ليلة الأرواح الجزء الثالث

همس القبور وظلال الظلم

بقلم سامر الخفي

كانت ليلةٌ أخرى كئيبةً تضربُ خيامَ قريةِ "الرفيقِ" ببرودِها المعهودِ. لم يكنْ بردُ الشتاءِ وحدهُ ما يُجلِدُ أجسادَ القرويينَ، بلْ كانَ بردُ الخوفِ، بردُ العجزِ، وبردُ تلكَ الهمساتِ التي انبعثتْ منْ بينِ أحجارِ المقابرِ القديمةِ. اجتمعَ أهلُ القريةِ، نساءٌ ورجالٌ، حولَ نارٍ مُتراقصةٍ في وسطِ الساحةِ، حاولوا بها أنْ يدفعوا غائلةَ البردِ، وربما، غائلةَ الأرواحِ التي باتتْ لا تتركُ لهمْ سكينةً.

كانَ شيخُ القريةِ، الحاجُ "عبدُ الرحمنِ"، بعينيهِ اللتينِ شهدتا عواصفَ الدهرِ، يُلقي نظراتٍ حائرةً على وجوهِ أهلِ القريةِ المكلومةِ. منذُ أنْ بدأَ الأمرُ، منذُ أنْ انبعثتْ الأصواتُ الغريبةُ، وزُرتُ الأشباحُ، وارتعشَ المكانُ، لمْ يعرفْ لهمْ قرارٌ. أتى المفتي، وحاولَ أهلُ العلمِ، واستُجلبَ المعالجونَ، لكنَّ شيئاً لمْ يفلحْ. كانَ الشرُّ قدْ تمكّنَ، ونسجَ خيوطَهُ حولَ القلوبِ، وخنقَ الأنفاسَ.

"أيها المسلمونَ"، بدأَ الحاجُ عبدُ الرحمنِ بصوتٍ فيهِ بحّةٌ لكنهُ يحملُ رزانةً، "لقدْ اجتمعنا ههنا ليسَ فقطْ لندفعَ عنْ أنفسِنا بردَ هذا الشتاءِ، بلْ لندفعَ عنْ قلوبِنا بردَ اليأسِ. لا أراكمْ إلا وقدْ استسلمتمْ للخوفِ. هلْ نسيتمْ وعدَ اللهِ؟ هلْ نسيتمْ أنَّ اللهَ معَ الصابرينَ؟"

تنهدَ الحاجُ "سالمٌ"، وهوَ رجلٌ قويُّ البنيةِ، لكنَّ القلقَ قدْ أخَذَ منْ قوّتِهِ. "يا شيخَنا، الصبرُ لهُ حدودٌ. لمْ نعدْ ننامُ، لمْ نعدْ نأكلُ. نساءُنا يبكينَ، وأطفالُنا يرتجفونَ. سمعتُ بأذني، ورأيتُ بعيني ما لا يُصدّقُ. أصواتُ الموتى تنادي، وظلالٌ تتحركُ في الظلامِ. لمْ يعدْ هذا صبراً، بلْ استسلامٌ لِما لا نعرفُ. ما هوَ هذا الذي يلاحقُنا؟"

قبلَ أنْ يُجيبَ الحاجُ عبدُ الرحمنِ، انطلقتْ صرخةٌ مدويةٌ منْ جهةِ منزلِ "ليلى". كانتْ ليلى، الفتاةُ الجميلةُ التي خطبها "أحمدُ"، الشابُ القويُّ الأمينُ، تعيشُ أياماً عصيبةً. منذُ أنْ استقرتْ روحُ جدتِها "أمينةِ" في جسدِها، لمْ تعدْ ليلى ليلى. كانتْ تتقلبُ بينَ الوعيِ والغيبوبةِ، وبينَ هذياناتِها المريعةِ، وبينَ سكونِ الموتِ.

هرعَ أهلُ القريةِ، على رأسِهمْ أحمدُ، الذي كانَ قلبهُ معلقاً بليلى، نحو منزلِها. وجدوا جدتَها، أمينةَ، وهيَ واقفةٌ فوقَ ليلى النائمةِ على سريرِها، تهمسُ بكلماتٍ غيرِ مفهومةٍ، ويداها ترتعشانِ في الهواءِ. لمْ تعدْ ملامحُ أمينةَ تلكَ الملامحَ التي يعرفونَها، بلْ كانتْ تحملُ نظرةً شريرةً، وشفاهُها تبتسمُ ابتسامةً باردةً.

"ابتعدوا عنْها!" صرختْ بصوتٍ عميقٍ لمْ يكنْ صوتَ أمينةَ. "هذهِ لي، وهذا جسدُها ملكي الآنَ! لنْ تتركوها تتزوجُ هذا الغريبَ!"

تجمدَ الجميعُ في أماكنِهمْ. كانَ الشرُّ قدْ بلغَ ذروتهُ. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ أرواحٍ تائهةٍ أوْ طاقاتٍ سلبيةٍ. لقدْ أصبحَ الشرُّ يسكنُ، ويتكلمُ، ويُهددُ.

تقدمَ أحمدُ ببطءٍ، وعيناهُ تشتعلانِ بالغضبِ والخوفِ. "ابتعدي عنْها يا روحَ جدتي! أنتِ لستِ ليلى! ليلى هنا، في داخلِكِ! أيتها الروحُ الشريرةُ، اخرجي منْ جسدِها!"

حاولَ أنْ يقتربَ، لكنَّ شيئاً غيرَ مرئيٍّ دفعهُ بقوةٍ، فألقاهُ أرضاً. سقطَ، وشعرَ بألمٍ في صدرِهِ، لكنَّ الألمَ الأكبرَ كانَ في رؤيةِ ليلى، أوْ ما كانَ يظنُ أنّهُ ليلى، وهيَ تتلوى في عذابٍ.

"أحمدُ!" انبعثتْ همسةٌ ضعيفةٌ منْ ليلى، صوتُها بالكادِ مسموعٌ، فيهِ رجاءٌ وحزنٌ. "أنا هنا... أرجوكَ... ساعدني..."

نظرتْ الروحُ التي تسكنُ جسدَ أمينةَ إلى أحمدَ ببرودٍ جليديٍّ. "أيها الفاني الضعيفُ! ظننتَ أنكَ تستطيعُ إنقاذَها؟ هذهِ هيَ النهايةُ. لقدْ وقعتْ في شباكي. ولنْ تفلتَ أبداً."

ازدادتْ شدةُ الظلامِ حولَهمْ، كأنَّ السماءَ نفسها قدْ لبستْ ثوبَ الحدادِ. سُمعتْ أصواتُ النواحِ، ونعيقُ الغربانِ، وصرخاتُ الأرواحِ المعذبةِ. كانَ الشرُّ قدْ كشفَ عنْ وجهِهِ الحقيقيِّ، ولمْ يعدْ هناكَ مجالٌ للإنكارِ.

"ماذا نفعلُ يا شيخَنا؟" صاحَ رجلٌ مذعورٌ. "لقدْ أصبحَ الأمرُ لا يُطاقُ!"

رفعَ الحاجُ عبدُ الرحمنِ يديهِ، ووقفَ قوياً وسطَ الهلعِ. "لا تستسلموا! اللهُ أكبرُ! لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ! ما هذا إلا ابتلاءٌ. يجبُ أنْ نتحدَ. يجبُ أنْ نواجهَ. لا يوجدُ ما هوَ أقوى منْ إيمانِنا."

لكنَّ الهمساتِ ازدادتْ. كانتْ تتسربُ منْ كلِّ جانبٍ، تُزرعُ الشكَّ في القلوبِ، وتُشعلُ الخوفَ في الأرواحِ. "إنَّ الموتَ هوَ النهايةُ"، همستْ الأصواتُ. "والخوفُ هوَ مصيرُكمْ. لنْ ينفعَكمْ إيمانُكمْ."

كانَ هذا هوَ الظهورُ الأكبرُ للشرِّ، اللحظةُ التي أدركَ فيها الجميعُ أنَّهمْ أمامَ قوةٍ لا يعرفونَها، قوةٍ تسعى إلى تدميرِ كلِّ شيءٍ جميلٍ في حياتِهمْ، كلِّ شيءٍ طاهرٍ. شعرَ أحمدُ بشيءٍ يسحبُ روحَ ليلى بعيداً، شيءٌ يمزقُ خيطَ حياتِها. كانَ يعرفُ في أعماقِهِ أنَّ هذهِ ليستْ مجردَ معركةٍ عاديةٍ، بلْ هيَ معركةٌ على الروحِ، على الإيمانِ، وعلى الحبِّ.

نظرَ الحاجُ عبدُ الرحمنِ إلى السماءِ الملبدةِ بالغيومِ، ثمَّ إلى وجوهِ أهلِ القريةِ المرعوبينَ. "الصلاةُ هيَ سلاحُنا. القرآنُ هوَ نورُنا. ولا ننسى أخوتَنا. لا تتركوا أحداً وحدهُ."

لكنَّ الصرخاتِ عادتْ، أقوى هذهِ المرةَ. كانتْ ليلى، أوْ الروحُ التي تسكنُها، تئنُّ وتصرخُ، ثمَّ ابتسمتْ ابتسامةً شيطانيةً. "لقدْ انتصرتُ! لنْ تستطيعوا هزيمتي! أنا هنا لأبقى!"

كانتْ هذهِ هيَ اللحظةُ الفاصلةُ. نقطةُ اللاعودةِ. الشرُّ قدْ أعلنَ حربَهُ، وأهلُ القريةِ يقفونُ على حافةِ الهاويةِ، يتساءلونَ عمّا إذا كانَ لديهمْ القوةُ للوقوفِ ضدَّ هذا الظلامِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%