ليلة الأرواح الجزء الثالث

ظلال الكوابيس والمخدرات

بقلم سامر الخفي

عادت الأنفاس متقطعة، واهتز جسد "مالك" في فراشه كزورق تمزقه الأمواج في لجة بحر هائج. لم يكن يغفو، بل كان يستسلم لغيبوبة مؤقتة، يفصل فيها عن الواقع المؤلم ليفقد ذاكرته، ولو للحظات. جدران غرفته التي كانت ذات يوم ملاذه الآمن، أصبحت الآن سجنه، تشهد على صراعه الداخلي المرير. كانت رائحة الدخان الخانقة، التي لم تعد غريبة عن أنفه، تتسرب من بين ثنايا باب غرفته المغلق بإحكام، لتختلط بروائح أخرى خفية، تبعث على القلق والاشمئزاز.

فتحت "فاطمة" باب الغرفة بحذر، وقلبها يرتعش خوفًا وحيرة. كان ضوء المصباح الخافت يكشف عن وجه "مالك" الشاحب، وعينيه الغائرتين، وجسده الذي بدا وكأنه يفقد قوته يوماً بعد يوم. كان يضع يده على صدره، وكأنه يحاول استئصال شيء مؤلم ينخر في روحه. همست بصوت خافت، كأنها تخشى أن تزعزع سكون الليل: "مالك؟ هل أنت مستيقظ؟"

ارتعش جسد "مالك" للحظة، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه تعكسان فراغاً عميقاً، وشيئاً يشبه الاستسلام. لم يرد عليها، بل ظل يحدق في السقف، وكأن الظلال المرعبة تتراقص عليه. تنهدت "فاطمة"، وأغلقت الباب برفق، وعادت إلى حيث تنتظر والدته، "أمينة"، التي كانت تجلس على الأريكة في الصالة، وصوت أنفاسها المتقطعة يعكس قلقها العميق.

"لم ينم جيداً يا أمي،" قالت "فاطمة" بصوت خافت، محاولة كتمان ارتعاشة في صوتها. "والله أعلم ما الذي يبتليه،" أجابت "أمينة" وهي تضع يدها على قلبها. "كأنه يحمل هموم الدنيا كلها على كتفيه. منذ حادثة تلك الليلة، أصبح مختلفاً. أصبح غريباً."

كانت "أمينة" تشير إلى تلك الليلة المشؤومة، الليلة التي شهد فيها "مالك" أحداثاً لم يفصح عنها لأحد، ولكنه أثرت فيه بشكل بالغ. كان ذلك بعد العثور على "ليلى" في حالة غيبوبة، وما تبع ذلك من أحداث جلبت معها ظلالاً من الغموض والرعب.

مرت الأيام ثقيلة، ولم يتغير حال "مالك". كان يقضي معظم وقته في غرفته، يغلق الباب ويغيب عن العالم. كانت "فاطمة" تحاول جاهداً التواصل معه، تبين له كم هي قلقة عليه، وكم هو حبها له. كانت تتذكر الأيام الجميلة التي كانت تجمعهما، أيام الضحك والمرح، أيام الأمان والطمأنينة. كانت تتذكر كيف كان "مالك" سندها، وكيف كانت هي سنده.

"لماذا تفعل هذا بنفسك يا مالك؟" سألته "فاطمة" ذات مساء، بعد أن نجحت في الدخول إلى غرفته، وقد كان يجلس على الأرض، وظهره مستند إلى الحائط، ويده تمسك بزجاجة صغيرة شفافة، كان يسودها سائل بلون ذهبي داكن. كان يتنفس بصعوبة، وكأن الهواء لا يكفيه.

"لا شيء،" أجابها بصوت أجش، وهو يغمض عينيه. "لا شيء؟ أهذا ما تسميه لا شيء؟ جسدك ينهار، روحك تذبل، وأنت تقول لا شيء؟" ارتفعت نبرة صوتها قليلاً، مزيجاً من الألم والغضب. "هل تعتقد أن هذا هو الحل؟ هل تعتقد أن هذا سيجعلك تنسى؟"

رفع "مالك" رأسه ببطء، ونظر إليها بعينين دامعتين. كانت هذه المرة الأولى منذ فترة طويلة يرى فيها "مالك" تلك الدموع في عينيه. "أنا فقط... أحاول أن أتنفس،" قال بصوت متهدج. "أحاول أن أنسى... أن أهرب."

"الهروب لن يجعلك أقوى يا مالك، بل سيجعلك أضعف. وهذه الأشياء التي تفعلها... هذه السموم... لن تشفيك، بل ستدمرك."

كانت "فاطمة" تتحدث عن تلك الزجاجات التي كانت تجدها متناثرة في غرفته، وعن رائحة الدخان التي كانت تشي بما كان يدور. كانت قد بدأت تشك في البداية، ولكن رؤيتها لتلك الزجاجة في يده الآن، أزالت أي شك. كان "مالك" يتعاطى المخدرات.

"لم أعد أتحمل، يا فاطمة،" قال "مالك" بصوت مختنق. "الصور... الأصوات... الظلال... كل شيء يعود إليّ. لا أستطيع النوم، لا أستطيع العيش."

"ولكن هذه الأشياء... ستجعلك أسوأ. ستجعلك عبداً. هل تريد أن تصبح عبداً لهذه الأشياء؟ هل هذا ما كنت تطمح إليه؟"

كانت "فاطمة" تدرك تماماً مدى خطورة الموقف. كان "مالك" الذي تعرفه، الشاب الواعد، القوي، المؤمن، الآن يسقط في بئر سحيق من الظلام. كان يتصارع مع كوابيس لم يفصح عنها، وكوابيس نفسية عميقة، وكان يلجأ إلى هذا الطريق المظلم ليخدر ألمه.

"أنا... لا أعرف ماذا أفعل،" قال "مالك" وهو يضع رأسه بين يديه. "أشعر وكأنني أغرق."

"لن تغرق،" قالت "فاطمة" وهي تجلس بجانبه، وتضع يدها على كتفه. "سأكون معك. سنواجه هذا معاً. لكن عليك أن تتوقف. عليك أن تعطيني فرصة. فرصة لنفسك."

كانت كلماتها بلسمًا على جراح "مالك" المتعمقة، ولكن جذور الإدمان كانت قد بدأت تتغلغل في أعماقه، وكان الشفاء رحلة شاقة وطويلة. كان هذا هو الصراع الحقيقي، الصراع الذي لم يكن يعلم أحد عنه سوى "فاطمة" التي وقفت إلى جانبه، وقلبها يعتصر ألماً، وعزمها يزداد قوة. لقد بدأت أشد حلقات الظلام في حياة "مالك" للتو، ولم يكن يعلم أن أبواب الخلاص لا تزال مفتوحة، لكنها تتطلب منه شجاعة لم يعهدها في نفسه من قبل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%