الفصل 8 / 25

ليلة الرعب

ظلالٌ في قلوب الأحباء

بقلم سامر الخفي

عادت سعاد إلى منزلها، والقلب مليءٌ بالوحل. كان المشهد الأخير في المقهى يطاردها، صورة الرجل ذي العينين الباردتين، كلماته اللاذعة، وتهديداته المبطنة. شعرت بأنها قد انزلقت في منحدرٍ خطير، وأن صعوده بات مستحيلاً. أمسكت بالهاتف الجديد، وكأنه قطعةٌ من جمرٍ لاذعة، ترميه في درجٍ عميقٍ، تحت أكوامٍ من الأقمشة القديمة، لعله يختفي، وينسى.

لكن النسيان لم يكن خياراً. فقد بدأت آثار ذلك اللقاء تلقي بظلالها على حياتها. لم تعد سعاد تلك الزوجة المبهجة، الأم الحنونة. أصبحت هادئةً، منطويةً، وشاردة الذهن. كانت عيناها، التي كانت تلمع بحيويةٍ ودفء، قد اكتست بحزنٍ عميق، وكأنها ترى ما لا يراه الآخرون.

كان أحمد، زوجها، يلاحظ التغيرات فيها. كان يقضي ساعاتٍ يتأملها، محاولاً أن يفهم ما يجول في خاطرها. كان يرى تلك الدموع الخفية التي تتسلل إلى عينيها حين تظن أن لا أحد يراقبها، يسمع تلك الأنفاس المتلاحقة التي تخرج منها في سكون الليل. كل ذلك كان يثير قلقه، ويزيد من حيرته.

"ما بكِ يا سعاد؟" سأل أحمد ذات مساء، وهو يجلس بجانبها على السرير. "هل هناك ما يزعجكِ؟ أتمنى أن تشاركيني همومكِ. فأنا زوجكِ، وشريككِ في الحياة."

نظرت سعاد إليه، وكان في عينيها مزيجٌ من الخوف والأسى. "لا شيء يا أحمد. فقط... أشعر ببعض الإرهاق."

"الإرهاق؟ ولكنكِ لم تفعلي شيئاً اليوم سوى الجلوس. أرى أنكِ تبتعدين عني، وعن أطفالكِ. هل ارتكبتُ خطأً؟ هل سببتُ لكِ ألماً؟"

تنهدت سعاد بعمق. "لا يا أحمد، أنتَ أفضل زوجٍ في العالم. أنتَ لم ترتكب أي خطأ. ولكن... أنا."

"أنتِ؟ ماذا فعلتِ؟"

"أنا... أشعر بأنني لستُ على ما يرام. أشعر بأنني... أخطأتُ."

كانت هذه الكلمات كافيةً لتثير الشكوك في قلب أحمد. لقد شعر بأنها تخفي سراً، سراً لا تستطيع أن تبوح به. ولكنه لم يكن يتخيل حجم ذلك السر، ولا عمق الظلام الذي كانت سعاد تغرق فيه.

في هذه الأثناء، كانت ليلى تراقب سعاد عن بعد. كانت ترى بأنها بدأت تستسلم، وأنها باتت أقرب إلى ما تريد. كانت ليلى قد بدأت تستخدم سعاد كواجهةٍ لها، لإخفاء صفقاتها المشبوهة. كانت سعاد، بجمالها وبراءتها الظاهرية، أداةً مثاليةً لفتح أبوابٍ مغلقة، وإبرام عقودٍ مشبوهة.

وفي يومٍ من الأيام، تلقت سعاد رسالةً عبر الهاتف الجديد. كانت الرسالة من الرجل الذي قابلته في المقهى. "أنا بحاجةٌ إليكِ. أحضري لي شيئاً مهماً. لا تخبري أحداً. سأكون في نفس المكان. وأنا في انتظاركِ."

شعرت سعاد بالذعر. كان هذا الطلب يفوق قدرتها على التحمل. لم تكن مستعدةً لتكون مجرمة، أو لصنع جريمة. كانت مجرد أمٍ بسيطة، وزوجةً وفيةً.

"لا أستطيع." كتبت سعاد، يداها ترتجفان.

بعد لحظاتٍ، جاء ردٌ آخر. "إذا لم تأتي، فسأجعل زوجكِ يعرف كل شيء. وسأجعل عائلتكِ كلها تدفع الثمن."

كان هذا التهديد قاسياً، ومدمرًا. كانت سعاد ترى أمامها مستقبلين مظلمين: إما أن تخون كل ما تؤمن به، وتصبح مجرمةً، أو أن تخسر كل شيء، زوجها، أطفالها، سمعتها.

وفي هذه اللحظة العصيبة، حدث أمرٌ آخر. وصلت أخبارٌ عن مرضٍ مفاجئٍ أصاب جدة سعاد، أم زينب. كان المرض شديداً، ووضعها في حالةٍ حرجة. شعرت سعاد بحزنٍ عميق، وحنينٍ إلى أيامٍ مضت، أيامٍ كانت فيها براءة الطفولة تسود، وأيامٍ كانت فيها قلوب الأحبة لا تعرف الشك.

ذهبت سعاد لزيارة جدتها في المستشفى. كانت الغرفة هادئة، ومليئةً برائحة الدواء. وجدت جدتها، وهي شيخةٌ جليلة، قد علا وجهها الشيب، لكن عينيها كانتا لا تزالان تلمعان بالحكمة.

"سعاد يا ابنتي،" قالت الجدة بصوتٍ خافت، "أرى في عينيكِ ألماً لا ينتهي. كأنكِ تحملين جبلاً فوق صدركِ."

نظرت سعاد إلى جدتها، وشعرت بأنها تريد أن تبوح بكل شيء. لكنها لم تستطع. كان الخوف أقوى منها.

"لا يا جدتي، أنا فقط... حزينةٌ على مرضكِ."

"المرض ليس النهاية يا سعاد. النهاية هي إغلاق العينين على ذنبٍ لا نستطيع أن نحمله. تذكري دائماً، أن الله غفورٌ رحيم، ولكن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم."

كانت كلمات جدتها كالنور الذي يحاول أن يشق طريقه عبر الظلام. شعرت سعاد بأنها بحاجةٍ إلى التوبة، إلى طلب المغفرة.

لكن في تلك اللحظة، رن هاتفها. كان الرقم مجهولاً. "هل أنتِ سعاد؟" سأل الصوت. "أعلم أن جدتكِ مريضة. وأعلم أنكِ بحاجةٍ إلى المال. أريد أن أساعدكِ. فقط تعالي لمقابلتي، وسأعطيكِ ما تحتاجين."

كان هذا الرجل، الذي لا تعرفه، يحاول أن يستغل ضعفها. شعرت سعاد بأنها قد وقعت في فخٍ كبير، وأن ليلى قد نسجت حولها شبكةً معقدةً من المكائد.

"لن آتي." كتبت سعاد، بيدٍ مرتعشة.

"إذن، سأخبر زوجكِ بكل شيء. وسأكشف أسراركِ للعالم كله."

كان التهديد شديداً. شعرت سعاد بأنها في موقفٍ لا يمكن الدفاع عنه. كانت تعلم أن عليها أن تتخذ قراراً، قراراً قد يغير حياتها إلى الأبد. هل تستسلم للظلام، وتصبح أداةً في يد الأشرار؟ أم تجد القوة في داخلها، لتواجه مصيرها، ولتطلب العون من ربها؟ كانت تلك الليلة، ليلةً حاسمةً في حياة سعاد، ليلةً ستحدد مسار مستقبلها، ومستقبل عائلتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%