ليلة الأرواح الجزء الثالث

رقصة الأرواح وخيانة الظلام

بقلم سامر الخفي

تأججتْ ليلةُ "الرفيقِ" بنارِ الهلعِ. لمْ تعدْ النيرانُ التي جمعتْ أهلَ القريةِ تبعثُ الدفءَ، بلْ أصبحتْ تُضيءُ وجوهَهمْ الشاحبةَ، وتُبرزُ تعابيرَ الخوفِ المطبوعةَ عليها. كانتْ عينا الحاجِ "عبدِ الرحمنِ" ترصدانِ كلَّ زاويةٍ، كلَّ وجهٍ، تبحثُ عنْ بصيصِ أملٍ وسطَ سيلِ اليأسِ. لمْ تكنْ قوةُ الإيمانِ وحدَها كافيةً لمواجهةِ هذا الشرِّ الذي تجسدَ أمامَهمْ، في جسدِ أمينةَ، جدةِ ليلى.

"يا شيخَنا"، قالَ "سليمانُ"، وهوَ منْ أعيانِ القريةِ، وصوتُهُ يرتجفُ، "ماذا نفعلُ؟ لقدْ رأينا بأعينِنا. هذهِ ليستْ أمينةُ. هذهِ لعنةٌ، وحشٌ تجولُ في أجسادِنا. متى سينتهي هذا؟"

اشتدَّتْ صرخاتُ ليلى، التي أصبحتْ الآنَ مسرحاً لصراعٍ أزليٍّ. كانتْ تتقلبُ على فراشِها، وشعرُها الأسودُ يتطايرُ حولَها كالأفاعي. "اخرجوا! اخرجوا منْ هذا البيتِ! إنهُ لي! كلُّ شيءٍ لي!" كانَ صوتُها خليطاً عجيباً بينَ صوتِ أمينةَ العجوزِ وصوتٍ آخرَ، عميقٍ، خبيثٍ، لا ينتمي إلى عالمِ الأحياءِ.

تقدمَ أحمدُ، الذي كانَ وجهُهُ شاحباً لكنَّ عينيهِ تحملانِ بريقَ العزمِ. "أمي، أبي، إخوتي، أهلَ قريتي. لا تتركوا الخوفَ يتسللُ إلى قلوبِكمْ. نحنُ في هذهِ المحنةِ معاً. واللهُ معنا. علينا أنْ نتمسكَ بإيمانِنا، وبحبِّنا لبعضِنا البعضِ."

نظرَ أحمدُ إلى الحاجِ عبدِ الرحمنِ. "يا شيخَنا، هلْ هناكَ طريقةٌ؟ هلْ هناكَ شيءٌ يمكنُ أنْ نفعلهُ؟"

تنهدَ الحاجُ. "القرآنُ والسنةُ هما دليلُنا. لقدْ بحثتُ في الكتبِ. هذا الشرُّ يبدو أنّهُ قدْ استغلَّ ضعفاً، أوْ تركاً، أوْ قدْ يكونُ قدْ لُعنَ بفعلِ شيءٍ قديمٍ. نحتاجُ إلى إثباتِ وجودِ الخالقِ في قلوبِنا، وإلى طردِ الشياطينِ بذكرِ اللهِ."

لكنَّ الشرَّ لمْ يكنْ غافلاً. استغلَّ لحظةَ الترددِ والهدوءِ النسبيِّ. "أيها الخنازيرُ!" صاحَ الصوتُ منْ ليلى، وأصابتْ يدُها كأحدِ المخالبِ، وأشارتْ إلى أحمدَ. "ظننتَ أنَّ حبَّكَ سيُنقذُها؟ الحبُّ ضعفٌ. والرومانسيةُ وهمٌ. أنا هنا لأُريكمْ حقيقةَ الحياةِ: القوةُ، والخوفُ، والفناءُ."

اهتزَّ المكانُ منْ جديدٍ. بدأتْ أثاثُ المنزلِ يرتعشُ، وتُسمعُ أصواتُ كسرٍ وتطايرٍ. كانتْ الأرواحُ المعذبةُ المحبوسةُ في هذا الشرِّ، تُحاولُ أنْ تصرخَ، أنْ تنبّهَ، لكنَّ صوتَ الشرِّ كانَ أعلى.

"أنا أستطيعُ أنْ أرى ما في قلوبِكمْ"، تابعَ الصوتُ، وابتسامةٌ أشدُّ خُبثاً ترتسمُ على وجهِ ليلى. "أرى خوفَكمْ منْ اللهِ، وأرى ضعفَكمْ أمامَ الشهواتِ. أرى أنَّ أخلاقَكمْ ليستْ كما تدّعون. بلْ أنا أقوى منْ كلِّ هذا."

لمْ يكنْ أحمدُ قادراً على الاحتمالِ. تقدمَ نحو ليلى، وأخذَ يُرددُ آياتٍ منْ سورةِ البقرةِ، بصوتٍ قويٍّ وحاسمٍ. "بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. ألفٌ لامٌ ميمٌ. ذلكَ الكتابُ لا ريبَ فيهِ هدىً للمتقينَ. الذينَ يؤمنونَ بالغيبِ ويقيمونَ الصلاةَ ومما رزقناهمْ يُنفقونَ..."

عندما بدأَ أحمدُ يتلو، بدا أنَّ الشرَّ يتألمُ. وجهُ ليلى العذبُ تقلصَ، وبدأتْ تصرخُ. "لا! لا تتلو! هذا الصوتُ يُؤلمُني! يُطردُني!"

لكنَّ أهلَ القريةِ، مستلهمينَ منْ شجاعةِ أحمدَ، بدأوا أيضاً يُرددون آياتٍ، يُرددون الأذكارَ. ارتفعَ صوتُ الحاجِ عبدِ الرحمنِ: "اللهُ أكبرُ! اللهُ أكبرُ! اللهمَّ يا قويُّ يا متينُ، اضربْ هذا الشرَّ بيدكِ القويةِ، واحمِ عبادَكَ."

حاولَ أحمدُ الاقترابَ أكثرَ، وهوَ يرى بصيصَ ليلى الأصيلةِ يظهرُ بينَ الحينِ والآخرِ في عينَيها. "ليلى، اسمعيني! أنا هنا! قوتُكَ بداخلكِ! لا تدعيهِ ينتصرُ!"

بدأتْ ليلى تترنحُ. بدأتْ تتحدثُ بصوتِها الأصليِّ، لكنَّ الصوتَ الخبيثَ كانَ يُقاطعُها. "لا تستمعي إليهِ! إنهُ يكذبُ! الحياةُ مجردُ بؤسٍ!"

"لا يا أمينةُ!" صرختْ ليلى بصوتِها الحقيقيِّ، وهوَ صوتٌ ضعيفٌ، متألّمٌ. "هذا ليسَ ما علمتيني إياه! أنتِ لمْ تكوني هكذا!"

انفجرَ ضحكٌ عاليٌ، مخيفٌ. "أنا لستُ أمينةَ! أنا الظلامُ! أنا اليأسُ! أنا الشرُّ الذي سيعمُّ كلَّ شيءٍ!"

فجأةً، انطفأتْ كلُّ الأضواءِ في المنزلِ. سادَ ظلامٌ دامسٌ. وبدأتْ الأصواتُ الشريرةُ تتكاثرُ، تهمسُ منْ كلِّ مكانٍ، تُشعلُ الفتنةَ بينَ أهلِ القريةِ.

"أحمدُ لا يحبُّكِ يا ليلى، بلْ يريدُ مالَكِ"، همستْ إحدى الأصواتِ. "الحاجُ عبدُ الرحمنِ يخفي عنكمْ شيئاً"، همستْ أخرى. "سليمانُ هوَ منْ باعَ روحَهُ للشيطانِ"، همستْ ثالثةٌ.

بدأتْ الفتنةُ تتسللُ إلى القلوبِ. بدأَ الناسُ ينظرونَ إلى بعضِهمْ البعضِ بشكٍّ. هذا هوَ ما كانَ يريدهُ الشرُّ. تفكيكُ الوحدةِ، زرعُ الخلافِ.

في وسطِ هذا الظلامِ، أدركَ أحمدُ أنَّ المعركةَ ليستْ معركةَ قوةٍ جسديةٍ، بلْ معركةُ إيمانٍ، ومعركةُ ثقةٍ. أمسكَ بيدِ الحاجِ عبدِ الرحمنِ. "يا شيخَنا، لنْ نستسلمَ. لنْ ندعْ الظلامَ يُفرّقُنا."

نهضَ الحاجُ، وبصوتٍ لا يعرفُ الترددَ، أعلنَ: "يا أهلَ الرفيقِ! الشكُّ هوَ السلاحُ الأولُ للشيطانِ. لا تُصدّقوا هذهِ الأكاذيبَ! نحنُ أخوةٌ في اللهِ. ونحنُ متحدونَ. منْ يزرعُ الشقاقَ بينَنا، فهو عدوُّنا."

لكنَّ صوتَ ليلى، أوْ الشرِّ الساكنِ فيها، كانَ يزدادُ قوةً. "لقدْ انتصرتُ! الظلامُ أقوى! لا مفرَّ لكمْ!"

فجأةً، سُمعَ صوتُ بكاءٍ شديدٍ. كانتْ والدةُ ليلى، "فاطمةُ"، وهيَ المرأةُ الصالحةُ، تقفُ أمامَ ليلى، ودموعُها تنهمرُ. "يا ابنتي... يا حبيبتي... أرجوكِ... عودي إليَّ..."

نظرَ الشرُّ إليها بابتسامةٍ ساخرةٍ. "الأمومةُ ضعفٌ. والحبُّ أوهامٌ."

لكنَّ صوتَ فاطمةَ، وهوَ صوتُ الأمِّ التي لا تعرفُ إلا الحبَّ، انبعثَ بقوةٍ أكبرَ. "لا! الحبُّ هوَ أقوى سلاحٍ! هوَ ما سيُعيدُ ابنتي إليَّ. هوَ ما سيُحطِّمُكِ!"

كانتْ لحظةَ تحولٍ. الشرُّ كانَ يزدادُ قوةً، لكنَّ الحبَّ والإيمانَ كانَ يزدادانِ بصيصاً. شعرَ أحمدُ بوجودِ ليلى الحقيقيةِ، تتصارعُ داخلياً، تحاولُ استعادةَ سيطرتِها.

"ليلى! قاومي!" صرخَ أحمدُ. "أتذكرينَ وعدَنا؟ أتذكرينَ حبَّنا؟"

لمْ يعدْ هناكَ مجالٌ للهروبِ. لقدْ كشفَ الشرُّ عنْ كاملِ وجهِهِ، وبدأَ أهلُ القريةِ يُدركونَ حجمَ المعركةِ. لقدْ باتَ عليهمْ أنْ يختاروا بينَ الظلامِ والنورِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%