الجن والبطل
همس الأقدار في غياهب الليل
بقلم سامر الخفي
كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة التراب الرطب بعد مطر غامض لم يعرّف مصدره. في تلك اللحظة، لم تكن السماء سوى غطاء أسود مخملي، تخترقه نقط مضيئة باردة لا تملك أي دفء. في وسط هذه الظلمة المخيفة، وقف "فارس"، الشاب الذي تجاوز عقده الثاني بقليل، يرتجف لا من البرد، بل من هول ما يعيشه. كانت يداه، اللتان اعتادتا حمل المصحف بوقار، تتشبثان الآن بقطعة خشب قديمة، أصبحت بالنسبة له عصا تتكئ عليها روحه المرتعشة.
كانت عيناه، اللتان تحملان لون الزيتون المعتق، تدوران في كل اتجاه، تبحثان عن أي علامة، أي خيط يقطع هذا الحصار من الظلام والهدوء المخيف. لم يكن الهدوء مجرد غياب للأصوات، بل كان أشبه بسكون عميق، يصم الآذان ويستفز الأعصاب. كأن الطبيعة نفسها حبست أنفاسها، تنتظر شيئاً ما، شيئاً رهيباً.
في هذا الليل البهيم، في قرية "الوادي الأخضر" الهادئة التي لم تعتد إلا على أصوات قعقعة الدواب وزقزقة العصافير مع بزوغ الفجر، كان فارس يخوض معركة لم تكن في حسبانه. لم يكن محارباً، ولا لصاً، ولا حتى جريئاً بالقدر الذي تسمح به الظروف. كان حافظاً لكتاب الله، ابناً باراً، وشاباً يبحث عن الاستقرار والسكينة. لكن القدر، هذا الماكر الخفي، كان قد نسج له خيوطاً مختلفة تماماً.
قبل ساعات قليلة، كانت حياته تسير على وتيرة هادئة، مملوءة بالعبادة، والدراسة، ومساعدة والده في حقله. كانت والدته، رحمها الله، قد تركت فراغاً كبيراً في قلبه، لكن إيمانها العميق كان زاداً يدفعه للصبر. الآن، كل ذلك بدا كحلم بعيد.
بدأت القصة عندما لاحظ والده، "الحاج سالم"، اختفاء جدته "أم عائشة" في ظروف غامضة. الجدة التي بلغت من العمر عتياً، والتي لم يكن لها قوة على الحركة إلا بمساعدة، كيف لها أن تختفي من بيتها الملاصق لبيتهم، دون أن يترك ذلك أي أثر؟ بحثوا في كل مكان، في المنزل، في الحديقة، في الأزقة الضيقة للقرية، ولكن لا أثر.
ثم جاءت الهمسات. همسات غريبة، بدأت وكأنها نداءات خافتة، تحمل في طياتها نداءات لا يفهم معناها، لكنها كانت تثير في النفوس قلقاً لم تعهده القرية من قبل. بدأ الشك يتسلل إلى القلوب، شك لم يكن في الأشخاص، بل في شيء أعمق، شيء لا يُرى بالعين المجردة.
في تلك الليلة، وبعد أن استنفد والده كل الحلول، ورأى الدموع تترقرق في عينيه، قرر فارس أن يفعل ما لم يكن يجرؤ عليه أحد. علم أن جدته كانت تخاف من "جبل الظلام"، ذلك الجبل الشاهق الذي يحيط بالقرية من جهة الغرب، والذي نسجت حوله الأساطير والحكايات عن الجن والعفاريت. لم يكن فارس مؤمناً بتلك الخرافات، لكن الخوف على جدته كان أقوى من أي شك.
ارتدى عباءته البسيطة، وأمسك بالمصباح الزيتي الذي كاد أن ينطفئ، وشق طريقه نحو حافة القرية. ترك والده وراءه، بقلب يعتصر ألماً، وعينين تفيضان بالرجاء. كانت القرية تبدو وكأنها تستيقظ من سبات قسري. الأضواء في البيوت قد انطفأت، إلا من بعض النوافذ التي كانت تبعث ضوءاً خافتاً، كأنها عيون تراقب، تخشى أن تفتح.
كل خطوة كان يخطوها، كانت تزيد من ثقل الليل وثقل روحه. صوت حفيف أوراق الشجر، الذي كان في العادة صوتاً مألوفاً، بدا الآن وكأنه تمتمات خبيثة. صوت صرصور الليل، الذي كان صدى لحياة طبيعية، أصبح كقرع طبول المعركة.
وصل إلى أطراف الجبل. كانت الظلمة هنا أشد كثافة، وكأنها حجاب رقيق يسدل على عالم آخر. لم تكن هناك نجوم مرئية، بل فقط ما يشبه دخاناً أسود كثيفاً يحجب السماء. ثم، سمع صوتاً. صوت لم يكن من أصوات الطبيعة. صوت كأنه خرير ماء، لكنه غير منتظم، متقطع، ويحمل في طياته نغمات غريبة، تشبه بكاء طفل ممزوجاً بضحكات مجنونة.
توقف فارس. تعرق جبينه بغزارة. كان قلبه يدق بعنف، يدق بقوة تصل إلى أذنيه، وكأنه يريد أن يخرج من صدره. رفع المصباح، فضيق حدقتا عينيه. أمام مدخل كهف صغير، بالكاد يظهر في ضوء المصباح الخافت، رأى ما جعله يتجمد في مكانه.
كانت هناك أشكال. أشكال تتحرك ببطء، بتمهل غريب. لم تكن بشرية، ولم تكن حيوانية. كانت أشبه بظلال متحركة، تتلوى وتتمايل كأنها قطع قماش تمسك بها رياح خفية. وعندما اقترب المصباح أكثر، أدرك أنها ليست ظلالاً، بل هي كائنات. كائنات ذات هيئة بشرية لكنها نحيلة جداً، ذات أطراف طويلة، وأعين لامعة كعيون القطط في الظلام.
لم يستطع أن يسمع صوتاً، لم يستطع أن يتنفس. كأنه سُلب كل قدراته. ثم، رأت إحدى تلك الكائنات عينيه. توقف كل شيء. توقفت الحركة، توقفت الأصوات. كل تلك الكائنات، التي كانت تتلوى في صمت رهيب، رفعت رؤوسها في اتجاهه. عيونها اللامعة، كأنها فراغات سوداء ابتلعت كل نور، كلها اتجهت نحوه.
ثم، بدأ الهمس. الهمس الذي سمعه في القرية، لكنه الآن كان أقوى، أوضح. لم تكن كلمات، بل أصوات. أصوات تحمل معنى، معنى يبدو أنه موجه له وحده. أصوات تدعوه، تريده. أصوات تحمل وعداً، وتهديداً.
"أيها الفار.. لماذا جئت؟" "أنت لست منا.. لكننا نشعر بك." "هل تبحث عن القديمة؟"
كلمة "القديمة" جعلت روحه تقفز. هل يقصدون جدته؟ هل هم من أخذوها؟ لم يستطع فارس أن يجلس صامتاً. الغريزة، أو ربما الشجاعة التي ولدتها المحنة، دفعته لشيء. رفع قطعة الخشب التي كانت بيده، وكأنها سيف.
"من أنتم؟ ماذا فعلتم بجدتي؟" صوته كان بالكاد مسموعاً، لكنه كان يحمل نبرة تحدٍ غريبة.
ضحكات. ضحكات باردة، خالية من الفرح، مليئة بالسخرية، بدأت ترتفع من تلك الكائنات. كانت ضحكات تضرب في صميم الروح، كأنها تكسرها.
"جدتك؟ آه.. القديمة. لقد تركت لنا شيئاً.. شيئاً جميلاً."
ماذا تركت؟ ماذا يعني ذلك؟ فجأة، شعر بشيء بارد يلمس قدمه. نظر إلى الأسفل، فرأى جسماً صغيراً، مغطى بالأعشاب. مد يده بتردد، فأمسك به. كانت قطعة قماش. قطعة قماش قديمة، مزينة بخيوط ذهبية باهتة. لم تكن قطعة قماش عادية. كانت جزءاً من خمار جدته.
في اللحظة التي لمس فيها الخمار، شعر بنبضة غريبة تسري في جسده. نبضة من البرد، ممزوجة بحرارة غريبة. أدرك أن هذا ليس مجرد كهف، وليس مجرد ليلة عادية. كان قد خطى إلى عالم لم يكن يتخيله، عالم الجن، حيث الأقدار تتشابك بظلمة لا يبصرها إلا القليل.
لم يكن يعلم حينها أن هذه الليلة ستكون بداية رحلة أشد قسوة، رحلة ستقوده إلى أعماق نفسه، وإلى مواجهة وحوش لا تراها الأعين، وحوش قد تكون أشد خبثاً من شياطين الجن. العالم الذي كان يعرفه قد تبخر، وبقي أمامه عالم جديد، عالم مظلم، مليء بالغموض والرعب، عالم اسمه "الجن والبطل".