الفصل 10 / 25

الجن والبطل

ظلال الماضي وتصاعد الخوف

بقلم سامر الخفي

استيقظت ليلى على وقع آيات قرآنية هامسة، كأنها تأتي من بعيد، من عالم آخر. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها لا تزال في غرفة جدتها، لكنها لم تعد تشعر بالأمان الذي اعتادت عليه. خيوط الظلام كانت تلتف حول الأثاث العتيق، وتتراقص على جدران الغرفة التي كانت يوماً ملاذها. ظلّت تستمع، ترهف السمع، لعلها تميز مصدر الصوت. لم يكن صوت والدتها وهي تقرأ القرآن، ولا صوت جدتها النائمة، بل كان لحناً غريباً، يعلو وينخفض، يحمل في طياته نغمات حزن عميق، وشوق لا يُحتمل.

نهضت من فراشها بحذر، تشعر ببرودة غريبة تسري في عظامها. تلمست عباءتها التي تركتها بجانب السرير، وارتدتها بسرعة. كانت قدماها تتجهان دون وعي نحو باب الغرفة. فتحته ببطء شديد، لتجد الممر مضاءً بضوء خافت قادم من نهاية الرواق. كان الصوت يأتي من ذلك الاتجاه. مشت بخطوات متثاقلة، وكل خطوة كانت تزيد من وطأة القلق في صدرها.

وصلت إلى نهاية الممر، حيث توجد غرفة المكتبة القديمة التي لطالما حذرتها جدتها من الاقتراب منها ليلاً. لم يكن الباب مغلقاً، بل كان موارباً قليلاً. دفعت الباب بلطف، فانفتح على مصراعيه. لم يكن نور المصباح القديم كافياً لإضاءة الغرفة بالكامل، لكنه كشف عن مشهد سيزرع الرعب في قلبها.

كانت جدتها، الشيخة فاطمة، تجلس على الأرض أمام طاولة المكتبة، ولكنها لم تكن تقرأ كتاباً، بل كانت تحمل بين يديها قطعة قماش بالية، تبدو قديمة جداً. كان وجهها شاحباً، وعيناها زائغتان، وكأنها في غيبوبة. أما الصوت، فقد كان ينبعث من قطعة القماش نفسها، لحنٌ حزين، وآهات مكتومة.

"جدتي؟" همست ليلى، وصوتها يرتعش.

لم ترد الشيخة فاطمة. استمرت في مداعبة قطعة القماش، وكأنها تتحدث معها. شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. لم ترَ جدتها هكذا من قبل. دائماً ما كانت قوية، متماسكة، تحمل نور الإيمان في عينيها.

تقدمت ليلى خطوة أخرى، لتتأمل قطعة القماش. كانت مطرزة بخيوط ذهبية باهتة، تحمل رسوماً غريبة، رموزاً لم تفهمها. اقتربت أكثر، ولفت انتباهها شيء في منتصف القماش: شكل أسد، مرسوم بطريقة فنية، لكن عينيه كانتا تحملان حزناً عميقاً.

"ما هذا يا جدتي؟" سألت ليلى مرة أخرى، محاولة أن تبدو هادئة، رغم الخوف الذي بدأ يتملكها.

رفعت الشيخة فاطمة رأسها ببطء، نظرت إلى ليلى بعينين غائمتين. "إنه… إنه ذكرى، يا ابنتي. ذكرى لأيام مضت."

"لكن… الصوت؟" سألت ليلى، مشيرة إلى قطعة القماش.

ابتسمت الشيخة فاطمة ابتسامة حزينة. "هذا ليس صوتاً، يا صغيرتي. هذا صدى. صدى لأرواح عالقة، تنتظر الرحيل."

شعرت ليلى ببرودة أكبر تسري في جسدها. "أرواح عالقة؟ ماذا تقصدين يا جدتي؟"

تنهدت الشيخة فاطمة بعمق. "هذا المكان، يا ليلى، ليس مجرد بيت. إنه يحمل أسراراً، وقصصاً، وأرواحاً تعلقت به. هذه القطعة… هي مفتاح. مفتاح لأبواب مغلقة."

لم تفهم ليلى شيئاً. هل بدأت جدتها تفقد عقلها؟ أم أن هناك شيئاً حقيقياً يحدث؟ "أبواب مغلقة؟ ما الذي تتحدثين عنه؟"

"تتحدثين عن أجداد، يا ليلى. عن ماضٍ لم نكن نعرفه، عن كائنات لم نؤمن بوجودها. هؤلاء الذين يتحدثون… هم خدم للجن. خدم لإبليس."

صُدمت ليلى. ذكر الجن في منزلهم؟ في هذا البيت الذي تربت فيه على ذكر الله وطاعته؟ "الجن؟ كيف ذلك؟"

"هذه القطعة، يا ابنتي، كانت ملكاً لساحر قديم، عاش في هذه الديار قبل قرون. كان يستحضر الأرواح، ويتعامل معهم. وقد دسّ في هذه القطعة تعويذات، ليبقي تلك الأرواح حبيسة، تحت إمرته."

"وهل… هل هذه الأرواح خرجت الآن؟" سألت ليلى، والخوف يزداد في قلبها.

"لقد بدأت. بدأت تتأثر بقوة الشر التي بدأت تعود إلى هذه البلاد. قوى مظلمة تتجمع، تحاول أن تستعيد ما فقدته. وهم… هؤلاء الذين يئنون في هذه القطعة… هم ضحايا لهذا السحر. هم أرواح تعذبت، وتبحث عن خلاص."

شعرت ليلى بأن دمها يتجمد. لم تكن مجرد قصة مخيفة، بل كانت حقيقة مرعبة بدأت تتكشف أمامها. "وهل… هل يمكن أن يؤذونا؟"

"هذا هو الخطر، يا ليلى. هذه الأرواح، حين تتأثر بقوى الظلام، قد تتحول إلى شر. وقد يبدأ تأثيرها على عالمنا."

شعرت ليلى بأنها تقف على حافة هاوية. لم تعد تعرف ما الذي يجب أن تفعله. جدتها، التي كانت مصدر قوتها، تبدو الآن وكأنها تحمل عبئاً ثقيلاً، ورؤى لا قبل لها بها.

"ولماذا… لماذا لم تخبريني من قبل؟" سألت ليلى، بصوت بالكاد مسموع.

"كنت صغيرة، يا ابنتي. وكنت أحميك. لكن الأوان قد حان الآن. هذه الظلال تشتد، وهذه الأرواح تئن. علينا أن نفعل شيئاً."

"وما الذي يمكننا أن نفعله؟" سألت ليلى، تتطلع إلى جدتها بعينين مليئتين بالأمل والخوف.

نظرت الشيخة فاطمة إلى قطعة القماش، ثم إلى ليلى. "علينا أن نجد طريقة لتحرير هذه الأرواح. أن نكشف عن هذا السحر، ونبطل مفعوله. وهذا يتطلب منا أن ندخل إلى عالم الظلال، وأن نواجه ما لم نكن نتوقعه."

كانت كلمات جدتها كالصاعقة. عالم الظلال؟ مواجهة ما لم تتوقعه؟ شعرت ليلى بأن كل ما تعرفه عن الحياة قد اهتز. لم تكن تدري أن هذه البلاد، وهذا البيت، يحملان في طياتهما مثل هذه الأسرار المظلمة.

"لكن… كيف؟"

"القرآن الكريم هو نورنا، يا ليلى. ودعاؤنا سلاحنا. وسنحتاج إلى مساعدة. إلى شخص يؤمن بما نؤمن به، ويستطيع أن يفهم ما لا نستطيع فهمه."

فكرت ليلى في يوسف. شاب خجول، لكنه ذو قلب طيب، ويحمل علماً نافعاً. هل يمكن أن يكون هو الشخص الذي تبحث عنه جدتها؟

"هل… هل تقصدين يوسف؟" سألت ليلى.

ابتسمت الشيخة فاطمة ابتسامة خفيفة، فيها أمل. "نعم، يا ابنتي. يوسف. لديه بصيرة. ولديه قلب نقي. وقد تكون الأرواح تتحدث إليه أيضاً، ولو بشكل مختلف."

كانت ليلى تشعر بالبرد يتسلل إلى قلبها، ليس من الهواء، بل من كمية الحقائق المخيفة التي بدأت تتكشف. لم تعد هذه مجرد حكاية رعب، بل أصبحت صراعاً حقيقياً، صراعاً بين الخير والشر، بين النور والظلام، صراعٌ قد يغير حياتها إلى الأبد.

نظرت جدتها إلى عينيها، ورأت فيها مزيجاً من الخوف والعزم. "لا تخافي يا ابنتي. نحن مع الله، والله معنا."

لكن ليلى شعرت بأن الظلال التي كانت تتراقص على الجدران لم تعد مجرد ظلال. كانت تنبض بالحياة، وتراقبها. وفهمت في تلك اللحظة، أن ليلها قد أصبح أطول، وأن رحلتها قد بدأت للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%