ليلة الأرواح الجزء الثالث

لقاء الحاج والغموض المتزايد

بقلم سامر الخفي

صباحٌ باردٌ ونسماتٌ خفيفةٌ تهبّ من الصحراء، تحمل معها رائحةَ الرمالِ الحارةِ وزهورَ البرّ. استيقظت ليلى على صوتِ المؤذنِ ينادي لصلاةِ الفجر، لكنّ نومها لم يكن هادئًا. كانت أحلامها مليئةً بوجهِ المرأةِ في اللوحة، وعينيها الحزينتين، وصوتِها الذي همسَ لها باسمها.

جلست على فراشها، وقد التفّت بأغطيتها الصوفيةِ الثقيلة، وشعرت بشيءٍ من الوحدةِ الممزوجةِ بالفضول. الليلة الماضية كانت أشبهَ بحلمٍ غريب، أحداثٌ متسارعةٌ ألقت بها في دوامةٍ من الشكوكِ والتساؤلات. مذكراتُ زينب، اللوحةُ التي تتحدث، الوشمُ المشترك… كلّها أدلةٌ تشيرُ إلى ارتباطٍ غامضٍ بينها وبين هذه المرأةِ المجهولة.

بعد أن صلّت الفجر، ذهبت إلى المطبخ، حيث كانت سارةُ قد بدأت بتحضيرِ الفطور. كانت رائحةُ القهوةِ العربيةِ تفوحُ في المكان، ممزوجةً برائحةِ الخبزِ الطازج.

"صباح الخير،" قالت سارة بابتسامةٍ مرهقة. "لم أنم جيدًا الليلة الماضية."

"ولا أنا،" أجابت ليلى، وهي تجلسُ بجانبها. "كنتُ أفكرُ في كلّ شيءٍ حدث."

"يجبُ أن نتحدثَ إلى الحاج إبراهيم،" قالت سارة بجدية. "هو الوحيدُ الذي قد يعرفُ شيئًا عن هذه القصة. سمعتُه يتحدثُ يومًا عن تاريخِ العائلة، وأسرارِها المدفونة."

"أخشى أن يكونَ الأمرُ كذلك،" قالت ليلى، وقد شعرتْ بثقلٍ في صدرها. "ماذا لو كانت الحقائقُ مؤلمةً؟ ماذا لو كانَ ماضي عائلتي مرتبطًا بشيءٍ شرير؟"

"لن نفكرَ في الأسوأِ قبلَ الأوان،" حاولت سارةُ أن تطمئنها. "ربما لديهِ تفسيرٌ بسيطٌ لكلّ هذا."

بعدَ تناولِ الفطور، قررت ليلى وسارةُ الذهابَ إلى مجلسِ الحاج إبراهيم. كانَ المجلسُ ملاذَ الرجلِ الكبير، مكانَ حديثه معَ رجاله، ومكانَ استشارتهِ في أمورِ القبيلة. وعندما طرقتا البابَ، فتحَ لهما أحدُ الخدمِ بترحيبٍ حار.

كانَ الحاج إبراهيمُ جالسًا في صدرِ المجلس، وقد أحاطَ بهِ بعضُ كبارِ السنّ، يستمعونَ إلى حديثه. كانَ وجههُ يحملُ علاماتِ الزمنِ والتجارب، وعيناهُ تحملانِ بريقَ الحكمةِ والقوة.

"أهلاً بكما يا فتياتي،" قالَ الحاج بابتسامةٍ دافئة. "ما الذي أتى بكما في هذا الوقتِ المبكر؟"

جلست ليلى وسارةُ أمامه، وشعرت ليلى بالترددِ للحظة. كيفَ تبدأُ الحديثَ عن لعنةٍ، وأرواحٍ، ومذكراتٍ قديمة؟

"يا عمي،" بدأت ليلى بصوتٍ متردد، "لقد حدثَ شيءٌ غريبٌ الليلة الماضية."

سردت ليلى للحاجِ كلّ ما حدث، من الأصواتِ الغامضةِ في الليل، إلى اكتشافِ اللوحةِ والمذكرات. وعندما وصلتْ إلى قصةِ زينب، ووشمِها المشتركِ معَ وشْمِ ليلى، نظرَ الحاجُ إليها بعينينِ واسعتين، ثمّ أغلقَ عينيهِ للحظةٍ وكأنّهُ يستجمعُ أفكاره.

"كنتُ أخشى أن يأتيَ هذا اليوم،" قالَ بصوتٍ عميقٍ مليءٍ بالأسى. "لم أردْ لكِ يا ليلى أن تعرفيَ هذا السرّ المبكرًا، لكنّ الأقدارَ غالبًا ما تخططُ بطرقٍ لا نفهمها."

"ماذا تعرفُ يا عمي؟" سألت ليلى بلهفة. "من هي زينب؟"

تنهدَ الحاجُ وقال: "زينبُ كانتْ أختَ جدّتكِ لأمّها. كانتْ فتاةً جميلةً، لكنّها كانتْ عنيدةً وكثيرةَ العناد. أحبّتْ رجلًا من قبيلةٍ منافسة، رجلًا لا يرضاهُ أهلُها. وعندما علموا بحملها، أرسلوها إلى مكانٍ بعيدٍ، قصرٍ منعزلٍ في أطرافِ الصحراء، حيثُ عاشتْ وماتتْ في عزلةٍ ووحدة."

"لكنّ… لماذا كلّ هذا السرّ؟ ولماذا هذهِ اللوحةُ والمذكرات؟" سألت ليلى، وشعرتْ بدموعِها تتجمعُ في عينيها.

"لقدْ حاولوا إخفاءَ الحقيقةِ، يا ليلى،" قالَ الحاج. "كانتْ عائلتها تخشى العارَ الذي قد يلحقُ بهم. لكنّ زينبَ لم تكنْ فتاةً تنسى. لقدْ خبّأتْ لوحتها ومذكراتها، وكتبتْ في وصيّتها أنْ تُتركَ لِمنْ يرثُها، لمنْ تحملُ دمها. لقدْ وضعتْ لعنةً، كما قرأتِ، لحمايةِ سرّها، ولِجذبِ منْ يستحقّ معرفةَ الحقيقة."

"والوشم؟" سألت ليلى، وقد شعرتْ بقلبها يدقُّ بعنف. "لماذا هو متشابهٌ؟"

"الوشمُ هو علامةُ العائلة، يا ليلى،" قالَ الحاج. "ولكنّ زينبَ، في حبّها ورغبتها في تركِ بصمةٍ، جعلتْ هذا الوشمَ خاصًا بها. إنّهُ دليلٌ على أنّكِ تحملينَ دمها، وأنّها أمّكِ."

صُدمت ليلى. "أمي؟ هل زينبُ هي أمي؟"

"نعم، يا ابنتي،" قالَ الحاج، وقد فاضتْ عيناهُ بالدموع. "لقدْ ضحّتْ زينبُ بحياتها من أجلكِ. وبعدَ وفاتها، عندما وجدنا القصرَ، وجدنا أنتِ رضيعةً، وحيدةً، تحتَ رعايةِ بعضِ الخدمِ الذينَ بقوا في القصر. أخذناكِ إلى عائلتكِ، وأعطوكِ اسمًا جديدًا، ولكنّ القدرَ أعادكِ إلى مكانِ أصلكِ، لِتكشفي الأسرارَ التي خبّأتها أمّكِ."

احتضنتْ سارةُ ليلى بقوة، بينما كانتْ ليلى تبكي بحرقة. كلّ شيءٍ انقلبَ رأسًا على عقب. الحقيقةُ التي عاشتْ بها، عن عائلتها، عن أصلها، كانتْ مجردُ وهم.

"لكنّ… لماذا لم يخبرني أحدٌ بهذا؟" سألت ليلى بصوتٍ مخنوق.

"كانوا يخشون، يا ليلى،" قالَ الحاج. "يخشون أنْ تجذبي اهتمامَ الأرواحِ التي تتحدثُ عنها زينب. لقدْ عاشتْ زينبُ في خوفٍ، وماتتْ في خوف. والبعضُ من العائلةِ أرادوا نسيانَ هذهِ القصةِ، خوفًا منْ أنْ تعودَ الأشباحُ لِتطاردهم."

"لكنّ الأشباحَ طاردتني بالفعل، يا عمي،" قالت ليلى، وقد هدأتْ بكاؤها. "كنتُ أسمعُ همساتٍ، وأرى أشياءَ غريبة. الآنَ أفهم. إنّها أمّي، تحاولُ التواصلَ معي."

"قد يكونُ ذلك،" قالَ الحاج. "ولكنْ، هذهِ اللعنةُ التي وضعتها زينبُ، ليستْ مجرّدَ حماية، بلْ هيَ اختبارٌ أيضًا. اختبارٌ لمنْ سيجدُ أسرارها. إذا لمْ يكنْ الشخصُ نقيّ القلبِ، ولَمْ يكنْ لديهِ نوايا صادقة، فقدْ تُصبحُ هذهِ الأرواحُ عدوّةً له."

"ولماذا أنا؟" سألت ليلى. "لماذا أنا الوحيدةُ التي تنجذبُ إلى هذا القصرِ، والتي تستطيعُ رؤيةَ ما لا يراهُ الآخرون؟"

"لأنّكِ ابنتها، يا ليلى،" أجابَ الحاج. "ودمُها يجري في عروقكِ. إنّ قوةَ أمّكِ، وعواطفها، وحزنها، كلّها تسري فيكِ. وقدْ ورثتِ منها القدرةَ على التواصلِ معَ عالمِ الأرواح."

شعرَتْ ليلى بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تقعُ على عاتقها. لمْ تعدْ مجرّدَ فتاةٍ تعيشُ في قصرٍ قديم، بلْ أصبحتْ وريثةَ أسرارٍ قديمة، وفتاةً تحملُ في داخلها قوةً غيرَ معروفة.

"علينا أنْ نفهمَ هذهِ اللعنةَ، يا عمي،" قالت ليلى بعزم. "علينا أنْ نعرفَ كيفَ نوقفَ هذهِ الأصواتَ، وكيفَ نهدّئَ الأرواحَ التي تلاحقنا."

"سأبذلُ قصارى جهدي، يا ابنتي،" قالَ الحاج. "ولكنّ الأمرَ ليسَ بالسهل. إنّ الأسرارَ القديمةَ لها قوّةٌ عظيمة، وغالبًا ما تتطلبُ تضحياتٍ كبيرةً لِكشفِها."

خرجتْ ليلى وسارةُ من مجلسِ الحاج، وقدْ أصبحتْ ليلى تحملُ في قلبها حزنًا جديدًا، ولكنّها أيضًا حملتْ أملًا ورغبةً في معرفةِ الحقيقةِ الكاملة. نظرتْ إلى سماءِ الصحراءِ الزرقاء، وتذكّرتْ وجهَ أمّها في اللوحة، ووعدتها في قلبها بأنّها ستكتشفُ كلّ شيء، وأنّها لنْ تدعَ أرواحَ أمّها تظلّ معذبة.

وفي طريق عودتهما إلى القصر، لمحت ليلى ظلاً يتحركُ بسرعةٍ خلفَ إحدى الأشجارِ البعيدة. لمْ يكنْ هذا الظلُّ عاديًا، بلْ بدا وكأنّهُ يتلاشى في الهواء. شعرتْ ببرودةٍ مفاجئة، وشيءٌ ما في عينيها بدأَ يلمعُ بلونٍ خافتٍ. لقدْ أصبحتْ أكثرَ وعيًا بهذا العالمِ الخفيّ، عالمِ الأرواحِ الذي يطاردُ قصرها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%