أسرار الصحراء الليلية
ظلال الغرام العتيق
بقلم ظافر الغيب
كانت عيون يوسف تتخبط في ظلمة الغرفة، لا تفرّق بين حقيقة الوهم وواقع الكابوس. الأرق استوطن جفونه، ومنذ زمن بعيد باتت لياليه سجناً لا ينتهي، حبساً في زنزانة الهاجس. لم يعد الصبر فضيلة، بل أصبح عبئاً ينوء بحمله، ورويداً رويداً، بدأ يرى في خياله ظلّها، يتجسد في كل زاوية، يتسلل إلى أفكاره كالحرير الأسود، ينسج حول روحه شبكة من الشوق الممزوج بالخوف.
في تلك الليلة، استيقظ على صوت خافت، كوشوشة ريح شتوية تعبر صحراء موحشة. همسٌ لم يدرِ مصدره، لكنه استقر في أعماقه كبذرة شر. "لم تنسَ... لن تنسي." كانت الكلمات بسيطة، لكنها هزت كيانه. نهض من فراشه، قلبه يخفق بقوة غريبة، كطائر أسير يحاول الفرار من قفصه. مدّ يده إلى مصباح الزيت الخافت، وضوؤه المتردد لم ينر سوى قسم ضئيل من جدران غرفته المتصدعة، جدران شهدت على همومه وأحزانه.
ارتدى ثوبه، وصلى ركعتين طلباً للسكينة، راجياً من الله أن يبعد عنه هذا الابتلاء. لكن صلاته لم تجلب له إلا المزيد من التساؤلات. هل كان ذلك صوتاً حقيقياً، أم محض هلوسة من عقله المنهك؟ ظلّ جالساً على سجادة صلاته، يتأمل بقعة ضوء تتراقص على الأرض، يرى فيها أحياناً وجهها، وأحياناً أخرى وجوهاً غريبة، وجوهاً لم يرها من قبل، لكنها بدت مألوفة بشكل مخيف.
تسلل إلى المجلس، حيث يجلس والده الشيخ سليمان، يقرأ في مصحفه تحت ضوء خافت. اقترب منه، لكنه توقف قبل أن ينطق بكلمة. لم يرد أن يزعجه، أو ربما لم يرد أن يكشف عن ضعفه. كان يعلم أن والده، برغم ورعه وتقواه، لن يفهم عمق الألم الذي يعتصر قلبه. فقد عاش حياته في طاعة مطلقة، لم يعرف للشوق المبرح معنى، ولا للشوق الممنوع سطوة.
"هل أنت بخير يا بني؟" صوت الشيخ سليمان قطع صمت الليل. كان الشيخ قد شعر بحركة ابنه، وبرغم انشغاله بالذكر، لم يغب عنه قلق ولده. "نعم يا أبي. لا شيء. فقط... بعض القلق." أجاب يوسف، محاولاً أن يبدو مطمئناً. "القلق من ماذا؟ هل هناك ما يؤرقك؟" سأل الشيخ، وأغلق مصحفه ببطء، وركز بصره الثاقب على ابنه. تردد يوسف. لم يكن يريد أن يخبره عن همسه، ولا عن وجهها الذي يطارده. "لا شيء يا أبي. ربما... مجرد هموم الحياة. أرى الدنيا ثقيلة." تنهد الشيخ سليمان. "الدنيا دار امتحان يا ولدي، وليست دار خلود. الصبر والتسليم هما سلاح المؤمن. اذكر الله كثيراً، واستعذ به من شرور نفسك. وإن كان الأمر يتعلق بفاطمة، فاستشر قلبي. فما هو خير لك، فالله دليلك."
كلمة "فاطمة" كانت كلسعة العقرب. شعر يوسف بأن جسده ينتفض. هل كان والده يشعر بشيء؟ أم أن ذنبه قد بات بادياً للعيان؟ "الأمر ليس متعلقاً بفاطمة يا أبي." قال يوسف بحدة، بدت أكثر من اللازم. لم يغضب الشيخ سليمان، بل نظر إلى ابنه بعينين مليئتين بالحكمة والحزن. "يا بني، أرى أن ثمة شيء يثقل كاهلك. لا تخف مني. بيتك هنا، وقلبي معك. لكن لا تدع هذه الهموم تستولي عليك. فليست القوة في إخفاء الألم، بل في مواجهته، بالاستعانة بالله."
خرج يوسف من المجلس، وقد زاد قلقه. هل كان عليه أن يعترف؟ أن يكشف عن تلك اللعنة التي سكنت روحه؟ تلك اللعنة التي بدأت ببريق عينيها، تلك النظرة التي لم يكن يفترض أن تلتقي بنظراته، نظرات ابنة عمته، نظرات محرمة عليه. لقد بدأت الأمور ببراءة، بنظرات عابرة في المناسبات العائلية، ثم تطورت إلى لقاءات مصادفة، تبادلنا فيها الكلمات، ثم الأحلام، ثم... لم يعد يتذكر متى بدأت الحدود تمحى.
لقد كان يعلم أن هذا الحب ممنوع. أسرة واحده، تقاليد حميدة، وعادات راسخة. بل والأهم، أن فاطمة خطبت لغيره. ابن عم آخر، رجل يحترم ويقدر، رجل لا يرى فيه أحد عيباً. لكن قلبه، ذلك القلب المتمرد، لم يستطع أن يخضع. لقد أدرك أن إدمانه لم يكن فقط على وجهها، أو على صوتها، بل على كل ما تمثله: فتنة، وعصيان، وشعور بالذنب ممتع.
عاد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه. نظر إلى المرآة، ورأى وجهه شاحباً، وعينيه غائرتين. هل كان يرى فيهما انعكاس وجهها؟ رفع يده، ولمس حافة المرآة. "إلى متى يا قلب؟ إلى متى ستبقى أسيراً؟" الليل كان يزداد سواداً، والصحراء التي تلف بيتهم كانت تبدو وكأنها تتنفس، تطلق أنفاساً باردة تزيد من توتره. سمع صوت الريح مرة أخرى، هذه المرة بدا أقرب، وكأنه يتسلل من تحت الباب. همسٌ آخر، أكثر وضوحاً هذه المرة: "ستعود... ستعودين."
وقف يوسف على شرفة غرفته، يحدق في السماء المظلمة. النجوم كانت خجولة، مختبئة خلف غيوم خفيفة. شعر بالبرد يتسلل إلى عظامه، لكنه لم يشعر به حقاً. كان قلبه يحترق. هل كان يبحث عن إجابات في النجوم؟ أم كان يحاول أن يرى فيها بصيص أمل؟ تذكر آخر مرة رأى فيها فاطمة. كانت في السوق، تتحدث مع والدتها. لم تستطع أن تخفي نظرتها الخاطفة نحوه، نظرة سرعان ما اختفت، لكنها تركت في روحه أثراً عميقاً. كانت نظرة تحمل ألماً، شوقاً، وخوفاً. خوفاً عليه، وخوفاً منها.
لقد كان يعرف أنه يسير في طريق محفوف بالمخاطر. طريق ينتهي إما بالندم، أو بالضياع. لكن إدمانه كان أقوى منه. إدمانه على ذلك الشعور، على ذلك العذاب الجميل، على الوعد الخفي الذي كان يتراقص في خياله. وعد بالحب، بالهوى، بالخلاص. لكن أي حب؟ أي خلاص؟
عاد إلى فراشه، لكن النوم لم يأتِ. استلقى، وعيناه مفتوحتان، تتأملان الظلام. صورة فاطمة كانت تطفو في خياله، واضحة كأنها أمامه. ابتسامتها الخجولة، حمرة خديها، بريق عينيها. ثم بدأت الصورة تتغير. بدأت عيناها تكتسبان لوناً غريباً، لوناً داكناً، عميقاً، كالليل الذي يلف الصحراء. لم تكن تلك فاطمة التي يعرفها. كانت شيئاً آخر، شيئاً مخيفاً، شيئاً مألوفاً بشكل غريب.
تذكر أخيراً الكلمات التي همس بها لنفسه قبل أن ينام. "إن لم أكن معها... فلن أكون مع أحد." كانت كلمة لا يمكن التراجع عنها. كلمة أصبحت شعاراً لحياته، وربما... نهايته. استدار على جنبه، وشعر بألم خفيف في صدره. لم يكن ألماً جسدياً، بل كان ألماً روحياً، ألماً ينمو ويكبر، كالنبتة الشيطانية التي لا تعرف إلا أن تتغذى على الظلام. الصحراء كانت لا تزال تتنفس، وأنفاسها تزداد برودة. وشبح الماضي، وشبح المستقبل المجهول، كانا يتصارعان في روحه، يمزقان نسيج كيانه.