغرف الفارغة. كانت العائلة، التي طالما كانت مثالاً للتماسك والوئام، تعيش الآن حالة من الشتات الداخلي، تتجسد في نظرات القلق المتبادلة، وفي الصمت الثقيل الذي يطغى على حديثهم.
أما سارة، أختها الصغرى، فكانت أشدهم تأثراً. منذ رؤيتها لذلك الشيء، الذي وصفته لهم بأنه "كائنٌ أسودٌ عيناه كالجماد"، لم تعد تنام الليل. كانت تستيقظ وهي تصرخ، وتتساءل بدموعٍ غزيرة عن سبب اختفاء أبيها، وعن الكابوس الذي يطارد أحلامها.
"يجب أن نبحث عنه، يا ليلى"، قالت فاطمة، والدتهما، بصوتٍ بالكاد مسموع، وهي تجلس في طرف الغرفة، تحدق في الفراغ بأعينٍ شاخصة. "لا يمكننا أن نستسلم هكذا. إبراهيم لم يكن ليتركنا".
"ولكن أين نبحث؟" سألت ليلى، وقد تملكتها اليأس. "لقد فتشنا كل شبرٍ في هذا المنزل، وفي الحقول المحيطة. لم نجد أثراً واحداً".
"سنبحث في المخبأ القديم"، قررت فاطمة بحزم، وقد لمعت في عينيها شرارة عزمٍ خافتة. "المخبأ الذي بناه جدي في أيام الشدة. ربما يكون قد لجأ إلى هناك".
"المخبأ؟" استغربت ليلى. "ولكنه مهجورٌ منذ سنوات، ولا يمكن لأحدٍ أن يدخل إليه الآن. لقد سُدّت بوابته بحجارةٍ ضخمة".
"ليس كل الأبواب تُغلق للأبد"، قالت فاطمة، وعينيها تحدقان في الظلام الذي بدأ يتغلغل إلى زوايا الغرفة. "هناك بابٌ سريٌ، يعرفه القليلون. بابٌ سيفتح لنا ما هو مخبأٌ في جوف الأرض".
هذه الفكرة لم تطمئن ليلى. المخبأ القديم كان يحمل في طياته قصصاً مرعبة، تحدث عنها الأجداد بصوتٍ خفيض. قيل إن الجنّ قد سكنوه، وإن الأرواح القديمة ما زالت تتردد في أركانه. لكن نظرة والدتها، التي امتزجت فيها قوة الإصرار بخوفٍ عميق، جعلتها تدرك أن الطريق الوحيد للأمام هو ذاك الطريق المظلم.
في الخارج، بدأت الرياح تعوي، حاملةً معها همساتٍ غريبة، أصواتاً متقطعة، تبدو وكأنها أشباحٌ تتنازع في العراء. غادرت ليلى وغرتها إلى الغرفة المجاورة، حيث كانت سارة ترتعد فرائسها تحت الأغطية. "سارة، حبيبتي، سنذهب في رحلةٍ قصيرة. مع أمي. سنتأكد من أن كل شيءٍ على ما يرام".
حاولت سارة أن تبدو شجاعة، لكن عينيها كانتا تعكسان رعباً عميقاً. "هل سنذهب إلى حيث ذهب أبي؟" سألت بصوتٍ مخنوق.
"سنبحث عن أبي، يا غاليتي"، قالت فاطمة، وهي تحتضن سارة بقوة، كأنها تحاول أن تحميها من كل شرٍ قد يواجههما. "لكن يجب أن تكوني قوية. سنكون معاً، ولن يمسسنا سوءٌ بإذن الله".
بينما كانت فاطمة تعدّ بعض المؤن القليلة، وشموعٍ وقداحة، كانت ليلى تتأمل في صور أبيها المعلقة على الجدار. وجهه المبتسم، عيناه اللتان طالما حملتا دفء الحنان، باتا الآن مجرد ذكرى باهتة. هل كان فعلاً قد ذهب إلى ذلك المكان المروع؟ أم أن هناك يداً أخرى، يداً شريرة، قد امتدت إليه؟
فجأة، سمعت صوتاً يأتي من جهة الفناء الخلفي. صوتٌ شبيهٌ بصرير الحديد، ثم صوتٌ خفيفٌ وكأن شيئاً ثقيلاً يُجرّ على الأرض. تجمّدت في مكانها، وقلبها يخفق بعنف. "ما هذا؟" همست، وهي تشير إلى الباب.
"لا تخافي"، قالت فاطمة، ولكن صوتها هو الآخر حمل نبرة قلقٍ واضحة. "ربما يكون حيوانٌ ضالٌ".
لكن الصوت لم يكن صوت حيوان. كان أقرب إلى صوت كائنٍ يتحرك بصعوبة، يتنفس بصعوبة، ويبدو أنه يتلوى. رفعت ليلى رأسها، وهي تحاول أن تميز الصوت عبر النافذة المغلقة. في الخارج، كان الظلام كثيفاً، إلا من وميضٍ خافتٍ كان ينبعث من الجهة الشمالية للمنزل، حيث يقع المطبخ المهجور.
"علينا الخروج الآن"، قالت فاطمة، وقد اتخذت قرارها. "لا وقت لدينا للانتظار".
تجمعت العائلة عند الباب الخلفي. أمسكت فاطمة بيد ليلى، وليلى أمسكت بيد سارة. فتحت فاطمة الباب بحذر. تغلغل بردٌ قارسٌ إلى الغرفة، يحمل معه رائحةً غريبة، مزيجاً من التراب والغبار، وشيءٍ آخر لا يمكن وصفه، شيءٌ يثير الاشمئزاز.
وقفوا للحظة، يتأملون الفناء. كان كل شيءٍ هادئاً، ساكناً. لكنهم شعروا بوجودٍ خفي، بوجودٍ يراقبهم من خلف ستار الظلام. تلفتت ليلى حولها. وفجأة، رأتها. ظلٌ طويلٌ، ملتفٌ على نفسه، يقف بالقرب من الجدار الشمالي، حيث كانت ترى ذلك الوميض الخافت.
"انظروا!" همست ليلى، وهي تشير بأصبعها المرتعش.
تتبعت فاطمة اتجاه إصبع ليلى. اتسعت عيناها بصدمةٍ ورعب. "لا يمكن..." تمتمت، وهي تكاد تفقد توازنها.
كان الظل يتحرك. ببطءٍ شديد، وبشكلٍ ملتوٍ. لم يكن شكلاً بشرياً. كان أشبه بقطعة قماشٍ سوداء، ملقاة على الأرض، ولكنها بدأت ترتفع، وتتمدد، وتتشكل. ومع كل حركة، كان ذلك الوميض الخافت يزداد قوة، يكشف عن تفاصيل مرعبة.
كان ذلك الشيء يتشكل أمام أعينهم، يكاد يقترب منهم. لم يعد الظلام كثيفاً كما كان. بدأ يتخلله ضوءٌ قادمٌ من مصدرٍ مجهول، يكشف عن تفاصيل الرعب. لقد رأى إبراهيم ذلك الشيء من قبل، في ذاك اليوم المشؤوم، في حلمه. لقد حذرهم، ولكنهم ظنوه هلوسة.
"لا تقتربوا!" صرخت فاطمة، وهي تدفع ابنتيها خلفها. "اهربوا!"
لكن الهروب لم يكن ممكناً. كان الشيء أقرب الآن. رأوا فيه عيوناً، عيوناً لا تبدو بشرية، بل أشبه بعيون حيوانٍ مفترس، بل أشد. كان لها بريقٌ قديم، بريقٌ لا يمت إلى الحياة بصلة.
"أبي!" صرخت سارة، وهي تتشبث بوالدتها.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما كان الرعب يتجمد في عروقهم، بدأ ذلك الشيء يصدر صوتاً. صوتاً لم يكن صرخاً، ولا ضحكاً. كان أشبه بتمتمةٍ متقطعة، بلغةٍ قديمة، لغةٍ مجهولة. ومع كل تمتمة، كان الوميض الخافت يزداد اشتعالاً، وكأن قوةً خارقة تتجمع فيه.
"إنه يناديني!" همست فاطمة، وقد تملكها الذهول. "إنه يعرف اسمي!"
"أمي، لا!" صاحت ليلى، وهي تحاول أن تسحب والدتها، لكن قوةً غريبة، قوةٌ لا إرادية، كانت تسحب فاطمة نحو ذلك الشيء.
في هذه اللحظة، تغير كل شيء. تحول الهدوء المروع إلى عاصفة من الرعب. انقطع صوت الرياح، وسمعوا صوتاً آخر، صوتاً عميقاً، قوياً، قادماً من داخل المنزل. صوتٌ كأنه هديرُ أسدٍ غاضب، أو زئيرُ تنينٍ قديم.
"الجنّي!" صرخت ليلى، وهي تتذكر الأساطير التي سمعتها. "لقد استدعيته! لقد استدعى ذلك الشيء!"
كان ذلك الصوت هو صوت الشيخ إبراهيم، صوتٌ تحول من نداءٍ يائس إلى أمرٍ قاطع. في نفس اللحظة، وبشكلٍ غير متوقع، بدأ الوميض الخافت الذي كان يصدر من الشيء الأسود يتلاشى. تراجع الظل قليلاً، وكأنه يشعر بالتهديد.
ثم، ظهر الشيخ إبراهيم. لم يكن هو الشيخ إبراهيم الذي عرفوه. كان مظهره متغيرًا، وجهه شاحبٌ، وعيناه حمراوان. كان يرتدي عباءةً لم يروها من قبل، مطرزة برموزٍ غريبة. بين يديه، كان يمسك شيئاً متوهجاً، شيئاً أشبه بحجرٍ أبيض، ينبض بنورٍ داخلي.
"ابتعدي عنهم، يا خبيث!" صاح الشيخ إبراهيم، وصوته يتردد كالرعد. "لقد ظننت أنك تغلبت عليّ، ولكنك لم تعلم أنني أحمل معي ما هو أقوى منك!"
تراجع الشيء الأسود مرة أخرى، يطلق صفيراً مؤلماً. كان صراخاً مكتوماً، كأن قوةً هائلةٍ تحاول أن تسحقه.
"لا تخافي، يا فاطمة، يا ليلى، يا سارة"، قال الشيخ إبراهيم، وعاد صوته إلى طبيعته، ولكن بنبرةٍ لم تحمل سوى التعب والألم. "لقد انتهى الأمر. الآن".
ولكن هل انتهى الأمر حقاً؟ كانت ليلى تشعر بأن هذا ليس نهاية القصة، بل مجرد بداية فصلٍ جديد، فصلٌ أشد رعباً، فصلٌ سيغير حياتهم إلى الأبد. لأنها رأت في عيني والدها، تلك اللحظة، شيئاً لم تستطع فهمه. شيئاً جعلها تشعر بأنها لم تعد تعرفه تماماً.