أسرار الصحراء الليلية

سرابٌ يعانق الأرواح

بقلم ظافر الغيب

انطفأت شعلة الفوانيس الزيتية، وغطى الظلام الدامس واحة "عين الغزال" الهادئة. لم يكن ظلامًا عاديًا، بل كان ثقيلاً، مشبعًا برائحة الرمال اللاهثة وخوفٍ دفينٍ كالكفن. داخل خيمة والدها، جلست ليلى، تغالب دموعها التي ألحت في الانهمار. لم يكن غياب فارس إلا ثقلاً آخر يضاف إلى ما تحمل، هي التي طالما اعتبرت وجوده درعًا وسندًا.

كانت الذاكرة تتقاذفها بين أروقة الماضي. أيامٌ كانت فيها الحياة تسير على إيقاعٍ هادئ، نسيمٌ عليلٌ يداعب وجوههم، وصوت الضحكات يصدح في أرجاء المخيم. فارس، شقيقها الأكبر، كان الشمس التي تدور حولها حياتها. رجولته، وحكمته، وقدرته على إخماد أي فتنة قبل أن تستفحل، كل ذلك كان يشكل سياجًا فولاذيًا يحميها. والآن، اختفى. ليس مجرد اختفاء، بل تلاشٍ في بطن الصحراء الموحشة، تاركًا خلفه صمتًا يعادل صراخًا.

تذكرت آخر محادثة بينهما. كان فارس يشد على عضدها، وعيناه تلمعان بشعلةٍ من الإصرار. "لا تخافي يا ليلى،" قال بصوتٍ عميق، "مهما حدث، سنظل معًا. الصحراء واسعة، ولكنها لا تستطيع أن تبتلع ما نحمله في قلوبنا." هل كانت كلماته نبوءة أم مجرد محاولة لتهدئتها؟ الآن، باتت الكلمات باردة، وصداها يتردد في فراغٍ مؤلم.

كانت "أم سلمة"، زوجة أبيها، تجلس في زاوية الخيمة، تراقب ليلى بصمت. لم تكن أم سلمة من نساء البادية اللواتي يزاحمن الرجال في الحديث. كانت صامتة، حكيمة، وعيناها تحملان بصيرةً تفوق ما تشي به تعابير وجهها. رأت في ليلى شعلةً متقدة، ولكنها رأت أيضًا هشاشةً يمكن للريح أن تكسرها.

"يا بنيتي،" قالت أم سلمة أخيرًا، صوتها كهمسة الريح، "الحزن لا يعيد المفقودين، والدعاء هو سلاح المؤمن."

نظرت ليلى إلى زوجة أبيها. كانت تعرف أن أم سلمة تحبها، ولكن قلبها كان غارقًا في دوامةٍ من القلق. "كيف أدعو يا جدتي؟ وأنا لا أعرف حتى أين ابحث؟"

"تبحثين في قلبك يا ليلى،" ردت أم سلمة بهدوء. "القلب دليلٌ لا يضل. أين ذهب فارس؟ لماذا؟ هذا ما يجب أن تفكر فيه."

كانت كلمات أم سلمة لغزًا، ولكنه لغزٌ وجد صدىً في عقل ليلى. فارس لم يكن من النوع الذي يختفي دون سبب. كان مسؤولاً، حريصًا على سمعة العائلة، وعلى أمنهم. فما الذي دفعه إلى هذا؟ هل كان وراء اختفائه ما تخشاه؟ ما السر الذي يكمن في تلك العيون المتألقة التي كانت ترى دومًا في أفقها؟

في تلك الليلة، لم ينم لمى. كانت تحلم بأصواتٍ غريبة، كأنها همساتٌ تتسلل من تحت الرمال. رأت في منامها رجلًا يرتدي ثيابًا قديمة، وجهه مغطى بظلٍ كثيف، يشير إليها بأصبعٍ نحيلة نحو الأفق، ثم يختفي كالدخان. استيقظت مذعورة، وقلبها يدق بعنفٍ في صدرها.

كانت ليلى تشعر بنوعٍ من القلق ينهشها، قلقٌ لا يتعلق بفارس فحسب، بل بشيءٍ أعمق، بشيءٍ بدأ يتسلل إلى واحة "عين الغزال" مع موجة البرد القارس. كانت ترى نظراتٍ غريبة على وجوه بعض الرجال، نظراتٍ تحمل مزيجًا من الخوف والترقب. كانت تتساءل إن كانت هذه المشاعر مجرد توهمٍ منها، أم أن هناك حقًا خطرًا يحدق بهم.

قامت ليلى من فراشها، وتسللت خارج الخيمة، تاركةً أم سلمة نائمة. كان القمر بدرًا، يلقي بضوئه الفضي على الرمال، محولاً الصحراء إلى بحرٍ من الألماس. وقفت ليلى، تتنفس الهواء البارد، وتتأمل النجوم التي تتلألأ في سماءٍ لا نهائية. كانت تشعر بأنها تائهة، ضائعة في متاهةٍ لا ترى لها نهاية.

فجأة، سمعت صوتًا خافتًا. صوتٌ كأنما يأتي من بعيد، ولكنه كان يقترب. صوتٌ ليس صوت الريح، ولا صوت الحيوانات. صوتٌ يشبه الأنين، ولكنه كان مشوبًا بنغمةٍ غريبة، مخيفة. تجمدت ليلى في مكانها، قلبها يتسارع. هل هو فارس؟ هل عاد؟ أم هو شيءٌ آخر؟

لم تتحرك. لم تستطع. الظلام كان يلتف حولها، والأصوات تتكاثر، وكأن الصحراء نفسها بدأت تتحدث. بدأت تشعر بأنها مراقبة، وأن هناك عيونًا لا تراها تراقبها من بين الكثبان الرملية. رفعت يدها لتضعها على فمها، تكتم شهقةً كادت أن تفلت منها.

تذكرت حديث أبيها قبل اختفاء فارس. كان يقول: "الصحراء لها أسرارها يا ابنتي. أسرارٌ لا يبوح بها إلا من يفهم لغتها. لا تخافي مما لا ترينه، بل خافي مما ترينه ولا تفهمينه."

هل كان ما تسمعه الآن هو لغة الصحراء؟ لغةٌ لا تفهمها، ولكنها تشعر بثقلها. تمنت لو أن فارس كان بجانبها، ليطمئنها، ليحتضنها، ليخبرها أن كل شيءٍ سيكون على ما يرام. لكنه لم يكن هنا. كانت وحدها، تواجه هذا الرعب الذي بدا وكأنه ينمو ويتجذر في قلب هذه الأرض.

استمر الأنين، ولكنه بدأ يتغير، يتشوه، يصبح كأنه ضحكةٌ مجنونة، ثم يتحول إلى نحيبٍ عميق، ثم يعود إلى همسٍ غير مفهوم. شعرت ليلى بدوارٍ شديد، وكأن الأرض تميد بها. تراجعت إلى الخلف، بخطواتٍ مترددة، ثم استدارت وركضت عائدةً إلى خيمتها، بكل ما أوتيت من قوة.

عندما وصلت إلى الخيمة، كانت قد استجمعت قواها. دخلت بسرعة، وأغلقت باب الخيمة بإحكام. جلست على وسادتها، تتنفس بصعوبة. كان صوت الأنين لا يزال يتردد في أذنيها، وكأنه محفورٌ في ذاكرتها.

كان اختفاء فارس قد فتح أبوابًا لم تكن تعرف بوجودها. أبوابٌ تقود إلى عالمٍ لا يشبه ما عرفته. عالمٌ تتناثر فيه الأسرار، وتختلط فيه الحقائق بالأوهام، وتتربص فيه المخاطر خلف كل رمال. وأدركت ليلى، في تلك الليلة، أنها لم تعد مجرد فتاةٍ تعيش في واحةٍ هادئة، بل أصبحت جزءًا من سرٍ أكبر، سرٍ بدأ يلتهم كل شيءٍ حولها، وكل ما تحب.

كانت تعلم أن الغد سيحمل معه أسئلةً أكبر، وتحدياتٍ أعظم. وأنها، مهما حاولَت، لن تستطيع أن تهرب من مصيرٍ بدأ يتشكل في ظلال هذه الصحراء الليلية. كان قلبها يخفق بخوفٍ لم تعهده، ولكنه كان يخفق أيضًا بشعلةٍ من العزم بدأت تنمو بداخله. عزمٌ سيجبرها على مواجهة ما هو قادم، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة أعمق أسرار الصحراء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%