الفصل 3 / 25

ليلة الرعب

صوت من الماضي

بقلم سامر الخفي

حملت أشعة الشمس الذهبية دفء الصباح، لكنها لم تستطع تبديد البرد الذي استقر في عظام فارس. كان عالقاً في دوامة من الأسئلة، لا يدري أي خيط يمسك به لينقذه من هذا الضباب الكثيف. بيت جده لم يعد مجرد مكان ذكريات، بل أصبح مسرحاً لأحداث غامضة، تحمل في طياتها ماضياً مظلماً.

قرر فارس العودة إلى بيت جده مرة أخرى. لم يكن يستطيع الصبر. أراد أن يرى تلك الخريطة مرة أخرى، وأن يحاول فهم تلك الرموز الغامضة. كانت لديه قناعة متزايدة بأن المفتاح الحقيقي لما يحدث يكمن في تلك الأرض.

عاد إلى بيت الأجداد، ودخل الغرفة التي كانت لجدّه. فتح الحقيبة، وأخرج الكتاب الصغير، والمفتاح، والخريطة. جلس على الأرضية الترابية، متأملاً الخريطة. كانت هناك علامة عند بيت جده، وأخرى في مكان يبدو كمدفن قديم، وخطوط متعرجة تربط بينهما.

"ما هذا يا جدّي؟" تمتم فارس، وهو يمسك بالمفتاح. كان المفتاح نحاسياً، وعليه نقوش دقيقة، تشبه تلك التي على العلبة.

وبينما هو يتفحص الخريطة، لمحت عيناه نقطة صغيرة، بالكاد مرئية، بالقرب من علامة المدفن. كانت مرسومة على شكل نجمة. تذكر شيئاً. في ليلة أمس، بينما كان يبحث في غرفة جده، رأى شيئاً مشابهاً في زاوية السقف، مخفياً خلف ستارة قديمة.

ألقى بالمصباح جانباً، وتوجه إلى تلك الزاوية. تسلق فوق كومة من الأثاث المكسور، ودفع الستارة. كان هناك سقف خشبي قديم. وبين الألواح، رأى نفس النجمة المرسومة.

"هل هذا هو؟" تساءل فارس. اقترب أكثر، وحاول لمس النجمة. شعر بأنها جزء من خشبة، يمكن أن تتحرك.

بجهد، استطاع أن يزيح اللوح الخشبي. انفتح أمامه تجويف صغير، مظلم. مد يده بحذر. شعر بشيء بارد، صلب. كان صندوقاً خشبياً صغيراً.

أخرج الصندوق. كان مغلقاً. نظر إليه، ثم إلى المفتاح الذي وجده في علبة جده. بدا المفتاح متطابقاً مع ثقب القفل.

ارتعشت يدا فارس وهو يضع المفتاح في القفل. أدار المفتاح. سمع صوت "طقطقة" خفيفة، ثم انفتح الصندوق.

كان بداخل الصندوق ثلاثة أشياء. الأول، قلادة فضية، عليها نفس الرمز الذي وجده على اللوحة. الثاني، كتاب جلدي آخر، لكنه أصغر حجماً، وبدا وكأنه يوميات. والثالث، قطعة قماش صغيرة، يبدو أنها محترقة قليلاً.

فتح قلادة الفضة. كانت هناك صورة صغيرة بالداخل، صورة امرأة جميلة، ذات عينين واسعتين. لم يتعرف عليها فارس. لكن كانت هناك لمسة من الحزن في عينيها.

ثم فتح اليوميات. كانت مكتوبة بخط يد مختلف عن خط جده، خط أنثوي، وأنيق. لكنه كان باللغة العربية القديمة. بدأ فارس في محاولة فك رموزها.

"اليوم… رأيت وجهه مرة أخرى. في المنام. هو… هو الذي أتى في الليل. يهمس بالوعود، ويبحث عن…". توقف النص.

"من هو 'هو'؟" سأل فارس نفسه.

استمر في القراءة. "جاء إليّ هذا الليل، ووعدني بالقوة، بالحماية. لكن الثمن… الثمن باهظ. لقد رأيت في عينيه شيئاً لم أرَه من قبل. شيئاً مظلماً…".

شعر فارس بالخوف يتسلل إلى قلبه. من كانت صاحبة هذه اليوميات؟ ومن كان هذا "هو" الذي كانت تتحدث عنه؟

"أخاف… أخاف أن أكون قد فتحت باباً لا يمكن إغلاقه. باباً سيجلب لنا العذاب".

ثم، هناك وصف غريب. "لقد رأيت الظلال تتحرك. رأيت الأبواب تفتح. رأيت…".

توقفت اليوميات عند هذه النقطة. كأنها لم تكتمل.

عاد فارس إلى ورقة القماش المحترقة. بدت وكأنها قطعة من زي قديم. كانت عليها نقوش غريبة، وبعض الرموز.

"ما كل هذا؟" تساءل فارس.

وفجأة، سمع صوتاً. صوت بكاء. صوت خافت، حزين، قادم من خارج البيت.

استجمع فارس شجاعته، وأخذ الصندوق، ووضع كل شيء بداخله، في حقيبته. ذهب إلى الباب الخارجي، وفتحه.

لم ير شيئاً. لكن الصوت استمر، يأتيه من اتجاه المقبرة القديمة.

"هل هذه دعوة؟" تساءل فارس.

نظر إلى الخريطة. علامة المدفن. هل كان عليه أن يذهب؟

تردد للحظة. لكن الفضول، والرغبة في فهم كل شيء، غلبتا على خوفه.

أمسك بالمصباح، وبدأ يسير نحو المقبرة. كانت القرية هادئة. البيوت مغلقة. فقط صدى خطواته، وصوت بكاء بعيد.

وصل إلى حافة القرية، حيث تبدأ المقبرة. كانت أشجار السدر القديمة تلوح بأغصانها، كأذرع تمتد في الظلام. كانت علامة المدفن على الخريطة قريبة من شجرة سدر ضخمة، وحيدة.

اقترب فارس من الشجرة. كان صوت البكاء الآن أعلى، وأكثر وضوحاً. بدا وكأنه قادم من تحت الأرض.

توقف فارس. كان يشعر بالخوف ينهش داخله. هل كان هذا مجرد وهم؟ أم أن هناك شيئاً حقيقياً؟

نزل إلى الأرض، وبدأ يبحث عن مصدر الصوت. لم ير شيئاً. لكن الصوت كان قوياً، وكأن شخصاً ما يبكي خلف جدار.

لاحظ وجود حجارة متناثرة حول الشجرة. بعضها بدا وكأنه كان يشكل بناءً ما. هل كان هنا قبر؟

بينما كان يتفحص الحجارة، سمع صوتاً آخر. صوت همسة. همسة باردة، قادمة من خلفه.

"هل أنت… فارس؟"

استدار فارس بسرعة، رافعاً المصباح.

كانت تقف أمامه امرأة. لم تكن المرأة التي في صورة القلادة. كانت ترتدي ملابس غريبة، داكنة. ووجهها… وجهها كان شاحباً، وعيناها غائرتان. كان هناك شيء مخيف في نظراتها.

"من أنتِ؟" سأل فارس، وصوته يرتجف.

"أنا… أنا من يحرس هذا المكان"، قالت المرأة، وبدا صوتها كأنه آتٍ من بعيد. "وجدك جدك هنا… أليس كذلك؟"

"جدّي؟" سأل فارس. "كيف عرفتِ؟"

"أنا… أشعر بمن يأتي إلى هنا"، قالت المرأة. "أشعر بالظلال التي تتبعهم".

"ظلال؟" سأل فارس. "ماذا تقصدين؟"

"هذا المكان… ليس آمناً"، قالت المرأة، وبدأت عيناها تلمعان في الظلام. "هناك قوة تسكن هنا. قوة قديمة…".

"قوة؟" تكرر فارس. "هل تتحدثين عن الجن؟"

ضحكت المرأة ضحكة غريبة، باردة. "إنها أكثر من ذلك يا بني. إنها… شيء منسي. شيء يبحث عن طريق العودة".

"ومن كانت صاحبة هذه اليوميات؟" سأل فارس، وهو يخرج اليوميات من حقيبته. "ومن كان 'هو' الذي تحدثت عنه؟"

نظرت المرأة إلى اليوميات، وارتسمت على وجهها علامات قلق. "هذه… هذه ليست اليوميات التي كنت أبحث عنها".

"أي يوميات؟" سأل فارس.

"يوميات… عن الأمان. عن الوعد. عن…"، توقفت المرأة. "لا يهم. المهم أنك هنا. وجدك… ترك لك مهمة".

"مهمة؟"

"هناك شيء يجب أن يعاد إلى مكانه. شيء لا يجب أن يكون هنا. إن لم تفعل ذلك، فإن الظلام سيبتلع كل شيء".

كانت كلمات المرأة تحمل ثقلاً غريباً. لم يكن فارس متأكداً ما إذا كان يجب أن يصدقها أم لا. لكن شيئاً في عينيها، شيئاً من الحزن والألم، جعلته يميل إلى التصديق.

"ما هو هذا الشيء؟" سأل فارس.

"هو… ليس شيئاً يمكن رؤيته بالعين المجردة"، قالت المرأة. "إنه… عبء. عبء على الروح. وجدك عرف ذلك. ولذلك ترك لك هذا…".

أشارت المرأة بيدها نحو شجرة السدر. "يجب أن تدفنه هنا. تحت الشجرة. المكان الذي بدأت منه كل شيء".

شعر فارس بأن كل شيء ينهار حوله. هل كان كل ما يعتقده صحيحاً؟ هل كان جده رجلاً يحمل عبئاً ثقيلاً؟

"هل… هل كنتِ تعرفين جدّي؟" سأل فارس.

"لقد عرفت… ما كان يبحث عنه"، قالت المرأة. "وما كان يحاول إخفاءه".

"وهل… هل أنتِ جزء من هذا؟" سأل فارس.

لم تجب المرأة. بل رفعت رأسها نحو السماء، وبدأت تردد كلمات غريبة، بلغة لم يفهمها فارس. كانت الكلمات تبدو وكأنها نداء، أو تعويذة.

فجأة، شعر فارس بأن الهواء يصبح أثقل. وأن الظلال حول الشجرة بدأت تتحرك. لم تكن مجرد ظلال عادية، بل كانت تبدو وكأنها أشكال متعرجة، تتحرك بإرادة خاصة.

"الظلال… تقترب"، همست المرأة. "يجب أن تفعل ما أقوله. قبل فوات الأوان".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%