الفصل 9 / 25

ليلة الرعب

همسات الظلام في قصر الجد

بقلم سامر الخفي

بعد تلك الليلة التي شهدت لقاءً غريبًا في أرجاء القصر العتيق، وقبل أن يتسلل الصباح ليطرد ظلال الليل، لم يستطع قلب سارة أن يهدأ. كانت أفكارها تتراقص بين الخوف والفضول، وبين الشك واليقين. هل كان ما رأته حقيقة أم مجرد هلوسة ألقتها عليها وحشة المكان؟ كان ذلك الصوت، ذلك الهمس الخفي الذي لامس أذنيها كأنما يستعطفها، لا يزال يتردد صداه في أعماق روحها.

في الغد، استيقظت زينب بتباشير شمسٍ ذهبيةٍ حاولت عبثًا أن تخترق ستائر القصر السميكة، وكأنها تحاول استعادة وهجها المعهود في أرجاء المكان. جلست سارة في غرفتها، ترتشف من كوب شايٍ بالنعناع، تتأمل الأنماط المعقدة على السجاد الفارسي. وجهها يعكس قلقًا خفيًا، وحركة يدها المتكررة بعصبيةٍ تدل على ما يجول في خاطرها.

"صباح الخير يا حبيبتي،" قالت زينب بدفءٍ وهي تدخل الغرفة، وعلى وجهها ابتسامةٌ خفيفةٌ تعتاد سارة رؤيتها. "أتيت لأرى كيف استقبلتك وسادتك الليلة."

نظرت سارة إلى جدتها، وعينها تلتمع ببعض التردد. "صباح النور يا جدتي. استقبلتني السرير ببرودةٍ لم أعتدها. لكن… هناك ما يزعجني."

اقتربت زينب وجلست بجانبها، ممسكةً بيدها المرتعشة. "ما هو يا ابنتي؟ هل رأيتِ شيئًا؟ سمعتِ شيئًا؟"

ترددت سارة للحظة، ثم همست، "رأيتُ… أو بالأحرى سمعتُ. صوتٌ خافتٌ، كأنه نداءٌ قديمٌ، يأتي من عمق هذا القصر. لم أكن وحدي."

فقدت زينب ابتسامتها، واستبدلتها بتجهمٍ لم تعتده سارة. نظرت حولها وكأنها تبحث عن شيءٍ غير مرئي. "هذا القصر يا سارة له أسراره. أسرارٌ دفنتها السنين، وأصداءٌ ما زالت تعلق بجدرانه. لا تقلقي، ربما كان مجرد خيالٍ منكِ."

لكن نظرة زينب السريعة، تلك النظرة المليئة بالمعرفة المخفية، لم تفوّت على سارة. "ولكن يا جدتي، الصوت كان… حزينًا. وكأن فيه طلبًا للمساعدة."

تنهدت زينب بعمق، وبدت وكأن ثقلاً قد استقر على صدرها. "هناك حكاياتٌ قديمةٌ عن هذا المكان يا سارة، حكاياتٌ نسجت خيوطها من الألم والخسارة. لكنها مجرد حكايات. الآن، فلنعد إلى حياتنا الطبيعية. لقد تأخرنا عن الفطور."

مع أن زينب حاولت طمأنة سارة، إلا أن كلمات جدتها لم تطفئ شعلة الفضول والقلق في قلب الفتاة. كان الأمر أعمق من مجرد خيال. كان هناك شيءٌ حقيقيٌ يتربص في الظلال.

بعد الفطور، وبينما كانت سارة تتجول في المكتبة الواسعة للقصر، بحثت عن كتبٍ قديمةٍ أو سجلاتٍ يمكن أن تلقي ضوءًا على تاريخ العائلة أو القصر نفسه. كان رامي، ابن عمها، قد عاد من رحلته المفاجئة، وكان يبدو أكثر هدوءًا وتقبلاً لوجودها. بدا وكأنه يراقبها من بعيد، بتلك النظرة الثاقبة التي اعتادت سارة أن تشعر بها.

"تبحثين عن شيءٍ محدد؟" سأل رامي بصوتٍ هادئٍ وهو يقف عند مدخل المكتبة.

التفتت سارة، واستقرت عيناها على وجهه. "كنت أحاول التعرف على تاريخ هذا القصر، وأسراره."

ابتسم رامي ابتسامةً خفيفةً، لم تصل إلى عينيه. "هذا القصر مليء بالتاريخ، يا سارة. تاريخٌ قديمٌ، وحكاياتٌ كثيرةٌ. بعضها جميلٌ، وبعضها… مؤلمٌ."

"هل تقصد الأسرار التي تتحدث عنها جدتي؟" سألت سارة، وشعرت بأن هناك المزيد خلف كلمات رامي.

"ربما. جدتي تحب نسج القصص، أليس كذلك؟" قال رامي، وبدا وكأنه يحاول إبعاد الحديث عن أمرٍ حساس. "لكن هناك أسرارٌ لا يجب أن نبحث عنها، لأنها قد تجلب لنا الضيق."

"ولماذا لا نبحث عنها؟" ردت سارة بجرأة، وشعرت بتحدٍ ينبع من داخلها. "إذا كانت هناك أشياءٌ حدثت في الماضي، فلا بد أنها تركت أثرًا."

اقترب رامي خطوةً، ونظرتها تلاقت. "بعض الآثار أفضل أن تبقى مدفونةً، سارة. لتظل في طي النسيان."

كانت كلماته تحمل تحذيرًا مبطنًا، وشعرت سارة بأنه يعرف أكثر مما يقول. كان هناك توترٌ خفيٌ يحيط برامي، وكأنه يحمل عبئًا ثقيلًا.

في تلك الأثناء، كان والدها، السيد عبد الله، يتحدث إلى زينب في الحديقة. كانت وجوههما تحمل جديةً ملحوظة.

"يا أمي، ما قصة هذه الهمسات؟" سأل السيد عبد الله بصوتٍ خفيض. "سارة تقول إنها سمعت شيئًا في الليل. هل حدث شيءٌ هنا منذ زمن؟"

نظرت زينب إلى الأفق، وكأنها تستحضر ذكرياتٍ مؤلمة. "هناك… قصصٌ يا عبد الله. قصصٌ عن حزنٍ قديمٍ. قبل أن تولد أنت، كانت هناك مأساةٌ حلت بهذا القصر. فقدنا قريبًا عزيزًا في ظروفٍ غامضة. لكن كل هذا مضى. لا داعي لإثارة الماضي."

"ولكن سارة ليست مجرد طفلةٍ عادية، يا أمي. لديها حسٌ مرهفٌ. إذا كانت تسمع شيئًا، فقد يكون له تفسيرٌ. هل كان هناك أي شيءٍ غير طبيعيٍ حدث في تلك الفترة؟"

تنهدت زينب. "كانت هناك ظروفٌ صعبةٌ. لكننا لم نجد تفسيرًا قاطعًا. مجرد… اختفاءٌ مفاجئٌ. ثم بدأت تظهر أشياءٌ غريبةٌ، أصواتٌ، وظلالٌ. اعتقدنا أنها مجرد هلوساتٍ بسبب الحزن. لكن الشائعات انتشرت."

"شائعاتٌ عن ماذا؟" سأل السيد عبد الله بتركيز.

"عن… روحٍ تبحث عن راحةٍ لم تجدها. عن ظلامٍ استقر في المكان." قالت زينب بصوتٍ يرتعش قليلاً. "لكننا لم نصدقها. وظللنا نحاول أن نعيش حياةً طبيعيةً، بعيدًا عن هذه التفاهات."

"ولكن هل تأكدتم؟ هل بحثتم؟"

"بحثنا بكل ما أوتينا من قوة. ولكن لم نجد شيئًا. ثم بدأ كل شيءٍ يهدأ تدريجيًا. وظننا أنها مجرد أوهامٌ اجتاحت المكان بسبب الحزن. والآن، بعد كل هذه السنوات، تعود سارة لتقول إنها تسمع هذه الهمسات."

نظر السيد عبد الله إلى القصر، وشعر بأن هناك سرًا أعمق مما يظن. لم تكن جدته زينب من النوع الذي يتخيل أو يبالغ. إذا قالت إن هناك شيئًا، فربما كان هناك.

"ربما يجب أن أطمئن سارة بنفسي،" قال السيد عبد الله. "وأرى إن كنت أستطيع أن أفهم ما الذي يحدث."

"كن حذرًا يا بني،" قالت زينب بلهجةٍ قلقة. "هذا القصر له طبقاتٌ من الأسرار، وليست كلها سهلة الفهم. لا تدع نفسك تنجرف في ماضٍ قد لا ترغب في استكشافه."

في تلك الليلة، وبعد أن خلد الجميع إلى النوم، لم تستطع سارة أن تنام. كانت عيناها مفتوحتين، تراقب خيوط الضوء الخافتة التي تتسلل من النافذة. فجأة، سمعت صوتًا خافتًا، لم يكن الهمس المعتاد، بل كان أقرب إلى أنينٍ خافتٍ، يخرج من اتجاه جناحٍ مهجورٍ في طرف القصر. كان الصوت مليئًا باليأس والشوق.

لم تستطع سارة مقاومة الفضول الذي ينهش قلبها. نهضت من فراشها بحذر، وارتدت عباءتها الخفيفة. فتحت الباب برفق، وتسللت في الممرات المظلمة، تتبع مصدر الصوت. كانت كل خطوة تخطوها تشعرها بزيادةٍ في الخوف، ولكن إحساسها بالمسؤولية، ورغبتها في فهم ما يحدث، كانت أقوى.

وصلت إلى باب ذلك الجناح المهجور، والذي لطالما تجنبته. كان الباب مغلقًا، ولكنه لم يكن موصدًا بإحكام. دفعت الباب بلطف، ففتح على مصراعيه، كاشفًا عن ظلامٍ أعمق، ورائحةٍ قديمةٍ تنبعث منه، رائحة الغبار والنسيان.

وقفت سارة على عتبة الباب، قلبها يدق بعنفٍ، تستمع إلى الأنين الذي يتصاعد من الداخل. شعرت ببرودةٍ غريبةٍ تسري في جسدها، لم تكن برودة الجو، بل برودةٌ أخرى، ربما برودة الحزن.

"هل من أحدٍ هنا؟" همست سارة بصوتٍ مرتعش، وكأنها تخاطب أشباح الماضي.

لم يأتِ رد، سوى استمرار الأنين. فجمعت سارة كل شجاعتها، وخطت خطوةً إلى داخل الغرفة المظلمة، مستعدةً لمواجهة أي شيءٍ قد يكمن في أعماق هذا المكان المنسي. لم تكن تعلم أن هذه الخطوة ستكون بداية رحلةٍ نحو اكتشاف أسرارٍ مظلمةٍ، ستغير مجرى حياتها وحياة عائلتها إلى الأبد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%