الجن والبطل
دعاء الروح ونداء الظلام
بقلم سامر الخفي
عادت ليلى إلى غرفتها بعد تلك الليلة الطويلة في المكتبة، لكن النوم لم يزرها. ظلت تراودها صور الرموز الغريبة، وهمسات الكلمات القديمة، وشعور بثقل الروح المعذبة. كانت تعلم أن الطريق أمامها لن يكون سهلاً، وأن ما بدأته قد يكون أكبر مما تتصور.
في الصباح، بدأت ليلى تشعر بتغير في محيطها. كانت الظلال في غرفتها تبدو أعمق، وأكثر كثافة. وعندما كانت تنظر في المرآة، كانت ترى أحياناً وجوهاً غريبة، تختفي بسرعة. لم تكن متأكدة مما إذا كانت هذه هلوسات، أم شيئاً أكثر واقعية.
ذهبت ليلى إلى جدتها، فوجدتها تجلس بهدوء، تقرأ في كتاب قديم.
"صباح الخير يا جدتي." قالت ليلى.
"صباح النور والرضوان، يا ابنتي. كيف حالك؟" سألت الشيخة فاطمة.
"لا أعرف تماماً. أشعر بالخوف، ولكن أيضاً بنوع من الإصرار."
"هذا طبيعي. لقد فتحنا باباً، يا ليلى. وباب كهذا، لا يفتح إلا لدفع ثمن. ثمنه قد يكون الخوف، وقد يكون الكثير."
"هل وجدتِ شيئاً في الكتاب؟" سألت ليلى.
"نعم. وجدت ذكراً لطقوس معينة، تستخدم لفك سحر الارتباط. تبدو هذه التعويذة التي رأيناها، مرتبطة بشكل وثيق بالدم. والطقوس التي تستخدم لفكها، تتطلب استخدام الماء المعالج بالقرآن، مع أدعية خاصة، وطلب الرحمة من الله."
"وهل يمكننا تطبيق هذه الطقوس؟"
"يمكننا المحاولة. لكن يجب أن نكون مستعدين. هذه الأرواح، إذا كانت حبيسة بهذه الطريقة، فإنها قد تكون مرتبطة بشيء مظلم. وقد لا ترغب في التحرر بسهولة."
في تلك الأثناء، وصل يوسف. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان تعباً ظاهراً.
"السلام عليكم." قال. "لقد قضيت الليلة أبحث في الكتب. ووجدت أمراً مقلقاً."
"ما هو؟" سألت الشيخة فاطمة.
"الساحر الذي قام بهذا السحر، لم يكن ساحراً عادياً. كان اسمه 'مالك الشياطين'. وهو مشهور باستخدامه للدم، ولقدرته على ربط الأرواح بالكائنات الشيطانية."
صُدمت ليلى. "كائنات شيطانية؟"
"نعم. يبدو أنه كان يبيع أرواح ضحاياه للشياطين، مقابل قوتهم. وهذه القطعة، ليست مجرد سجن، بل هي أيضاً عقد."
"عقد؟" سألت ليلى، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
"نعم. عقد بين مالك الشياطين، وبين تلك الكائنات. وعقد بين تلك الكائنات، وبين الأرواح المحبوسة. وهذا العقد، يحتاج إلى كسر."
"وهل يمكننا كسره؟" سألت الشيخة فاطمة.
"يمكننا بالتأكيد المحاولة. سورة البقرة، وآية الكرسي، والمعوذتان… هي حصننا. لكن علينا أن نكون أقوياء، وأن نثق بالله. وأن نحاول أن ندعو الله بقلوبنا."
"وماذا عن الأرواح؟ هل سمعت شيئاً منها؟" سألت الشيخة فاطمة.
"نعم. بدأت أشعر بها. إنها تستنجد. تبكي. لكنها أيضاً… خائفة. لأنها تعرف أن هناك شيئاً ينتظرها إذا تحررت."
"من هو هذا الشيء؟" سألت ليلى.
"الذي قام بهذا السحر، غالباً ما يكون لديه 'حراس'. كائنات شيطانية، تحمي هذه الأرواح، وتمنعها من الهرب."
"وهل سنواجه هؤلاء الحراس؟" سألت ليلى، والخوف يتزايد في قلبها.
"إذا سمح الله، سنواجههم. المهم الآن هو أن نبدأ بعملية التحرير. سنذهب إلى المكتبة مرة أخرى. وسنقوم ببعض الطقوس. وطقوسنا ستكون عبارة عن تلاوة القرآن، والدعاء، والتوكل على الله."
"وما هي الأدعية المحددة؟" سألت الشيخة فاطمة.
"لقد بحثت عنها. هناك دعاء مأثور، يطلب من الله العون في كسر سحر الساحرين، ورد كيدهم في نحورهم. وسندعو الله أن يحرر هذه الأرواح، وأن يمنحها السلام."
في تلك الليلة، ذهبوا إلى المكتبة. كانت الأجواء مشحونة أكثر من أي وقت مضى. شعر يوسف بأن قوة مظلمة بدأت تحيط بالمكان.
"الجو ثقيل للغاية." قال يوسف. "علينا أن نبدأ فوراً."
بدأوا بتلاوة سورة البقرة بصوت جماعي. شعروا بأن القرآن الكريم يولد هالة من النور، تطرد الظلام. ثم قرأ يوسف الدعاء الذي وجده: "اللهم إني أسألك بعظيم قدرتك، وأنك على كل شيء قدير، أن تكسر سحر الساحرين، وأن ترد كيدهم في نحورهم، وأن تخرج من تحت أقدامهم، وأن تجعل تدبيرهم في تدميرهم، وأن ترفع عن عبادك المسلمين شرهم."
عندما وصلوا إلى هذا الدعاء، شعروا بأن قطعة القماش قد اهتزت. خرجت منها آهات أشد، ممزوجة بشيء من الصراخ.
"إنهم يتألمون!" قالت ليلى. "لكنهم أيضاً… يبدون غاضبين."
"هذا لأنهم شعروا بأن شيئاً ما قد بدأ يتغير." قال يوسف. "السحر بدأ يضعف."
ثم بدأت الشيخة فاطمة في تلاوة آيات من القرآن، آيات عن الشفاء، وعن العون من الله، وعن رحمة الله الواسعة. ومع كل آية، كانت تشعر ليلى بأنها أقرب إلى تلك الأرواح، وأنها تفهم معاناتها أكثر.
في لحظة ما، شعرت ليلى بأنها تسمع صوتاً واضحاً، يخترق الضجيج. كان صوتاً لامرأة، مليئاً بالحزن. "من أنتم؟"
"نحن أناس يريدون مساعدتكم." قالت ليلى، بصوت يرتعش. "نريد تحريركم."
"التحرير… هذا ما نتمنى. لكن… هناك حراس. حراس يمنعوننا. حراس الظلام."
"من هم هؤلاء الحراس؟" سألت ليلى.
"إنهم… إنهم كائنات من عالم آخر. يخافوننا، ويخافون كل نور."
"لا تخافوا. نحن مع الله، والله معنا. وسنستعين بالله ليحمينا من هؤلاء الحراس." قالت الشيخة فاطمة.
بدأ يوسف في تلاوة آيات عن الشياطين، وكيف أن الله يهزمهم. ومع كل آية، كانت تشعر ليلى بأن قوة الشر تتراجع.
وفجأة، سمعوا صوتاً عميقاً، يخرج من زاوية الغرفة. صوت رجولي، يملؤه الغضب. "من يجرؤ على التدخل؟"
شعر يوسف بأن دمه يتجمد. لم يكن هذا صوت إنسان. كان صوتاً يخترق الأذن، ويهز الجسد.
"هذا هو الحارس!" صاح يوسف. "لقد شعر بتأثيرنا."
"أيها الغريب،" قال الصوت، "هذه الأرواح ملك لي. لن اسمح لك بتحريرها