ليلة الأرواح الجزء الثالث
مواجهة الحقيقة ومفترق الطرق
بقلم سامر الخفي
شعر "مالك" بالتحسن التدريجي. بدأت كوابيسه تخف، وبات يستطيع النوم لساعات متواصلة، ولو كانت أحلامه لا تزال تحمل بقايا من مخاوف تلك الليلة. كان إدمانه يتلاشى رويداً رويداً، بفضل دعم "فاطمة" المستمر، وبفضل تصميمه على استعادة حياته. ومع ذلك، كان هناك شيء يقلقه. كان يشعر بغياب "بدر" المفاجئ، وببرودة في علاقاته السابقة.
"أين "بدر"؟" سأل "مالك" "فاطمة" ذات يوم، بينما كانا يسيران في حديقة قصرهم، تحت أشعة الشمس الدافئة. نظرت "فاطمة" إليه، وبدت عليها علامات التردد. "بدر... لديه مشاكله الخاصة يا مالك. وأعتقد أنه مبتعد قليلاً."
"مبتعد؟ لم يغب "بدر" عني هكذا من قبل. منذ أن بدأت علاقتك به... أقصد، منذ أن بدأت علاقتنا... أصبح يبتعد." كان "مالك" يشعر بأن هناك شيئاً يخفى عليه، شيئاً يتعلق بـ "بدر" وبـ "فاطمة".
"مالك، هناك شيء يجب أن أخبرك به،" قالت "فاطمة" بصوت حازم، ولكن بنبرة تحمل قدراً من الحزن. "بدر... لم يعد الصديق الذي تعرفه." "ماذا تقصدين؟"
"لقد اكتشفت أنه كان على علم بالكثير من الأمور التي كنت تخوض فيها، ولم يكتفِ بذلك، بل كان يشجعك. بل وأكثر من ذلك، فقد اكتشفت أنه كان يتعامل مع الأشخاص الذين كانوا يسحبونك إلى طريق الظلام." ارتسمت الصدمة على وجه "مالك". لم يستطع استيعاب ما سمع. "بدر؟ صديقي "بدر"؟ مستحيل!"
"لقد رأيت بنفسي يا مالك. لقد كان هناك تواصل بينه وبين هؤلاء الأشخاص. وكان يحاول إبقائك في هذا المستنقع. بل وأكثر من ذلك، فقد كان يتلقى أموالاً مقابل ذلك." كانت كلمات "فاطمة" كالصواعق التي ضربت "مالك". صديقه المقرب، الذي شاركه أسرار طفولته، والذي كان يعتبره أخاه، كان يخونه.
"ولكن لماذا؟ لماذا يفعل ذلك؟" سأل "مالك" بصوت مخنوق. "ربما كان طمعاً. أو ربما كان خائفاً منك أن تتجاوز مرحلة ضعفك وتصبح قوياً. لا أعرف الأسباب الحقيقية، ولكن الحقيقة واضحة."
كان "مالك" يشعر بالغثيان. لم يكن الأمر يتعلق بالإدمان والخوف من تلك الليلة فقط، بل كان هناك أيضاً طعنة غادرة من صديق.
"علينا أن نواجهه،" قال "مالك" بحزم، وقد استعاد بعضاً من قوته. "لا يمكنني أن أتركه يفعل هذا بي، ويفعل هذا بالآخرين."
في مساء اليوم نفسه، وبعد أن أصبحت الشمس تميل نحو الغروب، قررت "فاطمة" و"مالك" أن يذهبا لمقابلة "بدر" في أحد الأماكن التي كانا يلتقيان بها عادة. كان المكان عبارة عن حديقة مهجورة، على أطراف المدينة، مكان كان يشهد على صداقتهما في الماضي، ولكنه أصبح الآن شاهداً على خيانة "بدر".
عندما وصل "مالك" و"فاطمة"، وجدا "بدر" جالساً وحيداً، يتحدث في هاتفه بصوت خافت. بدت عليه علامات القلق والتوتر. عندما رأى "مالك"، انتفض واقفاً، وبدا عليه الارتباك الشديد.
"مالك؟ ماذا تفعل هنا؟" سأل "بدر" بصوت متوتر. "لقد جئت لأفهم، يا بدر. لأفهم كيف يمكن لصديق أن يفعل هذا بصديقه."
نظر "بدر" إلى "فاطمة" بعينين مليئتين بالخوف. كانت "فاطمة" تعلم أنه يدرك أنه تم كشفه.
"لا أعرف عما تتحدث،" قال "بدر" محاولاً التظاهر بالبراءة. "أنت تعرف جيداً عما أتحدث، يا بدر،" قال "مالك" بنبرة حازمة. "لقد اكتشفت كل شيء. لقد اكتشفت أنك كنت تتعامل مع هؤلاء الأشخاص، وأنك كنت تحاول إبقائي في هذا الوحل."
بدأ "بدر" يتلعثم، وارتسم على وجهه مزيج من الخوف والذنب. "أنا... أنا لم أقصد ذلك. كنت فقط... أحاول مساعدتك." "مساعدتي؟ هل هذه هي مساعدتك؟ أن تدمر حياتي؟ أن تدمر روحي؟"
"لقد كنت مضطراً يا مالك. كان لدي ديون... وهؤلاء الأشخاص... كانوا يضغطون علي." "وهل هذا يبرر خيانتك؟ هل هذا يبرر أن تسحب صديقك إلى طريق الضياع؟"
كانت "فاطمة" تشاهد هذا المشهد بصمت، وقلبها يعتصر ألماً. كانت ترى صديق "مالك" وهو يسقط في بئر الذل والخيانة. "لقد كنت أسمع كلام جدتي، وأصلي، وأكثر من الاستغفار. الحمد لله أنني وجدت "فاطمة". لولاها، لضاع "مالك" تماماً."
"هل أنت حقاً تصدق هذا؟" سأل "بدر" "مالك" بنبرة تحمل شيئاً من الشفقة. "لا يزال هناك وقت يا مالك. عد معي. يمكننا أن نجد طريقة. يمكننا أن نعود إلى أيامنا القديمة."
نظر "مالك" إلى "بدر" نظرة مليئة بالأسف. "أيامنا القديمة لم تعد موجودة يا بدر. لقد تغيرت. لقد اكتشفت حقيقة الأمور. وحقيقة صداقتك."
"ولكن..." "لا 'ولكن' يا بدر. لقد اخترت طريقك، واخترت طريقي. وأنا اخترت طريق الحق. الطريق الذي يقودني إلى الله. وإلى حياة كريمة."
كان هذا هو القرار الأصعب. كان على "مالك" أن يتخلى عن صداقة قديمة، وأن يقطع علاقة كانت بالنسبة له مقدسة. لكنه كان يعلم أن هذه هي الخطوة الصحيحة.
"أتمنى أن تجد طريقك يا بدر. ولكن لا تكن في طريقي." انسحب "مالك" و"فاطمة" تاركين "بدر" وحيداً في الحديقة المهجورة، وهو يتجرع مرارة خيانته. كان هذا هو مفترق الطرق الحقيقي. لقد اختار "مالك" طريق النور، بينما ظل "بدر" في الظلام، يصارع مع ذنوبه. لقد كانت تلك الليلة هي نهاية مرحلة، وبداية فصل جديد، فصل يحمل الأمل، ولكنه لا يخلو من التحديات.