أسرار الصحراء الليلية
عهد الوهم الأسود
بقلم ظافر الغيب
كانت الشمس قد بدأت رحلتها نحو المغيب، تلقي بأشعتها الذهبية على الكثبان الرملية، محولة إياها إلى أمواج من النار والسكر. داخل البيت الكبير، علت أصوات النساء، وزقزقات الأطفال، ورائحة القهوة والهيل تفوح في الأرجاء. كل شيء كان يبدو طبيعياً، هادئاً، كأي يوم آخر في هذه البادية الوادعة. لكن خلف هذا الهدوء السطحي، كانت تختبئ عاصفة.
جلست ليلى في غرفتها، تحيك بثياب قماشية، وعيناها مثبتتان على قطعة قماش خضراء. كانت غرزها دقيقة، متقنة، لكن قلبها كان مضطرباً. منذ أن رأت يوسف يتحدث إلى فاطمة في السوق قبل أيام، ولم تفارقه هذه الرؤية. لم يكن حديثاً طويلاً، مجرد كلمات عابرة، نظرات خاطفة، لكنها كانت كافية لتشعله. كانت تعلم أن هناك شيئاً بينهما، شيئاً لا يستطيع أحد أن يراه، لكنها كانت تشعر به.
كانت ليلى ابنة عمته، شابة فاتنة، ذات جمال نادر، وبشرة برونزية كشمس الصحراء، وعينين سوداوين كليل لا قمر فيه. كانت تحب يوسف منذ صغرها، حبّاً بريئاً، نقياً، حبّاً لم يجرؤ أحد أن يشكك فيه. كانت ترى فيه فارس أحلامها، بطل قصصها، وسندها في الحياة. لكنها كانت تعلم أيضاً أن قلب يوسف كان قد ذهب إلى غيرها، إلى فاطمة.
الآن، بعد أن رأت ذلك الحديث، نما في قلبها شكٌ مرعب. هل كانت مشاعر يوسف نحو فاطمة مجرد إعجاب عابر؟ أم أنها كانت أعمق من ذلك؟ أكان ذلك الحديث مجرد تبادل للأخبار؟ أم كان وراءه ما هو أكثر؟
"يا ليلى! هل أنتِ هنا؟" صوت والدتها، أم أحمد، اخترق صمت الغرفة. نهضت ليلى، وحاولت أن تبتسم. "نعم يا أمي. هنا." دخلت أم أحمد، امرأة قوية، ذات هيبة، عينها لا تخطئ شيئاً. "ماذا تفعلين؟ أتعبتِ نفسكِ بالحياكة؟" "لا يا أمي. أستريح قليلاً." قالت ليلى، تحاول أن تخفي قلقها. نظرت أم أحمد إلى قطعة القماش الخضراء. "هذه ستكون جميلة لثوب العيد. لكن وجهكِ يبدو شاحباً. هل أنتِ مريضة؟" "لا. بخير." أجابت ليلى، وبدأت تغزل بخيوط قماشية وهمية. "هل أنتِ قلقة بشأن زواج فاطمة؟" سألت أم أحمد، دون أن تتوقف عن مراقبة ابنتها. ترددت ليلى. "ولماذا أقلق يا أمي؟ هذا أمر الله." "نعم، أمر الله. ولكن أحياناً، يضعف إيماننا أمام أمور تعصف بنا." قالت أم أحمد، ثم جلست بجانب ابنتها، وأمسكت بيدها. "أعلم أنكِ تحبين يوسف. أعلم أن قلبكِ قد تعلق به. ولكن الحب وحده لا يكفي يا ابنتي. يجب أن يكون هناك قبول، وتوافق. وأنتِ، ولدتِ في بيت كريم، ولأبوين عظيمين. لا تدعي شيئاً يعكر صفو حياتكِ."
فهمت ليلى أن والدتها كانت تشعر بقلقها، وأنها كانت تحاول طمأنتها. لكن كلماتها لم تكن كافية لتجلو الغمامة التي بدأت تتشكل في عقلها. "يا أمي، هل تعتقدين أن يوسف... هل يعجب بفاطمة؟" صمتت أم أحمد قليلاً، ثم قالت: "الحب يا ابنتي، ظاهرة غريبة. قد تصيب القلوب دون استئذان. لكن القلب الذي يخشى الله، لا يتبع هواه. ويوسف، رجل يعرف قدر نفسه، ويعرف ما له وما عليه." "ولكن... رأيته يتحدث إليها." قالت ليلى بصوت خفيض. ابتسمت أم أحمد ابتسامة خفيفة، غامضة. "الحديث في حد ذاته ليس جريمة يا ليلى. قد يكون مجرد واجب، أو مجرد فضول. أما ما يدور في القلوب، فذلك أمر لا يعلمه إلا الله. ولكن، دعيني أقول لكِ شيئاً. فاطمة، وإن كانت جميلة، إلا أن قلبها لم يكن سهلاً. فيها شيء من الغموض، شيء من التحدي. ربما... ربما هذا ما جذب يوسف."
لم تفهم ليلى تماماً ما تقصده والدتها. لكنها شعرت بأن ثمة شيئاً أكبر من مجرد حب عادي. شعرت بأن هناك قوى خفية، وأسرار مدفونة. في تلك الأثناء، كان يوسف يجد نفسه في دوامة من المشاعر المتضاربة. كان يعلم أن ما يفعله خاطئ. كان يعلم أن فاطمة خطبت لرجل آخر. لكنه لم يستطع أن يقاوم. كلما حاول أن ينسى، كلما زاد شوقه. كان يرى وجهاً واحداً في كل الوجوه، ويسمع صوتاً واحداً في كل الأصوات.
لقد حاول أن يشغل نفسه. أمضى ساعات طويلة في العمل مع والده في الحقول، أو في مساعدة أمه في أعمال المنزل، أو في صحبة أصدقائه. لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل. كانت ذكراه تلاحقه كظل. كانت كلماتها تتسلل إلى أذنيه، كهمسات حورية البحر التي تجذب البحارة إلى الهلاك.
في إحدى الليالي، وبينما كان الجميع نائمين، تسلل يوسف خارج البيت. أراد أن يرى منزل فاطمة. لم يذهب قريباً، اكتفى بالوقوف على تلة بعيدة، يراقب الأضواء الخافتة المنبعثة من نوافذها. شعر بغصة في حلقه. هل كانت في غرفتها الآن؟ هل كانت تفكر فيه؟ أم أنها كانت تفكر في خطيبها؟
ثم، حدث شيء غريب. رأى ظلاً يتحرك في حديقة منزل فاطمة. ظل طويلاً، نحيلاً، يرتدي عباءة داكنة. لم يستطع أن يرى وجهه. لكنه شعر بالخوف يتسلل إليه. لم يكن الظل يتحرك بشكل طبيعي. كان يتحرك ببطء، بخفة، كشبح.
تراجع يوسف قليلاً، لكنه لم يستطع أن يبتعد. كان يشعر بشيء يجذبه، بشيء يحذره. ثم، سمع همساً خافتاً، جاء من الظل. لم يستطع أن يميز الكلمات، لكن النبرة كانت مليئة بالحقد، والشوق.
عاد يوسف إلى بيته، وقلبه يخفق بعنف. لم يعد الأمر يتعلق بحبه لفاطمة فقط. لقد شعر بوجود شر، بوجود قوة مظلمة تسكن هذه الصحراء، وهذه المنطقة. كانت هناك أسرار تتكشف، وألغاز تتراكب.
في صباح اليوم التالي، وجد يوسف نفسه في حالة يرثى لها. لم ينم، وكان جسده متعباً، وروحه منهكة. ذهب إلى الشيخ سليمان، والد فاطمة، ليقدم له المساعدة في أعمال المزرعة. كان يعرف أن هذا سيقربه منها، ويسمح له برؤيتها.
عندما وصل، وجد الشيخ سليمان واقفاً أمام مدخل المنزل، يبدو عليه الحزن والقلق. "صباح الخير يا عمي." قال يوسف. "صباح النور يا بني. لكن الصباح ليس بخير." أجاب الشيخ سليمان، وصوته كان ثقيلاً. "ماذا حدث يا عمي؟" سأل يوسف، قلبه ينقبض. "فاطمة... اختفت." قال الشيخ سليمان، وبدأ وجهه يتغير. "لم تعد إلى البيت الليلة الماضية. بحثنا عنها في كل مكان، ولكن لا أثر لها."
شعر يوسف بالصدمة. اختفت فاطمة؟ هل كان لذلك علاقة بالظل الذي رآه؟ هل كان ذلك الظل هو سبب اختفائها؟ "كيف؟ متى؟" سأل يوسف، يحاول أن يجمع شتات أفكاره. "بالأمس، بعد صلاة العشاء، ذهبت لتزور جدتها المريضة، ولم تعد. خطيبها، ناصر، جن جنونه. لقد أرسلنا الرجال للبحث عنها في كل مكان." قال الشيخ سليمان، وعيناه تدمعان.
شعر يوسف بأن عالمه قد انهار. فاطمة، حب حياته، اختفت. هل كان هذا عقاباً؟ هل كان هذا ثمن إدمانه؟ "سأذهب مع الرجال يا عمي. سأبحث عنها بكل قوتي." قال يوسف، وصوته مليء بالعزيمة. نظر إليه الشيخ سليمان بعينين شاكرتين. "جزاك الله خيراً يا بني. أنت الوحيد الذي تفهم ما تعنيه فاطمة لنا."
عاد يوسف إلى بيته، يجمع أصدقاءه، ويجهز نفسه للبحث. لم يعد الأمر يتعلق بحبه فقط، بل أصبحت حياتها في خطر. لقد أدرك أن هناك شيئاً أسوأ من قلبه المكسور، وأن إدمانه كان يلعب به لعبة شرسة، لعبة قد تكلفه كل شيء.