الفصل 7 / 25

ليلة الرعب

عتمةٌ تبتلع النور

بقلم سامر الخفي

عادت سعاد إلى منزلها، وقد تسرب اليأس إلى أعماق روحها. الهاتف الجديد، الذي كان في يدها كأنه قطعةٌ من ثقلٍ جهنمي، كان يشعرها بالبرد يتغلغل في عظامها. كانت تشعر بأنها قد باعت روحها، وأنها أصبحت ملكاً لكيانٍ مظلمٍ لا ترحم. نظرت إلى أبنائها، وهم يلعبون في الفناء، يضحكون ببراءة، فاشعرها ذلك بالذنب والغضب في آنٍ واحد. كيف لها أن تفسد عالمهم البريء بهذا القرار الخاطئ؟

في تلك الليلة، لم يجرؤ أحمد على الاقتراب منها. رأى في عينيها ذلك البريق المشتعل، ذلك الحزن العميق الذي لا تستطيع الكلمات وصفه. شعر بأن شيئاً ما قد تغير، وأن حجاباً رفيعاً قد استقر بينهما. حاول أن يسألها، لكنها كانت تتجنب النظر إليه، ترد عليه بكلماتٍ مقتضبة.

"هل أنتِ بخير يا سعاد؟" سأل أحمد، بصوتٍ يرتعش.

"نعم يا أحمد، أنا بخير. فقط متعبةٌ قليلاً." قالت، وهي تنظر إلى الأرض، وكأنها تبحث عن مخرجٍ من هذا الحوار.

"تبدين غير مرتاحة. هل هناك ما يزعجكِ؟" أصر أحمد، وهو يحاول أن يمسك بيدها.

تراجعت سعاد خطوةً إلى الوراء. "لا، لا شيء. أرجو أن تدعني وشأني. أريد فقط أن أرتاح."

شعر أحمد بلسعةٍ في قلبه. لقد أدرك أن هناك سراً تخفيه سعاد، سراً يهدد سعادتهما. لكنه لم يستطع أن يضغط عليها أكثر. كان يعلم أنها تحبه، وأنها لن تفعل شيئاً يضر بعائلتهما.

في صباح اليوم التالي، استيقظت سعاد قبل الجميع. أمسكت بالهاتف الجديد، كأنها تتلمس مسار الموت. كانت تعلم أن ليلى ستتصل بها قريباً، وأن عليها أن تكون مستعدة. لكنها لم تكن مستعدةً أبداً.

"اللهم إني أعوذ بك من الشرور كلها." همست، وهي تدعو الله بصوتٍ خافت.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى رن الهاتف. كان رقماً غريباً. ارتعدت سعاد، وأمسكت بالهاتف بيدٍ مرتعشة.

"نعم؟" قالت بصوتٍ متقطع.

"سعاد؟" كان الصوت عميقاً، رجولياً، ولكنه بارد. "أنا... سأكون في المقهى المجاور لمنزلكِ بعد ساعة. أحضري معكِ قهوةً. وأنا سأكون بانتظاركِ."

كانت الجملة الأخيرة كالصاعقة. "قهوة؟" لم تفهم ما المقصود. هل كان هذا اختباراً؟ أم مجرد بدايةٍ لتلك المهمة التي وصفتها ليلى؟

"ولكن... من أنت؟" سألت سعاد، وصوتها بالكاد مسموع.

"أنا من سيعرفكِ بنفسه. فقط تعالي. ولا تتأخري." أغلق الخط.

شعرت سعاد بالدوار. كان عليها أن تذهب. لقد أخذت المال، ولم يعد بإمكانها الهروب. أمسكت بعباءتها، وخرجت من المنزل، وهي تشعر بأن كل خطوةٍ تخطوها تبعدها عن عالمها، وعن نفسها.

ذهبت إلى المقهى، وقلبها يخفق بعنف. جلست على طاولةٍ في زاويةٍ بعيدة، تترقب. بعد لحظاتٍ، دخل رجلٌ أنيقٌ، يرتدي بدلةً باهظة الثمن. كان رجلاً ضخم الجثة، بملامح حادة، وعينين باردتين. كان ذلك الرجل الذي تحدثت معه ليلى.

اقترب الرجل منها، وجلس على الكرسي المقابل. "مرحباً بكِ." قال بصوتٍ أجش. "لم أكن أعرف أنكِ جميلةٌ لهذه الدرجة."

شعرت سعاد بالخجل، والاشمئزاز. "هل طلبتَ مني أن أحضر لكَ القهوة؟" سألت، محاولةً أن تبدو طبيعية.

"القهوة؟ لا. لم أطلب منكِ قهوة. طلبتُ منكِ أن تأتي. وأن تتحدثي معي." قال، وهو ينظر إليها بتمعن. "أنتِ سعاد، أليس كذلك؟"

"نعم."

"جميل. سمعتُ الكثير عنكِ. سمعتُ أنكِ ذكية، وجذابة. وأنيقة."

كانت هذه المجاملات في غير محلها، وتزيد من شعورها بالضيق. "ماذا تريد مني؟" سألت بصوتٍ مباشر.

"أريد أن أتعرف عليكِ. فقط. لا أكثر. هل تمانعين؟"

"أنا... أنا متزوجة."

"أعلم. هذا لا يهم. كل شيء في الحياة له ثمن يا سعاد. وأنتِ تملكين شيئاً ثميناً."

كانت كلماته هذه تشبه لدغة الثعبان. "ماذا تقصد؟"

"أقصد أنكِ جميلة، وأنكِ تملكين تلك الرقة التي تجعل الرجال يفتنون بكِ. وأنا أحب أن أمتلك الأشياء الثمينة."

شعرت سعاد بالبرد يتسلل إلى عظامها. لقد أدركت أن ليلى قد خدعتها. لم يكن الأمر مجرد "خدمات صغيرة"، بل كان بيعاً كاملاً لروحها.

"لا، لا أستطيع." قالت، بصوتٍ يرتعش. "أنا آسفة."

ضحك الرجل ضحكةً قصيرة، باردة. "الآسف لا يشتري لكِ شيئاً يا سعاد. أنتِ تعلمين ذلك. لقد أخذتِ المال. لم يعد بإمكانكِ التراجع. وإلا... سيكون الأمر سيئاً جداً لكِ."

كان تهديده واضحاً. شعرت سعاد بأنها في ورطةٍ لا مخرج منها.

"ماذا تريد مني؟" سألت، وهي تشعر بأنها تفقد السيطرة على حياتها.

"أريد منكِ أن تكوني قريبةً مني. أن تأتي لزيارتي عندما أرغب. أن تتحدثي معي. أن تجعليني أشعر بالراحة. فقط هذا. مقابل... مبلغٍ أكبر بكثير مما أعطتكِ ليلى."

كان عرض الرجل أشبه بسمٍ حلو. لكن سعاد لم تكن ترغب في المزيد من الخطايا. "لا. لا أستطيع. زوجي... أطفالي..."

"زوجكِ لن يعرف. وأطفالكِ سيعيشون حياةً أفضل. ألا هذا ما تريدين؟"

كان الرجل يلعب على نفس وتر الضعف الذي لعبت عليه ليلى. "ولكن... هذا ضد ديني. ضد أخلاقي."

"الدين والأخلاق أشياءٌ للفقراء. الأقوياء يصنعون قوانينهم الخاصة." قال، وهو ينهض. "سأتصل بكِ مرةً أخرى. وأتمنى أن تكوني قد فكرتِ جيداً. وإلا... ستندمين."

خرج الرجل من المقهى، وترك سعاد وحدها، تغرق في بحرٍ من الخوف واليأس. كانت تشعر بأنها قد اختارت طريقاً مظلماً، وأنها تسير فيه بلا عودة. لم يعد لديها سوى ذلك المال الذي في الدرج، وذلك الهاتف الذي يحمل تهديداً مستمراً. شعرت بأن حياتها قد تحولت إلى كابوسٍ طويل، وأنها قد ضاعت في عتمةٍ لا تنتهي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%