أسرار الصحراء الليلية
ريحٌ عاتيةٌ ونداءٌ من الأعماق
بقلم ظافر الغيب
كانت السماء فوق صحراء الربع الخالي قد انسدلت ستائرها المخملية الداكنة، مرصعة بآلاف النجوم التي تتلألأ كدموع الماس على جبين ليلٍ لا يعرف للنوم سبيلاً. ريحٌ صفراء، لا تشبه أي ريحٍ أخرى، بدأت تعوي كذئبٍ جائعٍ يطارد فريسته، تثير الرمال الناعمة فترتفع كأمواجٍ شبحية، تلتف حول خيامٍ واهنةٍ وأجسادٍ منهكة. في قلب هذه العاصفة الهوجاء، كانت "ليلى" تقف، روحها تتصارع مع جسدها الذي يرتجف تحت وطأة البرد القارس الذي لم تكن الصحراء معتادةً عليه في مثل هذا الوقت من العام.
كانت قد خرجت بحثاً عن "خالد"، شقيقها الذي لم يعد من رحلته الاستكشافية عند غروب الشمس كما وعد. مضى وقتٌ طويلٌ على الظلام، وكل دقيقةٍ تمر تزيد من قلقها وتخوفها. عيناها، اللتان اعتادتا على رصد أدق التفاصيل في وهج النهار، كانت تكافح الآن لتمييز حدود الكثبان الرملية المتغيرة، بينما كانت أذناها تلتقطان أصواتاً غريبةً تتداخل مع صفير الريح، أصواتٌ لا يبدو أنها تنتمي إلى عالم الأحياء.
"خالد! خالد!" نداءها الأجشّ تلاشى في جوف العاصفة، كأنه صرخةٌ أُلقيت في بئرٍ بلا قرار. لفّت نفسها بعباءتها الصوفية الثقيلة، محاولةً استجماع شجاعتها التي بدأت تتآكل أمام هذا المجهول المرعب. لم تكن ليلى فتاةً اعتادت الخوف، فقد نشأت في هذه الصحراء القاسية، تعلمت منها الصبر والقوة، لكن هذه الليلة كانت مختلفة. كان هناك شيءٌ غريبٌ يخترق صمت الصحراء، شيءٌ قديمٌ ومظلمٌ يستيقظ.
فجأةً، انفتحت عيناها على ضوءٍ خافتٍ ينبعث من خلف إحدى الكثبان الرملية الضخمة. ضوءٌ ليس ضوء القمر، ولا ضوء نارٍ تقليدية. كان ضوءاً بلونٍ زيتيٍّ مخيف، يرتعش وكأنه نبضُ قلبٍ مريض. تجاهلت ليلى صوت عقلها الذي حذّرها من الاقتراب، وصوت قلبها الذي كان يدق بعنفٍ في صدرها، وسارت نحو مصدر الضوء، خطواتها بطيئةٌ وحذرةٌ على الرمال المتحركة.
كلما اقتربت، زادت وضوحاً ظلالٌ غريبةٌ تتراقص حول الضوء، ظلالٌ لم تكن لأشجارٍ أو صخور. كانت أشكالها مشوهة، تتحرك بطريقةٍ تثير القشعريرة. وصلت إلى حافة الكثيب، ورأت المشهد الذي جمّد الدم في عروقها.
في فسحةٍ صغيرةٍ محاطةٍ بالرمال، كان هناك شيءٌ لم تستطع ليلى فهمه. كان حجراً ضخماً، قديماً جداً، عليه نقوشٌ غريبةٌ لم ترها من قبل. النقوش كانت تتوهج بالضوء الزيتيّ نفسه، وكان الضوء يخرج من شقٍّ رفيعٍ في منتصف الحجر. الأدهى من ذلك، أن خالد كان يقف قبالة الحجر، ظهره إليها، وجسده يهتز بشكلٍ لا إرادي. كان يده ممدودةٌ نحو الحجر، وكأنه يحاول لمسه.
"خالد!" صرخت ليلى، لكن صوتها كان بالكاد مسموعاً.
استدار خالد ببطء. ما رأته ليلى على وجهه كان شيئاً لم تعهده فيه أبداً. عيناه، التي كانت دائماً مليئةً بالدفء والمرح، كانت الآن فارغةً، باهتةً، تحدق في فراغٍ لم تدركه ليلى. بدا وكأنه لم يرها، أو كأنه يراها من مكانٍ بعيدٍ جداً.
"خالد، ما بك؟" اقتربت ليلى منه، والخوف يتملكها.
تراجع خالد خطوةً إلى الخلف، وكأنه يهرب منها. قال بصوتٍ خافتٍ، أعمق وأكثر غلظةً من صوته المعتاد، "لا تقتربي... ليلى... ابتعدي."
قبل أن تتمكن ليلى من فهم ما يقوله، تحرك الحجر. لم يتحرك الحجر بنفسه، بل تحرك شيءٌ ما من داخل الشقّ المتوهج. كان شيئاً داكناً، يشبه أطرافاً رفيعةً تتلوى. انبعثت من الشقّ رائحةٌ كريهةٌ، مزيجٌ من التراب الرطب والموت.
"اهدأ يا خالد!" حاولت ليلى الإمساك بذراعه، لكنه أفلت منها بقوة.
"ابتعدي!" تكرر خالد، وبدأت تعابير وجهه تتغير. بدا وكأنه يتألم، وأن جسده لم يعد ملكه.
حينها، رأت ليلى الحقيقة المروعة. لم يكن خالد وحده. كان هناك شيءٌ آخر يتشبث به، شيءٌ غير مرئيٍّ لكن تأثيره كان واضحاً. كان جسد خالد يتمدد وينكمش بشكلٍ عجيب، وكأن قوىً خفيةً تمزقه.
"ما هذا؟" همست ليلى، والشلل يمسك بها.
أما خالد، فقد رفع رأسه ببطء، وفتحت شفتاه ليتكلم، لكن ما خرج كان صوتاً غريباً، همساً مزمجراً، لا يمكن تفكيكه. ثم، وفي حركةٍ سريعةٍ ومفاجئة، اندفع خالد نحو الحجر، وبدأ يضرب عليه بيديه بقوة.
"توقف! خالد، توقف!" صرخت ليلى، متجاوزةً خوفها.
لكن خالد لم يسمعها. استمر في الضرب، والشقّ المتوهج في الحجر بدأ يتسع. الضوء الزيتيّ ازداد شدةً، وبدأت الظلال المشوهة تخرج بأعدادٍ أكبر، تتشابك حول جسد خالد.
وفجأةً، غاص جسد خالد في الشقّ المتسع. سمعت ليلى صرخةً مكتومة، ثم اختفى خالد بالكامل داخل الحجر. توقف الضوء الزيتيّ فجأةً، وعاد الظلام ليسدل ستاره على المشهد. بقيت ليلى واقفةً، ترتجف، تنظر إلى الحجر الصامت الذي ابتلع شقيقها. ريح الصحراء الصفراء استمرت في العويل، وكأنها تحتفل بنصرٍ قديمٍ وظلامٍ جديد. في تلك الليلة، عرفت ليلى أن الصحراء تحمل أسراراً أقدم وأشدّ رعباً مما تخيلت.