ليلة الأرواح الجزء الثالث
صراع الإرادات وهدير العاصفة
بقلم سامر الخفي
اشتعلتْ الأجواءُ في قريةِ "الرفيقِ" بصراعٍ لا مثيلَ لهُ. لمْ يعدْ الأمرُ مجردَ خوفٍ منْ أشباحٍ، أوْ همساتٍ تُخيفُ، بلْ صارَ معركةً مفتوحةً بينَ الخيرِ والشرِّ، بينَ الإيمانِ والظلامِ. كانتْ ليلى، الشابةُ الطيبةُ، قدْ أصبحتْ ساحةً لهذا الصراعِ، وجسدُها ميداناً تدورُ فيهِ رحى المعركةِ.
"لا! لنْ تنتصري!" كانتْ ليلى تقولُ بصوتِها الأصليِّ، وهوَ ضعيفٌ، لكنّهُ يحملُ عناداً صغيراً. "أنا لستُ لكِ!"
قاطعها الصوتُ الخبيثُ بضحكةٍ مُرعبةٍ. "بلْ أنتِ لي! لقدْ استهلكتُ ضعفَكِ، وحبكِ، ويأسَكِ. أنتِ الآنَ جسدي، ولساني، وقوتي. انظري حولَكِ، انظري إلى هؤلاءِ البلهاءِ. هلْ يعتقدونَ حقاً أنَّ إيمانَهمْ سينقذُهمْ؟"
كانَ الشرُّ يُشيرُ بيدِ ليلى إلى أهلِ القريةِ الذينَ تجمعوا حولَ منزلِها، وجوهُهمْ مشدودةٌ، لكنَّ عيونَ بعضِهمْ بدأتْ تتسربُ إليها علاماتُ الشكِّ. لقدْ بدأتْ الفتنةُ التي زرعها الشرُّ في الفصلِ السابقِ تؤتي أُكُلَها.
قالَ "جابرُ"، وهوَ رجلٌ كانَ معروفاً بخصومتهِ معَ الحاجِ عبدِ الرحمنِ بشأنِ أرضٍ قديمةٍ: "يا شيخَنا، هلْ أنتَ متأكدٌ أنَّ هذا هوَ الخيرُ؟ لقدْ سمعتُ أصواتاً تقولُ إنَّ هذا البلاءَ بسببِ غضبٍ منْ اللهِ علينا. ربما علينا أنْ نُرضيَ الأرواحَ بطرقٍ أخرى."
أشارَ الشرُّ منْ ليلى إلى جابرَ بابتسامةٍ مُنتصرةٍ. "ها هوَ! أحدهمْ بدأَ يفهمُ! لا تتبعوا كلامَ رجلٍ عجوزٍ، بلْ اتبعوا الحقائقَ التي أُريكمْ إياها."
كانَ الحاجُ عبدُ الرحمنِ يُراقبُ الموقفَ بعينِ الحكيمِ. كانَ يعرفُ أنَّ اليأسَ هوَ أكبرُ أعدائِهِمْ، وأنَّ الشكَّ هوَ السهمُ الذي يُصيبُ القلوبَ.
"يا جابرُ"، قالَ الحاجُ بهدوءٍ، "إنَّ ما يُقالُ في هذهِ الظروفِ ليسَ دائماً حقاً. لقدْ رأيتَ الشرَّ بعينِكَ. إنهُ يُحاولُ أنْ يفرقَنا. أنْ يجعلَنا نُشكّكُ في بعضِنا البعضِ. وهذا ما يريدهُ. أما عنْ غضبِ اللهِ، فلا يعلمُ ما في الغيبِ إلا هوَ."
استدارَ أحمدُ نحو ليلى، وعيناهُ مليئتانِ بالشجنِ. "ليلى، أتذكرينَ كيفَ كنا نجلسُ تحتَ النجومِ، ونحلمُ بمستقبلِنا؟ أتذكرينَ كيفَ كنتِ تقرئينَ لي الشعرَ، وكيفَ كنتُ أُغني لكِ؟ هذا ليسَ أنتِ. هذا شيءٌ غريبٌ يُحاولُ أنْ يسرقَكِ."
دمعتْ عينا ليلى، لكنَّ دموعَها كانتْ سريعةَ الجفافِ. "أنا... أنا أحاولُ... أحمدُ... لكنَّها... قويةٌ جداً..."
في هذهِ اللحظةِ، اهتزَّ المنزلُ بعنفٍ. انبعثَ صوتُ هديرٍ عميقٍ، كأنَّ الأرضَ نفسها تتصدعُ. سُمعتْ أصواتُ صراخٍ بعيدةٍ، وأصواتُ رياحٍ عاتيةٍ. بدأتْ عاصفةٌ غريبةٌ تتشكلُ حولَ منزلِ ليلى، عاصفةٌ لا تبدو طبيعيةً.
"ها هوَ! هذا هوَ قوتي!" صاحَ الشرُّ منْ ليلى. "إنَّ غضبي يُزلزلُ الأرضَ! إنَّ غضبي يُبيدُ كلَّ شيءٍ!"
بدأتْ الرياحُ تُلقي بالأشياءِ، وتُحطمُ الزجاجَ. سادَ الفزعُ بينَ أهلِ القريةِ. بدأَ بعضُهمْ يركضُ هارباً، وبعضُهمْ يحاولُ حمايةَ أطفالِهمْ.
"توقفوا!" صرخَ أحمدُ. "لا تخافوا! هذهِ هيَ أقصى محاولاتِهِ! لنْ يستطيعَ أنْ يهزمَ إيمانَنا!"
أخرجَ أحمدُ مصحفَهُ منْ جيبِهِ، وبدأَ يقرأُ بصوتٍ عالٍ، يتلو آياتِ الكرسيِّ، وآياتِ الشفاءِ. "قلْ هوَ اللهُ أحدٌ. اللهُ الصمدُ. لمْ يلدْ ولمْ يولدْ. ولمْ يكنْ لهُ كفواً أحدٌ."
عندما بدأَ أحمدُ يتلو، بدا وكأنَّ العاصفةَ تضعفُ قليلاً. لكنَّ الشرَّ استجمعَ قوتهُ. "أيها الأحمقُ! هلْ تظنُّ أنَّ كلماتٍ ستُهزمني؟ أنا قوةٌ منْ قديمِ الأزلِ! أنا الظلامُ الذي سيُطفئُ نورَكمْ!"
انتشرَ ظلامٌ أسودٌ كثيفٌ، غيرُ طبيعيٍّ، ابتلعَ ضوءَ المصباحِ الوحيدِ المتبقيِّ. سُمعتْ أصواتُ رعبٍ، وأصواتُ ألمٍ.
"لقدْ وقعتمْ في الفخِّ!" هتفَ الشرُّ. "الآنَ، كلُّ منْ يخافُ، سيموتُ!"
"لا!" صاحَ الحاجُ عبدُ الرحمنِ، وتلا آيةَ الكرسيِّ بصوتٍ جهوريٍّ. "واللهُ يعلمُ ما تبدون وما تكتمونَ. يا ربِّ، نحتسبُ هذهِ العاصفةَ وهذهِ المعركةَ عندكَ. احمنا برحمتِكَ."
بدأَ بعضُ أهلِ القريةِ يُرددون خلفَ الحاجِ. بدأَ صوتُهمْ يزدادُ قوةً، يندمجُ معَ صوتِ أحمدَ.
"أنا لا أخافُ!" صرخَ "خالدُ"، وهوَ شابٌ كانَ يتهمهُ جابرُ بالغفلةِ. "أنا أخشى اللهَ فقطْ! وليسَ الشياطينَ!"
"وأنا كذلك!" صرختْ "زينبُ"، وهيَ امرأةٌ كانتْ متهمةً بالنميمةِ. "لمْ أعدْ أخشى إلا اللهَ!"
كانَ الشرُّ يُدركُ أنَّ قوتهُ تعتمدُ على الخوفِ. وبمجردِ أنْ يبدأَ الناسُ في التغلبِ على خوفِهمْ، تبدأُ قوتهُ في الانهيارِ.
"لا! كيفَ هذا؟" صاحَ الشرُّ، وبدأَ صوتُهُ يرتجفُ. "أنتمْ لا تزالونَ تخافونَ!"
"لا، لمْ نعدْ نخافُ!" ردَّتْ ليلى، بصوتٍ أصبحَ أقوى هذهِ المرةَ، صوتٌ فيهِ تصميمٌ. "لقدْ رأيتُ ما تريدُ أنْ تفعلهُ. لقدْ رأيتُ كيفَ تُحاولُ أنْ تُفرّقَنا. لكنَّ حبَّ أهلِ قريتي، وحبَّ أحمدَ، وحبَّ أمي، هوَ ما سيُعطيني القوةَ."
بدأتْ ليلى تتشبثُ بيديها، وكأنَّها تحاولُ أنْ تسحبَ نفسها منْ قبضةِ الشرِّ. كانتْ عيناها تتوهجانِ بالنورِ.
"أنا ليلى!" صرختْ. "أنا لستُ شيئاً لكمْ!"
اشتعلَ الشرُّ غضباً. "هلْ تجرؤينَ؟ هلْ تجرؤينَ على تحدّي؟"
قذفَ الشرُّ ليلى بقوةٍ، فألقتْ بها على الحائطِ. سقطتْ، وبدا أنَّها فقدتْ الوعيَ.
"ليلى!" صرخَ أحمدُ، وركضَ إليها، متجاهلاً الخطرَ.
تراجعتْ الأرواحُ الشريرةُ المحبوسةُ، ورأتْ فرصةً للهربِ. بدأتْ تخرجُ منْ أجسادِ الناسِ، منْ جدرانِ المنزلِ، في شكلِ دخانٍ أسودَ.
"لقدْ فشلتُ!" صاحَ الشرُّ، وابتسامةٌ مريرةٌ على وجهِ ليلى. "لكنَّ العودةَ آتيةٌ! لنْ تنعموا بالسلامِ أبداً!"
ثمَّ، وفي لحظةٍ، اختفى الشرُّ، تاركاً وراءهُ دماراً، وفساداً، وصمتاً مُريبًا.