ليلة الرعب
الفخ
بقلم سامر الخفي
كانت الظلال تتراقص حول فارس، تلتف حول قدميه، وتهمس بأصوات غير مفهومة. لم تكن مجرد ظلال، بل كانت كائنات غامضة، تتجسد من الليل، وتستمد قوتها من الخوف. شعر فارس بأن قلبه يتسارع، وبأن أنفاسه أصبحت قصيرة. كان عالقاً في فخ، لم يكن يعرف كيف وصل إليه، ولا كيف يهرب منه.
المرأة الغامضة، التي قدمت نفسها كـ "حارسة المكان"، كانت تكرر كلماتها، كأنها تعويذة قديمة: "ادفنه هنا يا بني. تحت هذه الشجرة. هذا هو المكان الذي بدأت منه كل شيء".
"ما هو؟" سأل فارس مرة أخرى، بصوت مختنق. "ما الذي يجب أن أدفنه؟"
"العبء"، أجابت المرأة. "الشيء الذي تركه جدك. الشيء الذي لم يستطع تحمله. إنه… نور خافت، لكنه يحمل خطراً عظيماً. إذا بقي خارج مكانه، فإنه سيصبح غضباً. وسيأتي ما هو أظلم من الظلال".
شعر فارس بأن كلماتها تحمل وزناً حقيقياً. لقد رأى الظلال تتحرك، وشعر بالبرد يتغلغل في عظامه. كانت هناك قوة حقيقية هنا، قوة لا يمكن إنكارها.
"لكن… كيف أعرف أنه العبء؟" سأل فارس، وهو يخرج الصندوق الصغير من حقيبته. "هناك قلادة، ويوميات، وقطعة قماش محترقة".
"القلادة… هي مفتاح الذاكرة"، قالت المرأة. "اليوميات… هي صدى الألم. والقطعة المحترقة… هي شعلة البداية. كل هذا… جزء من العبء. لكن العبء نفسه… هو شيء آخر".
"شيء آخر؟"
"نعم. شيء لا تراه بعينيك، لكنك تشعر به. إنه… ثقل على الروح. ثقل معرفة الحقيقة. وجدك، كان يحمل هذا الثقل. وفي لحظة ضعف، حاول أن يدفنه… هنا".
بدأت المرأة تشير بيدها إلى نقطة محددة تحت الشجرة. "هنا. المكان الذي بدأ فيه كل شيء، وهنا يجب أن ينتهي".
نظر فارس إلى النقطة التي أشارت إليها المرأة. كانت هناك حجارة متفرقة، تبدو وكأنها كانت تشكل مدخلاً.
"لكن… كيف سأعرف أنني دفنت الشيء الصحيح؟" سأل فارس. "وماذا عن هذه الأشياء؟"
"احتفظ بها"، قالت المرأة. "إنها ستساعدك على فهم الحقيقة. ولكن الآن… عليك أن تركز على العبء".
شعر فارس بأن قواه تخونه. كان خائفاً، مرتبكاً. لكن شيئاً ما بداخله، ربما إرث جده، ربما واجبه، دفعه للمضي قدماً.
بدأ فارس يحفر حول النقطة التي أشارت إليها المرأة. كانت التربة متماسكة، لكنه استمر. الظلال كانت تحيط به، كأنها تشجعه، أو ربما تحذره.
بينما كان يحفر، شعر بشيء يلمس يده. لم يكن حجراً، بل كان شيئاً ناعماً، دافئاً. أخذ يتفحص بيده. كان شيئاً أشبه بكرة صغيرة، متوهجة بضوء خافت. كان هذا الضوء جميلاً، لكنه كان يحمل أيضاً شعوراً بالقلق.
"هذا هو"، همست المرأة. "هذا هو العبء. امسكه. وشعر بثقله".
مد فارس يده، وأخذ الكرة الصغيرة. كانت دافئة، لكنها كانت ثقيلة بشكل غريب. لم يكن ثقلاً في حجمها، بل ثقلاً في وجودها. شعر بأنها تحمل معرفة، وحزناً، وألمًا.
"اذهب. ادفنه. الآن"، قالت المرأة.
وضع فارس الكرة الصغيرة في الحفرة التي حفرها. بدأ يغطيها بالتراب. كان يشعر بأن الظلال تبتعد قليلاً، وكأنها راضية.
بينما كان يضع آخر قطعة تراب، شعر بشيء غريب. ضوء خافت جداً، انبعث من المكان الذي دفن فيه الكرة. لم يكن ضوءاً قوياً، بل كان وكأنه يتنفس.
"لقد انتهيت"، قال فارس، وهو يقف، ويشعر بالإرهاق الشديد.
"ليس تماماً"، قالت المرأة. "لقد أعدته إلى مكانه. لكن الآن… عليك أن تفهم. لماذا كان هنا؟ ومن أراد أن يدفنه؟"
"جدّي؟" سأل فارس.
"نعم. وجدك… لم يكن مجرد رجل عادي. لقد كان حارساً. حارساً لهذا العبء. وهو… هو ليس وحده".
"ليس وحده؟"
"هناك آخرون. يحاولون استعادته. يحاولون استغلال قوته. جدك… حاول أن يحميه. لكنه لم يستطع".
"ومن هم هؤلاء الآخرون؟"
"هم… أولئك الذين يعبدون الظلام. الذين يبحثون عن القوة في الأشياء المنسية".
شعر فارس بصدمة. هل كان جده جزءاً من صراع قديم؟
"لماذا أخبرتني كل هذا؟" سأل فارس. "لماذا لم تتركي الأمر؟"
"لأنك… من سلالته"، قالت المرأة، وبدا صوتها يرتعش. "لأن جدك… وثق بك. ترك لك الأدلة. ترك لك الطريق. وأنا… أنا أرشده".
"هل أنتِ… حارسة أيضاً؟"
"أنا… أقدم المساعدة. لمن يعرفون الطريق".
نظر فارس إلى المرأة. كانت تبدو متعبة، وحزينة. "من هي صاحبة اليوميات؟" سأل.
"هي… من كانت تحمل العبء قبل جدك"، قالت المرأة. "كانت… جميلة. وكانت قوية. لكنها… سقطت. أغرتها القوة. وأصبحت… ظلاً".
شعر فارس بالبرد يسري في عروقه. سقطت؟ أصبحت ظلاً؟ هل كان هذا مصير كل من يحمل العبء؟
"هل… هل هي هنا؟" سأل فارس.
"هي… جزء من هذا المكان. جزء من الظلال"، قالت المرأة. "وهي… تبحث عن العبء".
"إذاً… ما فعلته الآن… كان خطأ؟" سأل فارس، وهو يشعر بالذعر.
"ليس خطأ. لكنه… مجرد بداية"، قالت المرأة. "لقد أعدت العبء إلى مكانه. لكنهم سيعرفون. وسيبحثون عنه".
"ومن هم 'هم'؟"
"أولئك الذين يسعون وراء الظلام. الذين يرتدون عباءات الأكاذيب. وجدك… كان يعرفهم. وكان يخشاهم".
"وكيف عرفهم؟"
"لقد رآهم. لقد سمعهم. لقد… شعر بهم. ولهذا السبب… ترك لك الأدلة".
شعر فارس بأن كل شيء أصبح أكثر تعقيداً. لم يعد الأمر مجرد ميراث، بل أصبح سباقاً ضد قوى شريرة.
"ماذا أفعل الآن؟" سأل فارس.
"عد إلى القرية. احتفظ بالأشياء التي وجدتها. ادرسها. افهمها. ابحث عن الحقيقة. وفي الوقت المناسب… ستعرف ما يجب أن تفعله".
"وهل ستكونين هنا؟"
"سأكون قريبة. عندما تحتاجني. لكن تذكر… الظلام يكمن في كل مكان. وعليك أن تكون حذراً. جداً".
بدأت المرأة تتلاشى ببطء، وكأنها تتحول إلى دخان. "احذر… فارس"، همست بصوت بالكاد يُسمع. "الظلام… لا يرحم".
ثم اختفت تماماً. تركته وحده في ظلام المقبرة، وصوت بكاء بعيد، وصورة المرأة الغامضة، وعبء ثقيل، لا يدري كيف سينتهي.