أسرار الصحراء الليلية

أصداء الماضي الدامي

بقلم ظافر الغيب

تجمعت فرق البحث، رجال يرتدون العمائم التقليدية، يحملون سيوفهم ورماحهم، وعيونهم مليئة بالقلق. انطلقوا مع يوسف، وكل منهم يحمل في قلبه دعاءً لفاطمة، ولمن فقدها. الصحراء، التي كانت تبدو بالأمس مجرد مساحة شاسعة من الرمال، بدت الآن وكأنها تخبئ بين كثبانها أسراراً مظلمة، وألغازاً لا حل لها.

كان يوسف يقود البحث، قلبه ينبض بقوة، ليس فقط بسبب القلق على فاطمة، بل بسبب شعور غريب بالمسؤولية. كان يعلم أن إدمانه كان يلعب دوراً في حياتها، ربما كان سبباً في اختفائها. فكرة قادته إلى الجنون، وجعلته أكثر إصراراً على إيجادها.

"هل هناك أي دليل؟ أي أثر؟" سأل يوسف أحد الرجال، وهو يسير بخطى مسرعة. "لا شيء يا يوسف. كأن الأرض ابتلعتها." أجاب الرجل، وعيناه تبحثان في الأفق. "هل خطيبها، ناصر، كان متواجداً عند جدتها؟" سأل يوسف. "لا. كان في إحدى القوافل التجارية. عاد للتو. كان في حالة يرثى لها عندما علم الخبر."

فكر يوسف في ناصر. رجل طيب، معروف بفروسيته وكرمه. كان يحبه الجميع. كيف يمكن أن يحدث هذا لفاطمة؟ بينما كانوا يبحثون، تذكر يوسف قصة قديمة سمعها من جده. قصة عن جبل صغير يقع في عمق الصحراء، يقال إنه مسكون بالأرواح الشريرة، وأن من يدخله لا يعود أبداً. كان الجبل يُعرف باسم "جبل الظلال". لم يكن يؤمن يوسف بهذه القصص الخرافية، لكن في تلك اللحظة، ومع اختفاء فاطمة، بدأت تلك القصص تكتسب معنى جديداً.

"هل سمعتم عن جبل الظلال؟" سأل يوسف بصوت خفيض. نظر إليه الرجال بدهشة. "جبل الظلال؟ نعم، سمعنا عنه. لكنه بعيد جداً، وفي منطقة خطرة. لا أحد يذهب إلى هناك." قال أحدهم. "هل يمكن أن تكون قد ذهبت إلى هناك؟" سأل يوسف. "المستحيل! هي فتاة تعرف الطريق، ولن تخاطر بالذهاب إلى مكان كهذا."

لكن يوسف شعر بأن هناك شيئاً ما يدفعه نحو ذلك الاتجاه. ربما كان ذلك خيالاً، أو ربما كان إحساساً عميقاً بأن الألغاز كلها تدور حول هذا المكان. أثناء بحثهم، وجدوا أثراً غريباً. بصمة قدم، أكبر من حجم قدم رجل عادي، وعميقة جداً في الرمال. لم يستطع أحد أن يحدد صاحبها. "هذا ليس أثراً بشرياً." قال أحد الرجال، وقد بدا الخوف على وجهه. "بل هو أثر. قد يكون لشخص قوي جداً." قال يوسف، ولكنه لم يكن مقتنعاً.

استمر البحث لساعات. الشمس كانت ترتفع في السماء، وحرارتها تلسع وجوههم. العطش بدأ ينهكهم، والقلق يزداد. في وقت الظهيرة، وبينما كانوا يستريحون تحت شجرة وحيدة، اقترب منهم شيخ عجوز، كان يعيش في كوخ صغير منعزل. كان الشيخ معروفاً بحكمته، وقدرته على قراءة الغيب. "تبحثون عن الفتاة؟" قال الشيخ، وعيناه الثاقبتان تنظران إلى السماء. "نعم يا شيخ. هل رأيت شيئاً؟" سأل يوسف، وقد أمل في العثور على جواب. "رأيت ظلاً يتحرك في الظلام. ظلاً قوياً، مخيفاً. كان يحمل شيئاً. شيئاً يشبه... فتاة." قال الشيخ، وبدا صوته مليئاً بالحزن. "أين رأيته يا شيخ؟" سأل يوسف، وقد استيقظت فيه آمال جديدة. "باتجاه جبل الظلال. لقد رأيته يتجه نحو الجبل."

شعر يوسف بالصدمة. لقد كان حدسه صحيحاً. "جبل الظلال" كان هو المفتاح. "علينا الذهاب إلى جبل الظلال." قال يوسف بحزم. نظر إليه الرجال بخوف. "لكن يا يوسف... هناك حكايات مرعبة عن هذا المكان." "حياتها في خطر. لا يمكننا أن نتركها." قال يوسف، وكانت عيناه تشتعلان بالعزيمة.

بدأ يوسف يشعر بأن إدمانه لم يكن مجرد رغبة ممنوعة، بل كان نوعاً من النبوءة. كان يشعر بأن ما يحدث لفاطمة له علاقة بما يدور في روحه. كان يشعر بأن الأرواح الشريرة التي تتحدث عنها الأساطير، كانت تسكن في داخله أيضاً.

لقد تذكر كلمات شيخه، شيخ القبيلة، الذي كان يحذره دائماً من التفكير في الممنوع. "الشهوة يا بني، نار تشتعل في الروح. إن لم توقدها بالصبر، أحرقك لهيبها." هل كان هذا هو ما يحدث الآن؟ هل كان الله يعاقبه على عشقه المحرم؟

وصلت فرق البحث إلى سفح جبل الظلال. كان الجبل مهيباً، مظلماً، وكأنه يبتلع كل نور. كانت الصخور سوداء، وأشكالها غريبة، كأنها منحوتات لشياطين. "لن أدخل هذا المكان." قال أحد الرجال، وعلامات الرعب واضحة على وجهه. "وأنا أيضاً." قال آخر. "ولكن... لقد وعدنا بالبحث." قال يوسف، محاولاً أن يجمع الباقين. "بحثنا بما فيه الكفاية. هذا المكان ليس للعيش."

شعر يوسف بالخيبة. لم يكن يتوقع هذا الضعف. لكنه فهم أيضاً. فالخوف قوة لا يستهان بها. "حسناً. سأذهب أنا. ومن أراد أن يتبعني، فليتفضل." قال يوسف، ووضع يده على سيفه.

بقي معه ثلاثة رجال فقط، أكثرهم إيماناً، وأكثرهم شجاعة. تقدموا بخطوات مترددة نحو الجبل. كل خطوة كانت كأنها رحلة في المجهول. كلما تعمقوا في الجبل، كلما ازداد الظلام، وازداد البرد. بدأت تسمع أصوات غريبة، كصرخات بعيدة، أو همسات غير مفهومة. "هل تسمعون ذلك؟" سأل أحد الرجال، وصوته يرتعش. "إنها مجرد رياح." أجاب يوسف، محاولاً أن يبدو واثقاً.

لكن لم تكن رياحاً. كانت أصواتاً تتزايد، تتكثف، كأنها أرواح تعذب. وفجأة، رأوا أمامهم كهفاً مظلماً، ينبعث منه ضوء خافت، أحمر اللون. "هذا هو. لابد أن تكون في الداخل." قال يوسف، وشعر بأن قلبه يتوقف. توقف الرجال الثلاثة خلفه. "لا يمكننا الدخول إلى هنا يا يوسف. هذا جن." "أعرف. لكنها هناك. يجب أن أدخل." قال يوسف، وهو يستعد للدخول.

تذكر حين كان صغيراً، وكيف كان جده يحكي له عن الجن. كان يحكي عنهم كائنات قادرة على التشكل، وعلى إغواء البشر. كان يحكي عنهم كائنات تسكن الأماكن المهجورة، والمظلمة. هل كان هؤلاء الجن هم من اختطفوا فاطمة؟ هل كان لهم علاقة بأفعاله، بإدمانه؟

لقد علم أن إدمانه لم يكن مجرد رغبة، بل كان باباً مفتوحاً للشر. كان باباً استغلته قوى لا يراها. دخل يوسف الكهف. الظلام كان خانقاً، والرائحة كريهة. الضوء الأحمر كان يأتي من شيء في عمق الكهف. اقترب بحذر. وفجأة، رأى شيئاً جعله يتجمد في مكانه. رأى فاطمة. كانت واقفة، لكنها لم تكن فاطمة التي يعرفها. عيناها كانت فارغة، بلا روح. وبجانبها، وقف شاب. شاب لا يعرفه. لكن وجهه كان مألوفاً بشكل مخيف. كان يشبه... يشبهه هو، لكنه كان أكبر سناً، ووجهه كان يحمل آثار تعذيب.

"من أنت؟" سأل يوسف، وصوته كان بالكاد مسموعاً. الشاب لم يجب. فقط ابتسم ابتسامة باردة، مخيفة. "لقد جئت أخيراً يا يوسف." قال الشاب، وصوته كان غريباً، عميقاً، لا يشبه صوته. "من أنت؟ وماذا فعلت بفاطمة؟" سأل يوسف، ممسكاً بسيفه. "أنا؟ أنا انعكاسك. أنا الجزء المظلم منك. أنا الماضي الذي لم تنساه." قال الشاب، ثم أشار إلى فاطمة. "وهي؟ إنها ثمن. ثمن إدمانك."

شعر يوسف بالرعب. لقد كان يواجه شبحاً من ماضيه، شبحاً تجسد في هذا الشاب الغامض. "لا يمكن أن تكون أنت." قال يوسف، وهو يشعر بأن عقله ينهار. "بل أنا. وأنا هنا لأجعلك تدفع الثمن." قال الشاب، ثم رفع يده.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%