أسرار الصحراء الليلية

طقس الحقيقة المفقودة

بقلم ظافر الغيب

ارتعش الظل، متمددًا كشيطانٍ يخرج من رحم العدم. لم تكن له ملامحٌ واضحة، بل كان خليطًا من الظلام والسواد، تتخلله أحيانًا لمحاتٌ من شيءٍ ما، شيءٌ معدنيٌ لامع، كأنها عظامٌ مدببة أو مخالبٌ حادة. لم تكن ليلى لتصف ما تراه بسهولة، فقد كان الواقع يتمايل ويتمزق أمام عينيها، كستارٍ مسرحيٍ ثقيلٍ بدأ ينهار.

"لماذا أنا؟" همست، الكلمات خرجت متقطعة، كأنها تحاول أن تجد طريقها إلى الواقع. "ما الذي تريده مني؟"

لم يكن هناك ردٌ مفهوم، فقط المزيد من الهمسات، التي ارتفعت حدتها، وأصبحت أشبه بالصفير الحاد الذي يخترق الطبلة. شعرت بأن عقلها يتشوش، وأن الذاكرة تخونها. بدأت تظهر صورٌ سريعة، وجوهٌ مبهمة، أماكنٌ لم تعرفها، كأنها شرائحٌ من فيلمٍ قديمٍ مبعثر.

تذكرت نظرات والدتها العميقة، تلك النظرات التي كانت تحمل مزيجًا من الحب والقلق، وكأنها كانت تشعر بأن ابنتها تحمل قدرًا ثقيلًا. "يا ابنتي،" قالت لها في إحدى الليالي، "الشرف أغلى من الروح، والعائلة هي السند الذي لا ينكسر. مهما حدث، تمسكي بهما."

كانت تلك الكلمات، ككل كلمات العائلة، بمثابة مرساةٍ في عاصفةٍ بدأت تتشكل. أمسكت بالسيف بيدين ترتعشان، لكنهما بدأتا تكتسبان قوةً مستمدةً من تلك الذكريات. شعرت بأن قوةً ما تتدفق عبر السيف، وكأن جدها كان لا يزال يباركها من بعيد.

بدأت تشعر بوجوداتٍ أخرى، لم تكن مرئية، لكنها كانت محسوسة. أشبه ببرودةٍ تتكاثف، أو نسمةٍ تزيد من حدة الألم. شعرت بأنها محاطة، وأن الأرض تحت قدميها ليست ثابتة، بل تتخلخل.

"لست وحدكِ، يا ابنتي." سمعت صوت جدها يتردد في عمق روحها، ليس صوتًا مسموعًا، بل صوتًا يشبه الفكرة. "هناك أرواحٌ أخرى، أرواحٌ تنتظر، أرواحٌ تحمي."

نظرت حولها، وحاولت أن تستجمع قواها. لم تكن ترى شيئًا، لكنها شعرت بشيءٍ مختلف. كان هناك وجودٌ لطيف، كشمعةٍ خافتة في ليلٍ دامس، لم تكن كافيةً لإضاءة الطريق، لكنها كانت كافيةً لإعطاء بصيص أمل.

"أبي؟" همست، متسائلةً إن كانت هذه روح والدها، أم جدها، أم روحٌ أخرى مرتبطة بهذه الأرض.

رفعت السيف، واستعدت. كانت تعلم أنها أمام عدوٍ لا يمكن تصوره، عدوٌ يتغذى على الخوف والظلام. لكنها كانت تعلم أيضًا أن بداخلها قوةً لم تكن تعرفها من قبل.

في هذه اللحظة، حدث شيءٌ مفاجئ. ظهرت أمامها صورةٌ واضحة، صورةٌ لامرأةٍ ترتدي حجابًا أسود، وتضع يدها على حجرٍ غريب، حجرٍ يبدو أنه ينبض بضوءٍ خافت. كانت المرأة جميلة، لكن وجهها كان حزينًا، وكأنها تحمل هموم العالم.

"إنها أمي،" قالت ليلى بصوتٍ مبحوح، إدراكٌ مفاجئ أصابها. "لكنها... لكنها كيف؟"

كانت والدتها قد توفيت قبل سنوات. كيف يمكن أن تظهر الآن، في هذا المكان، في هذه الظروف؟ هل كانت وهمًا آخر؟ أم كانت حقًا روحًا تحاول التواصل؟

بدأت الهمسات حولها تزداد شدة، وكأنها تحاول أن تطغى على رؤيتها. شعرت بأن الظل الأقرب إليها يتجمع، يتكثف، ليبدو وكأنه على وشك الانقضاض.

"ابنتي،" سمعت صوت والدتها، صوتًا ناعمًا ولكنه يحمل قوةً لا يمكن إنكارها، "لا تخافي. أنتِ قويةٌ بما يكفي. هذا المكان يحمل أسرارًا قديمة، أسرارٌ تتعلق بعائلتنا. هناك شيءٌ يجب عليكِ أن تفهميه."

"ما هو؟" سألت ليلى، عيناها مثبتتان على صورة والدتها، بينما كانت تشعر بوجود الظل يتقدم.

"العهد،" قالت والدتها. "عهدٌ قديمٌ بين أجدادنا وهذه الأرض. هم ليسوا أعداءً، بل هم حراسٌ، لكنهم غضبوا. غضبوا لأن العهد قد كُسر."

"مَنْ كسر العهد؟"

"البشر،" أجابت والدتها، وصوتها بدأ يضعف. "لقد نسيوا. نسوا الاحترام، نسوا الشكر. استنزفوا الأرض، وأساءوا إلى ما هو مقدس."

بدأ الظل يقترب أكثر، وشعرت ليلى بأن الهواء يثقل، وأن ضغطًا شديدًا يطبق على صدرها.

"النقوش... على الجدار..." قالت والدتها بصوتٍ بالكاد مسموع، "إنها مفتاح الفهم. يجب أن تجدي الحجر... الحجر الذي يحمل توقيع الشمس."

ثم اختفت صورة والدتها. عادت ليلى إلى الواقع المرعب. الظل كان الآن على بعد خطواتٍ منها، وكان بإمكانها رؤية أطرافه تتشكل، كأنها أصابعٌ سوداء عملاقة.

"لا،" قالت لنفسها. "لن أستسلم."

رفعت السيف، وشعرت بقوةٍ جديدة، قوةٌ نابعةٌ من الفهم، ومن الإدراك. لم يكن الأمر يتعلق بالقتال فحسب، بل كان يتعلق بالتصحيح، بالاستعادة.

"عليّ أن أجد الجدار،" قالت بصوتٍ قوي، متحديةً الظلام.

بدأت تتحرك، متجهةً نحو المكان الذي تذكرته، المكان الذي فيه النقوش. لم يكن الظل ليتركها وشأنها. بدأ يطاردها، يتحرك معها، يلتف حولها كالأفعى.

"لقد أخطأنا،" صرخت ليلى، موجهةً كلامها للظلال ولأرواح الصحراء. "لقد نسينا. لكننا سنتذكر."

ارتفعت الهمسات مرةً أخرى، لكن هذه المرة، كان هناك شيءٌ مختلف في نبرتها. لم يكن غضبًا خالصًا، بل كان هناك مزيجٌ من الحزن والترقب.

"الحجر... توقيع الشمس..." كررت ليلى الكلمات، وهي تتفادى هجمةً سريعة من الظل.

لم تكن تعرف ما الذي يعنيه "توقيع الشمس"، لكنها كانت تعرف أن جدها قد ترك لها أدلة، وأن والدتها كانت تحاول مساعدتها. كانت هذه هي اللحظة الحاسمة، لحظةٌ يتكشف فيها كل شيء، لحظةٌ تتوقف عندها حياتها القديمة، وتبدأ حياةٌ جديدة، حياةٌ مليئةٌ بالأسرار والمسؤوليات.

شعر الشيخ حمدان، في مخبئه السري، بأن توازن القوى بدأ يتغير. لقد اكتشفت ليلى مفتاحًا، مفتاحًا قد يفتح باب الفهم، أو قد يفتح بابًا لم تكن مستعدةً لمواجهته. إنها الآن على وشك الدخول في قلب العاصفة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%