ليلة الأرواح الجزء الثالث
أسرار القلعة السوداء ووحشة الأرواح
بقلم سامر الخفي
دلفن إلى القلعة، فاستقبلتهن ظلماتٌ أشد كثافة، ورطوبةٌ تلتصق بالجلد، ورائحةٌ عفنةٌ تثير الغثيان. كانت القلعة عبارة عن شبكةٍ معقدة من الممرات والدهاليز، تبدو وكأنها منحوتةٌ من قلب الأرض. كانت الحجارة سوداء، متآكلة، وتتراكم عليها طبقاتٌ من الغبار والعناكب.
"أين نحن؟" سألت "سارة" بصوتٍ خفيض، وهي تتمسك بكم "ليلى" كأنها خائفةٌ من أن تبتلعها الظلمات. "لا أعلم." أجابت "ليلى"، وهي تشعر بأن البصر يتلاشى تدريجياً. "لكن يبدو أن هذا المكان أعمق بكثير مما بدا من الخارج." "حاولوا تشغيل مصابيحكم." قال الشيخ "يوسف"، وهو يحاول بيده أن يضبط مصباحاً زيتياً قديماً. لكن الضوء كان خافتاً، بالكاد يكشف عن بعض الأمتار المحيطة بهم.
كانت القلعة تتنفس. هذا ما شعرت به "ليلى". كان هناك صوتٌ خافت، يتردد في أذنها، كأنه أنينٌ طويل، يأتي من عمق الزمان. "أشعر بشيءٍ ما." قالت "ليلى" وهي تشد قبضتها على القلادة. "هناك أرواحٌ هنا. أعدادٌ كبيرة منها." "أرواح؟" قال "سالم" وهو يرفع سيفه. "من أي نوع؟" "لا أعلم. لكنها ليست أشباحاً لطيفة. إنها قوى مظلمة."
بدأوا بالتقدم في أحد الممرات. كان الباب الذي دخلوه قد اختفى، وكأن الحجارة قد غلقت على نفسه. شعروا بالضياع، وبأنهم محاصرون. "لقد دخلنا الفخ." قال "سالم" بمرارة. "ليس فخاً، بل طريقاً." قالت "ليلى" بعزم. "الطريق الذي يجب أن نسلكه."
بعد مسيرةٍ طويلة، وصلوا إلى غرفةٍ واسعة، تتوسطها منصةٌ حجرية. كانت الغرفة مظلمة، لكن "ليلى" رأت أشكالاً شبحية تتحرك في الزوايا، كأنها ظلالٌ تتشكل وتتلاشى. "هذه هي الغرفة التي رأيتها في رؤياي!" قالت "ليلى" بصوتٍ مرتجف. "المنصة... والرموز على الجدران." كانت الجدران مزينة بنقوشٍ غريبة، تشبه رسوماً بدائية، تصور كائناتٍ غريبة، ونجوماً، ودوائر. "هذه رسوماتٌ لطائفةٍ قديمة." قال الشيخ "يوسف" بذهول. "لقد قرأت عنهم في بعض الكتب. كانوا يعتقدون أنهم قادرون على الاتصال بعوالم أخرى."
"فهد كان يتحدث عن طقوسٍ لاستدعاء قوى مظلمة." قالت "ليلى" وهي تتأمل المنصة. "ربما هذه هي الغرفة التي كانوا يقومون فيها بطقوسهم." "لكن لماذا كل هذه الظلمات؟ ولماذا كل هذه الأرواح؟" سألت "سارة" بخوف. "ربما، لاستدعاء تلك القوى، كان عليهم أن يضحوا بالكثير. ربما الأرواح التي تسمعينها، هي أرواح أولئك الذين فقدوا حياتهم في هذه الطقوس."
فجأة، بدأت الظلال تتحرك بشكلٍ أسرع، وتتجمع نحو المنصة. أخذت تتردد في الغرفة أصواتٌ متداخلة، همساتٌ، أنين، صرخاتٌ خافتة. "احذروا!" صاح "سالم". "إنهم يقتربون!" بدأت الأشكال الشبحية تظهر بشكلٍ أوضح. لم تكن مجرد ظلال، بل كانت أجساداً شبه شفافة، تحمل وجوهاً مليئة بالألم والخوف. كانوا يرتدون ملابس بالية، ويتجولون كأنهم يبحثون عن شيءٍ ما. "هؤلاء هم الأرواح الضالة." قال الشيخ "يوسف" وهو يرفع يده ويردد آياتٍ من القرآن. "علينا أن نحصن أنفسنا بالإيمان."
شعرت "ليلى" بضغطٍ هائل، وكأن الظلمات تحاول سحقها. لكنها تذكرت "فهد"، وتذكرت لماذا أتت إلى هنا. "لن أستسلم." همست لنفسها. "ليلى، ماذا ترين؟" سأل الشيخ "يوسف" وهو يرى وجهاً شاحباً. "أرى... أرى ما حدث." قالت "ليلى" وهي تشير نحو المنصة. "لقد كانوا يستدعون شيئاً ما. شيئاً قوياً جداً. وكانوا يستخدمون الأرواح كوقود."
"ولكن ماذا استدعوا؟" سألت "سارة" وهي تتجمد من الخوف. "لا أعلم." قالت "ليلى". "لكنني أرى... أرى كائناً مظلماً، يمتد في الظلام، كأنه يمتص كل نورٍ حوله."
في تلك اللحظة، بدأت الأرض تهتز. ارتجفت الحجارة، وتساقط الغبار من السقف. ثم، ظهر في وسط المنصة، شعاعٌ أسود كثيف، بدأ يمتد إلى الأعلى، وكأنه يفتح بوابةً إلى عالمٍ آخر. "إنه يفتح البوابة!" صاح "سالم" في فزع. "إنهم يريدون أن يخرجوا هذا الشيء!" "يجب أن نوقفهم!" قال الشيخ "يوسف". "علينا أن نغلق هذه البوابة!"
بدأت "ليلى" تشعر بأن رؤاها تزداد قوة. رأت "فهد" واقفاً أمامها، يشجعها. رأت وجوه أطفال قريتها، الذين كانوا يعيشون في خوف. "لا يمكننا أن ندع هذا يحدث." قالت "ليلى" بعزم. "إذا خرج هذا الشيء، ستنتهي كل حياة."
"لكن كيف نوقفها؟" سأل "سالم". "لا نمتلك أي شيءٍ يمكنه مواجهة هذه القوة." "البوابة... البوابة تحتاج إلى إغلاق." قالت "ليلى". "وبحسب ما رأيت، فإن إغلاقها يتطلب... تضحية." "تضحية؟" رددت "سارة" بخوف. "نعم. تضحيةٌ قوية. تضحيةٌ بالإرادة، وبالروح."
نظرت "ليلى" إلى البوابة السوداء المتزايدة في حجمها، ثم نظرت إلى وجه "فهد" في رؤاها. شعرت بأنها تعرف ما يجب عليها فعله. "أنا... أنا سأفعلها." قالت "ليلى". "ماذا؟" سألت "سارة" بقلق. "يجب أن أغلق البوابة." قالت "ليلى". "والطريقة الوحيدة... هي أن أدخل فيها."
ارتعب الجميع. "لا، ليلى! لا يمكنكِ فعل ذلك!" صرخت "سارة". "إنها تضحيةٌ بالنفس!" قال الشيخ "يوسف" بذهول. "إنها الطريقة الوحيدة." قالت "ليلى" بعزم. "لقد رأيت."
بدأت "ليلى" تتجه نحو المنصة، نحو البوابة السوداء. كان الشعاع الأسود يمتد، وكأنه يناديها. "ليلى! توقفي!" صرخ "سالم". لكن "ليلى" لم تسمع. كانت تسير بخطواتٍ ثابتة، كأنها تمشي إلى قدرها.
عندما وصلت إلى حافة المنصة، توقفت. نظرت إلى البوابة، ثم نظرت إلى السماء التي لم تكن مرئية، وشعرت بأن العالم بأسره يعتمد على هذه اللحظة. "أنا أعدك يا فهد." همست. "سأحمي هذا العالم."
ثم، أغمضت عينيها، واستنشقت نفساً عميقاً. رفعت يديها، وبدأت ترتل بعض الكلمات التي شعرت بأنها تنبع من أعماق روحها، كلماتٌ لم تسمعها من قبل، لكنها شعرت بأنها مقدسة. في اللحظة التي بدأت فيها "ليلى" بالترتيل، بدأت البوابة السوداء بالانكماش. بدأ الشعاع الأسود بالتضاؤل. "إنها تنجح!" صاح "سالم" في دهشة.
لكن، في الوقت نفسه، شعرت "ليلى" بأن قوةً هائلة تسحبها. كانت تشعر بأن جسدها يتفتت، وأن روحها تنفصل عن عالمها. "ليلى!" صرخت "سارة".
قبل أن تتمكن من فعل أي شيء، قفزت "ليلى" إلى داخل البوابة السوداء. وفي اللحظة التي اختفت فيها، انطفأ الشعاع الأسود، وأغلقت البوابة بإحكام، وعادت القلعة إلى سكونها المظلم.