الجن والبطل
أصداء الماضي ووشوشات الجن
بقلم سامر الخفي
تتسلل أشعة الشمس الخجولة عبر نوافذ بيت الحاج محمود، ترسم خطوطاً ذهبية على السجاد العتيق. اجتمع الأهل على مائدة الفطور، لكن الصمت كان يخيم على المجلس، صمت ثقيل أثقلته هموم الأمس. وضعت أميرة صحن التمر أمام جدتها، عينيها تتوارى خلف حجب من القلق. الأنباء التي وردت بالأمس عن اختفاء الأطفال في القرية المجاورة كانت كالصاعقة، تذكرهم بتلك الأيام العصيبة التي مروا بها.
"هل سمعتم شيئاً جديداً يا جدي؟" سألت أميرة بصوت خفيض، وهي تنظر إلى وجه الحاج محمود الذي بدا شاحباً أكثر من المعتاد.
أجاب الحاج محمود وهو يتناول تمرة ببطء: "الشيخ سالم أرسل رجاله للبحث، ولكن لم يعد هناك أي أثر. يبدو أن الأمر أكبر مما توقعنا."
كانت فاطمة، أخت أميرة الصغرى، تجلس في زاوية الغرفة، تستمع بانتباه. كانت أذناها الملتهبتان لا تلتقطان إلا خيوط القلق المتشابكة في أحاديث الكبار. طفولتها البريئة كانت قد ارتدت قناعاً من الخوف منذ تلك الليلة المشؤومة التي تلاشت فيها ضحكات أطفال القرية.
على الجانب الآخر من المدينة، كان رائد، الشاب ذو الشيبة المبكرة التي خطت جبهته، يحدق في خريطة قديمة للمنطقة. كان مكتبه المليء بالكتب والمخطوطات يعج بروائح الورق القديم والحبر. كان يبحث عن أي خيط يقوده إلى تفسير هذه الظواهر الغريبة. منذ وفاة والده، وهو يشعر بثقل مسؤولية حماية أهله وقريته. لكن هذه المرة، كان الخطر يبدو أكثر غموضاً ورعباً.
"لا بد أن هناك تفسيراً منطقياً لهذا كله،" تمتم رائد لنفسه، وهو يمرر إصبعه على خطوط نهر قديم على الخريطة. "الجن لا يتحركون عبثاً، ولا يختطفون الأطفال دون سبب."
تذكر كلمات جده، العالم الصوفي الذي قضى حياته يدرس الكتب المنسية: "عندما يعصف الشر، تتقاطع عوالم، وتستيقظ قوى خفية." هل كان هذا يعني أن الجن قد عادوا؟
"هل أنت متأكد من هذا؟" سأل رائد بصوت مفاجئ، مخاطباً رجلاً كان يقف في الظل، يرتدي ملابس داكنة. كان هذا الرجل، واسمه "ظل"، أحد أتباع جده القدامى، وكان على دراية كبيرة بالأمور الغامضة.
أجاب ظل بصوت أجش: "أجدادنا كانوا يتحدثون عن أبواب تفتح عندما تضعف حبال الإيمان، أو عندما يزداد الظلم. هذه الظواهر تشبه ما ورد في السجلات القديمة."
"ولكن لماذا الأطفال؟" تساءل رائد، واليأس بدأ ينهش قلبه. "لماذا الآن؟"
"ربما يبحثون عن شيء. أو ربما يدفعهم أحد. هناك قوى في هذا العالم، يا رائد، ليست من صنع البشر."
انتقل رائد ببصره إلى صورة معلقة على الحائط، صورة لوالدته التي رحلت قبل سنوات. كان وجهها يبدو مليئاً بالسكينة، لكن رائد كان يعلم أنها كانت تحمل سراً، سراً أخفته عنه لحمايته. هل لهذا السر علاقة بما يحدث الآن؟
في تلك الأثناء، كانت أميرة تشعر بضيق في صدرها. كانت تحلم بشكل متكرر بنفس المكان، مكان مظلم ورطب، تسمع فيه أصوات بكاء خافتة. كانت تخاف أن تكون هذه الأحلام نذيراً شؤماً.
"لقد رأيت شيئاً غريباً الليلة الماضية،" قالت أميرة لفاطمة، وهي تلعب بشعرها. "كنت أقف على حافة غابة، ورأيت أشكالاً تتحرك بين الأشجار، كانت عيونها تلمع في الظلام."
ارتعشت فاطمة خوفاً، لكنها حاولت أن تبدو قوية. "لا تخافي يا أميرة، إنه مجرد كابوس."
"لكنني لم أشعر أنه مجرد كابوس. شعرت بالبرودة، وبرائحة غريبة، كأنها رائحة تراب مبلل و... لا أعرف، شيء قديم."
كان الحاج محمود يسمع حديثهما من بعيد. كان يعرف أن ابنته لديها قدرات خاصة، قدرات ورثتها عن جدتها. كان قلقاً عليها، لكنه كان يعلم أيضاً أن هذه القدرات قد تكون مفتاحاً لفهم ما يحدث.
"علينا أن نتصرف،" قال الحاج محمود بصوت حازم، متجهاً إلى رائد. "لم يعد بإمكاننا الانتظار. يجب أن نجمع المعلومات، ونحاول العثور على طريقة لمواجهة هذا الخطر."
"لقد بدأت بالفعل يا جدي. ظل لديه بعض المعلومات من سجلات جدي، وسنذهب إلى المناطق التي وردت فيها تقارير عن اختفاء الأطفال. ربما نجد هناك بعض الأدلة."
"كن حذراً يا بني. هذه الأمور ليست كأي شيء واجهناه من قبل."
ابتسم رائد ابتسامة باهتة. "سأكون حذراً يا جدي. لكن لا يمكنني أن أقف مكتوف الأيدي بينما يختفي أطفال قريتنا."
في الليل، وبينما كان الجميع يغط في نوم عميق، استيقظت أميرة فجأة. شعرت بوجود غريب في الغرفة. كانت الأضواء الخافتة المنبعثة من القمر ترسم ظلالاً متحركة على الجدران. سمعت همساً خفيفاً، كأنه يتلو كلمات بلغة غريبة.
"من هناك؟" سألت أميرة بصوت مرتجف.
لم يكن هناك رد. لكن الهمس استمر، بدا أقرب الآن، كأنه قادم من داخل الغرفة نفسها. شعرت ببرودة مفاجئة تلف جسدها. حاولت أن تصرخ، لكن صوتها خانها.
في تلك اللحظة، لمحَت شكلاً داكناً يقف عند زاوية الغرفة، شكله غامض، يكاد يكون شفافاً. لم تستطع رؤية ملامحه بوضوح، لكنها شعرت بنظراته الثاقبة تخترقها. تجمدت في مكانها، قلبها يدق بعنف كطائر محبوس.
"لا تخافي،" سمعت صوتاً هامساً، لكنه لم يكن صوتاً عادياً. كان كأنما يتسلل إلى عقلها مباشرة. "نحن هنا من أجل... "
اختفى الشكل فجأة، وعاد الهمس ليصبح مجرد وشوشة بعيدة. بقيت أميرة مستيقظة حتى الصباح، ترتجف من الخوف، وقلبها يمتلئ بأسئلة لا تجد لها إجابات. هل ما رأته كان مجرد هلوسة، أم أن أصداء الجن بدأت تداعب حواسها؟