أسرار الصحراء الليلية
العاصفة الموعودة وبوابة الظلام
بقلم ظافر الغيب
تسلل ضوء النهار الخافت، ليكشف عن واحةٍ بدت أكثر كآبةً من الأيام الماضية. لم تكن الشمس قادرة على تبديد الظلام الذي كان يخيم على القلوب. اختفاء فارس لم يعد مجرد فقدانٍ، بل تحول إلى قلقٍ وجودي يهدد كيان الواحة بأكملها. تزايدت الهمسات، واحتدمت الشائعات، وبات الخوف يسري كسمٍ في عروق أهل "عين الغزال".
اجتمع كبار رجال القبيلة، وعلى رأسهم الشيخ سليمان. كان وجهه شاحبًا، وعيناه مليئتين بالأسى. "لقد بحثنا في كل مكان،" قال بصوتٍ متعب، "ولم نعثر على أي أثرٍ لفارس. كأنه ابتلعته الأرض."
"ولكن، يا شيخ،" تدخل جابر، وهو يشد على قبضته، "ماذا عن تلك الأصوات الغريبة التي سمعناها الليلة الماضية؟ وماذا عن تحرك الرمال؟"
نظرت النساء إلى بعضهن البعض، وقد ارتسمت على وجوههن علامات الذهول والرعب. كانت تلك الأصوات، وتلك الحركة الغريبة للرمال، قد تركت في نفوسهن أثرًا لا يُمحى.
"هذه ليست ظواهر طبيعية،" قال سالم، وهو الشاب الذكي، الذي كان يراقب الأحداث بعينٍ نافذة. "هناك شيءٌ يحدث. شيءٌ لا نفهمه."
كانت ليلى تستمع إليهم، وتشعر بأنها تقف على حافة اكتشافٍ هائل، اكتشافٍ قد يكون مفتاحًا لفهم ما يحدث. تذكرت كتاب والدها، وتلك الرموز الغريبة. تذكرت كلمات أم سلمة عن الأوقات التي تصبح فيها الحدود بين العوالم رقيقة.
"يا شيخ،" قالت ليلى، وصوتها يرتجف قليلاً، "أعتقد أن اختفاء فارس ليس مجرد ضياع. لقد قرأت في كتاب والدي عن أساطير قديمة تتعلق بأماكن معينة في الصحراء، أماكن يعتقد أنها بواباتٌ لعوالم أخرى."
ارتفعت الحاجبين في وجوه الرجال. لم يكونوا معتادين على سماع مثل هذه الأحاديث من ليلى، الفتاة الهادئة الرقيقة.
"بواباتٌ لعوالم أخرى؟" سأل الشيخ سليمان بشيءٍ من الشك. "ماذا تقصدين يا ابنتي؟"
"الكتاب يتحدث عن طقوسٍ وأوقاتٍ معينة،" استمرت ليلى، وهي تحاول استجماع شجاعتها. "أوقاتٌ تصبح فيها هذه البوابات مفتوحة. وأخشى أن يكون فارس قد ذهب إلى أحد هذه الأماكن، أو أن يكون قد وقع ضحيةً لما يكمن خلف هذه البوابات."
كانت كلمات ليلى تلقي بظلالٍ من الشك على وجوه الرجال. لم يكن الكثير منهم يؤمنون بهذه الأساطير، ولكن الأحداث الغريبة التي شهدوها كانت تدفعهم إلى التفكير.
"ولكن أين هي هذه الأماكن؟" سأل جابر. "وكيف يمكننا الوصول إليها؟"
"الكتاب يشير إلى بعض الدلائل،" أجابت ليلى، "ولكنها دلائلٌ مبهمة. تتحدث عن علاماتٍ لا يراها إلا من يعرفها. ومن بين هذه العلامات، هناك إشارةٌ إلى ما يشبه العاصفة، عاصفةٌ تأتي في وقتٍ لا تكون فيه السماء ملبدةً بالغيوم."
كانت تلك الإشارة إلى العاصفة غريبة، ولكنها بدت مألوفةً لهم. فقد شهدوا في الليلة السابقة حركةً غريبة للرمال، أشبه بعاصفةٍ صامتة.
في تلك الأثناء، كانت "منيرة" قد تغلبت على خوفها، وقررت أن تقابل ليلى. لم تكن تثق بالكثير من الشائعات، ولكن اختفاء فارس جعلها تبحث عن أي أمل.
"ليلى،" قالت منيرة، عندما التقتا عند بئر الواحة، "سمعت أنكِ تتحدثين عن أساطير قديمة. هل تعتقدين أن لفارس علاقةٌ بأمورٍ خارقة؟"
نظرت ليلى إلى منيرة، ورأت في عينيها نفس القلق الذي كان ينهش روحها. "أخشى ذلك يا منيرة. أخشى أن يكون اختفاؤه ليس عاديًا."
"كان فارس يشعر بالخوف مؤخرًا،" اعترفت منيرة. "كان يتحدث عن أشياء غريبة سمعها، وعن شعورٍ بأنه مراقب. ولكنني لم أفهم ما كان يقصده."
كانت هذه الكلمات تأكيدًا لما كانت ليلى تشعر به. بدأ خيطٌ يربط بين اختفاء فارس، وبين الأحداث الغريبة التي تحدث.
وبينما كانت ليلى ومنيرة تتحدثان، بدأت السماء تتغير. لم تكن هناك سحبٌ كثيفة، ولكن الهواء أصبح ثقيلاً، وكأنه مشحونٌ بطاقةٍ غريبة. بدأت الرمال تتحرك مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت الحركة أشد، وأكثر وضوحًا.
"انظروا!" صرخ سالم، مشيرًا إلى الأفق. "إنها… إنها عاصفة!"
لم تكن عاصفةً رملية عادية. كانت الرمال ترتفع في الهواء، ولكنها كانت تضيء بضوءٍ خافت، بنفسجي مزرق. بدأت الأصوات التي سمعتها ليلى في الليالي السابقة تعود، ولكنها كانت الآن أقوى، كأنها صرخاتٌ جماعية.
"هذه هي العاصفة التي تحدث عنها الكتاب!" هتفت ليلى، وقلبها يدق بعنف. "هذه هي العلامة!"
بدأ الرجال يلملمون نساءهم وأطفالهم، ويدفعونهم إلى داخل الخيام. ولكن ليلى، وبإصرارٍ غريب، اتجهت نحو الصحراء، باتجاه العاصفة.
"ليلى، إلى أين تذهبين؟" صرخت منيرة. "هذا جنون!"
"يجب أن أذهب!" أجابت ليلى، وهي تنظر إلى الأفق المتوهج. "يجب أن أعرف ما حدث لفارس!"
كانت العاصفة تقترب، تلتف حولها، وتغمرها بضوئها الغريب. بدأت تشعر بشيءٍ يسحبها، بقوةٍ لا تعرف مصدرها. لم تعد ترى الخيام، ولا ترى الرجال. كل ما رأته هو ذلك الضوء البنفسجي، وذلك الضجيج المخيف.
في وسط العاصفة، رأت ليلى شيئًا. شيئًا كأنه بوابةٌ متوهجة، تتشكل في الهواء. كانت البوابة تخرج منها أشكالٌ غريبة، كأنها ظلالٌ تتحرك. شعرت بأن هذه هي البوابة التي تحدث عنها الكتاب.
"فارس!" صرخت، وكأنها ترى شبحًا يلوح من داخل البوابة.
لم تكن متأكدة مما إذا كانت ترى فارس حقًا، أم أنها مجرد هلوسة. ولكنها شعرت بأنها يجب أن تقترب. تقدمت خطوةً أخرى، ثم أخرى.
كانت الرياح تضربها بقوة، والرمال تلسع وجهها. ولكن شيئًا ما كان يدفعها إلى الأمام، شيئًا أقوى من خوفها. شعرت بأنها تقترب من المجهول، من عالمٍ لا تعرفه.
فجأة، انفتحت البوابة بشكلٍ أوسع، وكأنها تدعوها للدخول. شعرت ليلى بقوةٍ تجذبها نحوها، بقوةٍ لا تقاوم. وبينما كانت البوابة تبتلعها، سمعت صوتًا خافتًا، كأنما يهمس في أذنها: "لقد وصلت…"