الفصل 6 / 25

ليلة الرعب

خيوط الشر الدقيقة

بقلم سامر الخفي

لم تنم سعاد تلك الليلة، فقد استيقظت على صوت جدتها، أم زينب، وهي تنادي عليها بأعلى صوتها، تطالبها بإعداد شاي الصباح. كانت الجدة، رغم كبر سنها، لا تزال تتمتع بحيويةٍ ملحوظة، لكن هذه الحيوية كانت غالباً ما تتحول إلى تدقيقٍ لاذعٍ في كل صغيرةٍ وكبيرة. كانت سعاد تشعر ببعض الانزعاج من تدقيق جدتها، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن هذا الانزعاج هو ثمنٌ زهيدٌ مقابل حنان أمها الذي لا ينضب، وقلق زوجها الذي يخفي حبه خلف ابتسامةٍ متعبة.

خرجت سعاد من غرفتها، وجهها شاحبٌ كوجه الموتى. أمسكت بجسدها رعشةٌ خفيفةٌ وهي تتذكر تفاصيل الليلة الماضية. المال الذي في الدرج كان أشبه بقطعةٍ من الجمر، تلتهم يدها كلما فكرت فيه. كانت تشعر بعبءٍ ثقيلٍ يقع على صدرها، عبءٌ لا يمكن أن تشاركه أحداً.

"لماذا تتأخرين يا فتاة؟ هل تشعرين بالمرض؟" سألت الجدة زينب، وهي تضع كوب الشاي أمامها. كانت عيناها الثاقبتان لا تفوتان شيئاً.

"لا يا جدتي، فقط... لم أنم جيداً." حاولت أن تبدو طبيعية، لكن صوتها كان يرتعش.

"النوم الجيد نعمةٌ من الله. ومن يفرط فيها، يفسد عليه يومه." قالت الجدة، ثم بدأت تتناول خبزها بفمٍ بطيء. "هل أتى أحدٌ بالليل؟ سمعتُ صوتاً."

تصلبت سعاد في مكانها. "لا، لم يأتِ أحدٌ يا جدتي. ربما كان صوت الريح."

نظرت إليها الجدة مطولاً، وكأنها تقرأ في كتابٍ مفتوح. "الريح لا تتحدث بلغة البشر يا سعاد. ولا تترك أثراً في القلب كهذا."

كانت نظرات جدتها مخيفةً، ولكنها في نفس الوقت كانت تشعرها ببعض الطمأنينة. كانت تعلم أن جدتها تحبها، وأنها لا تريد لها الشر. ولكن كيف لها أن تشرح لجنتها تلك الصفقة المظلمة التي بدأت تنسج خيوطها حولها؟

بعد أن غادرت جدتها، جلست سعاد وحدها، تتأمل ما حدث. كانت تتذكر كيف أن ليلى لم تكن مجرد امرأةٍ تعرض المال، بل كانت ساحرةً بارعةً، تستطيع أن تغوي الروح قبل أن تغوي الجسد. كانت كلماتها تنزلق إلى أعماقها كالدواء المسموم، تبعث فيها آمالاً زائفةً، وتجعلها تنسى كل ما تعلمته من قيمٍ ومبادئ.

"هذا المال لن يجلب لكِ السعادة يا سعاد، بل سيجلب لكِ العذاب." همست لنفسها، ثم عادت لتنظر إلى صورة زوجها، بلزوجها الذي كان يكدح كل يوم، يصارع الزمن ليؤمن لقمة العيش لأسرته، زوجها الذي كان يرى في عينيها كل ما يملك.

لكن الصوت الآخر في رأسها كان يلح عليها. "هل ترغبين في رؤية أطفالكِ يموتون جوعاً؟ هل ترغبين في رؤية زوجكِ يزداد تعباً كل يوم؟ هذه فرصةٌ ذهبيةٌ، اغتنميها."

جلست ليلى في سيارتها الفارهة، وهي تبتسم بانتصار. كانت تعلم أنها وضعت سعاد في موقفٍ لا رجعة فيه. كانت تعلم أن ضعفها، وطمعها، وخوفها، كلها أسلحةٌ تستطيع أن تستغلها. كانت سعاد بالنسبة لها ليست سوى دميةً جديدةً ستلعب بها.

"أيتها الروح الضعيفة، لقد سقطتِ في فخي." قالت ليلى لنفسها، وهي تشعل سيجارتها. كان عطرها الفاخر يملأ هواء السيارة، عطرٌ يمزج بين الورد والمسك، لكنه كان يحمل رائحةً خبيثةً، رائحةً تدل على عالمٍ من الانحلال والفساد.

في تلك الأثناء، كان زوج سعاد، أحمد، قد عاد من عمله. كان وجهه متعباً، وشعره الأشعث يدل على معركته اليومية مع الحياة. عندما رأى سعاد، حاول أن يرسم ابتسامةً دافئة. "كيف حالكِ يا حبيبتي؟ هل طبختِ شيئاً شهياً اليوم؟"

شعرت سعاد بلسعةٍ في قلبها. كيف لها أن تخبره بما فعلت؟ كيف لها أن تقف أمام عينيه البريئتين وهي تحمل هذا السر المظلم؟ "نعم يا أحمد، طبختُ... طبختُ العدس." قالت بصوتٍ واهن.

لاحظ أحمد شحوب وجهها، وقلقها. "ما بكِ يا سعاد؟ تبدين متعبة. هل حدث شيء؟"

"لا يا أحمد، أنا فقط... أنا فقط قلقةٌ على مستقبل أطفالنا. أريدهم أن يتعلموا، أن يصبحوا أفضل منا." حاولت أن تجد حجةً تبدو منطقية.

ابتسم أحمد ابتسامةً حزينة. "لا تقلقي يا حبيبتي. سنفعل ما بوسعنا. إن الله مع الصابرين."

كانت كلماته هذه كالسهم الذي اخترق قلب سعاد. شعرت بأنها تخونه، وتخون أطفالهما، وتخون ربها. كان يدها التي في الدرج، وهي تحمل المال، تشعر بثقلٍ لا يطاق.

وفي المساء، جاءت ليلى مرةً أخرى. لم تكن هذه الزيارة كسابقتها. كانت هذه الزيارة لتأكيد الصفقة، ولإعطاء سعاد مهمتها الأولى. "لقد أحضرت لكِ هديةً بسيطة، لتتعرفي على أحد أصدقائي." قالت وهي تقدم لها علبةً أنيقةً، بداخلها هاتفٌ محمولٌ حديث.

"هذا الهاتف خاصٌ جداً. لا تدعيه يصل إلى يد أحد. سأعطيكِ رقماً، اتصلي به عندما أقول لكِ."

كانت سعاد تشعر بالدوار. كل شيء كان يحدث بسرعةٍ تفوق قدرتها على الاستيعاب. لم تكن تعرف حتى ما الذي سيُطلب منها فعله.

"وماذا سأفعل؟" سألت بصوتٍ مرتجف.

"لا تخافي. ستكونين مجرد فتاةٍ جميلةٍ تقابل رجلاً مهمًا. تتحدثين معه، تستمعين إليه. ربما تخرجين معه في موعدٍ غرامي، ولكن فقط ظاهرياً. أنتِ تضعين له ابتسامةً، وهو يشعر بالسعادة. لا أكثر."

كانت كلمات ليلى هذه هي الشرارة التي أشعلت بركان الخوف في قلب سعاد. موعدٌ غرامي؟ مع رجلٍ لا تعرفه؟ هل كان هذا ما تعنيه بـ "الخدمات الصغيرة"؟

"لا! لا أستطيع! هذا يتجاوز كل شيء!" صرخت سعاد، وصوتها يعلو بالذعر.

ابتسمت ليلى ببرود. "يا عزيزتي، لقد أخذتِ المال. لا يمكنكِ التراجع الآن. بالإضافة إلى ذلك، أنتِ لم تفعلي شيئاً سيئاً. فقط تتظاهرين بالسعادة. وهو ما تفعله الكثيرات في هذا العالم."

شعرت سعاد بالبرد يتغلغل في عظامها. كانت تدرك أنها قد وقعت في شركٍ لا مفر منه. كانت تعلم أن ليلى لن تسمح لها بالخروج منه بسهولة.

"ولكن، ماذا لو اكتشفتُ أن الأمر أسوأ مما تقولين؟" سألت سعاد، صوتها بالكاد مسموع.

"لن تكتشفي. ما دام أنكِ تفعلين ما أطلبه منكِ. وتذكريني، أنتِ تفعلين هذا لأجل عائلتكِ. أليس كذلك؟"

كانت هذه الجملة الأخيرة هي القاضية. كانت ليلى تلعب على وتر الضعف، على وتر الأمومة. كانت تعلم أن سعاد لا تستطيع أن تتحمل رؤية أطفالها يعانون.

خرجت سعاد من منزلها، وهي تشعر بأنها قطعةٌ من قماشٍ ممزق. كان الهاتف الجديد في يدها، كأنه قنبلةٌ موقوتة. نظرت إلى السماء، وبكت. كانت تشعر بأنها قد ضلت طريقها، وأنها أصبحت تحمل عبئاً ثقيلاً لا تستطيع أن تتحمله. كانت تعلم أن هذه مجرد البداية، وأن الظلام الذي بدأ يتسلل إلى حياتها، سيتحول قريباً إلى عاصفةٍ مدمرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%