الجن والبطل
ريح الشر ونداء الروح
بقلم سامر الخفي
استيقظ رائد مع أولى خيوط الفجر، وشعر بقلبه يخفق بقوة. لم يكن هذا خفقاناً عادياً، بل كان خفقاناً ممزوجاً بالترقب والرهبة. ارتدى ملابسه، وتوجه إلى ساحة البيت، حيث كان ينتظره ظل وبعض الرجال الأقوياء الذين اختارهم الحاج محمود. كان الجو بارداً، والرطوبة تنبعث من الأرض، كأنها تتنبأ بقدوم خطر.
"هل أنت مستعد؟" سأل ظل، وهو ينظر إلى رائد بعينيه الثاقبتين.
"مستعد. هل لدينا كل ما نحتاجه؟"
"لقد أحضرنا بعض الأدوات، وبعض الأعشاب التي وصفها جدي لصد الأرواح الشريرة. ولكن الأهم هو قوتنا الداخلية، وإيماننا."
"وأميرة؟" سأل رائد. "هل استيقظت؟"
"لا زالت نائمة. يبدو أنها مرهقة. ليلة أمس كانت صعبة عليها."
"يجب أن نوقظها برفق. لا نريد أن نزيد من قلقها."
عندما دخل رائد إلى غرفة أميرة، وجدها جالسة على فراشها، تحدق في الفراغ. كانت عيناها تحملان حزناً عميقاً، ولكن أيضاً وهجاً من العزيمة.
"هل أنت بخير؟" سأل رائد، وجلس بجانبها.
"أنا بخير،" قالت أميرة بصوت خفيض. "لكنني رأيت شيئاً الليلة الماضية. شيئاً مختلفاً."
"ماذا رأيت؟"
"رأيت مكاناً، ليس كالمكان الذي وصفته سابقاً. كان مكاناً واسعاً، كأنه صحراء سوداء. وفي وسطها، كانت هناك بوابة عظيمة، مصنوعة من دخان أسود متكتل. وكانت البوابة تومض، وتصدر أصواتاً مرعبة. وكأنها تنادي على شيء ما، أو تستدعي شيئاً."
"بوابة؟" قال رائد، وقلبه يشتعل قلقاً. "هل رأيت ما الذي كانت تستدعيه؟"
"لم أره بوضوح. لكنني شعرت بأنها قوة شريرة، قوة قديمة جداً. وكان هناك شعور بأن هذه البوابة تفتح، وأن شيئاً ما على وشك أن يخرج منها."
"هذا يبدو كأنهم يخططون لاستدعاء كائن شرير، أو فتح بوابة للعالم السفلي،" قال ظل، الذي كان يقف عند الباب، وقد سمع جزءاً من حديث أميرة. "وهذا يتطلب طاقة هائلة. ربما هذا هو سبب اختطاف الأطفال. لجمع هذه الطاقة."
"وكيف نوقفهم؟" سأل رائد. "كيف نغلق هذه البوابة؟"
"الأساطير القديمة تقول أن البوابات الشريرة يمكن إغلاقها بقوة معاكسة. قوة إيجابية، قوية جداً. قوة تأتي من الإيمان، ومن التضحية."
"التضحية؟" تساءل رائد.
"نعم. تضحية بالنفس، أو تضحية بشيء غالٍ. ولكن الأهم هو أن تكون هذه التضحية صادقة، ومن أجل الخير."
"لا يمكننا أن نسمح لهم بنجاح خطتهم،" قال رائد، وعيناه تلمعان. "سوف نذهب إلى وادي الأفاعي. وسنرى ما يمكننا فعله."
"سأذهب معكم،" قالت أميرة. "يجب أن أذهب."
"لا،" قال رائد. "خطر كبير عليكِ. ما رأيته يخبرني بأن هذا المكان سيكون مليئاً بالخطر."
"ولكنني الوحيدة التي قد ترى ما يحدث، أو تشعر به. أنا جزء من هذا، ولا يمكنني أن أبقى هنا."
نظر رائد إلى عينيها، ورأى فيهما تصميماً لا يلين. "حسناً. ولكنك ستبقين بجواري. ولن تخرجي عن نطاق بصري."
تحركت المجموعة نحو وادي الأفاعي. كانت الرحلة طويلة وشاقة. كلما اقتربوا من الوادي، أصبحت الأجواء أكثر قتامة، والهواء أثقل. بدأت أصوات غريبة تتردد في الآفاق، كأنها نداءات من عالم آخر.
عند وصولهم إلى مدخل الوادي، شعروا ببرودة شديدة، كأنهم دخلوا عالماً آخر. كانت الأشجار هناك ملتفة حول نفسها، وأغصانها متدلية كأذرع شيطانية. الأرض كانت تغطيها أوراق متعفنة، ورائحة كريهة تنبعث من كل مكان.
"يبدو أننا وصلنا،" قال ظل، وهو يشير إلى علامة على صخرة كبيرة، نفس العلامة التي كانت على خريطة جده. "هنا يبدأ كل شيء."
"أشعر بوجودهم،" قالت أميرة، وهي تمسك بذراع رائد. "إنهم قريبون."
"ابقوا متيقظين،" قال رائد، وهو يسحب سيفه. "ربما لا نكون وحدنا هنا."
بدأوا يسيرون في الوادي، وظل يقودهم، مشيراً إلى اتجاهات معينة. كل خطوة كانوا يخطونها كانت تزيد من التوتر. سمعوا أصوات همسات، وأصوات ضحكات خافتة، كأنها تتلاعب بعقولهم.
"هل تسمعون؟" سأل رائد. "تبدو كأنها أصوات أطفال."
"لا تنخدعوا،" قال ظل. "هذه مجرد خدعة. هم يحاولون كسر إرادتنا."
فجأة، ظهرت أمامهم أشكال داكنة، تتمايل في الظلام. لم تكن واضحة الملامح، لكنهم شعروا بأنها تنظر إليهم بنظرات حاقدة.
"إنهم الجن،" قال ظل. "لا تلتفتوا إليهم. استمروا في السير."
حاول رائد ورفاقه تجاهل الأشكال، لكنها بدأت تقترب، وتصدر أصواتاً مخيفة. بدأت بعض الأشكال تهاجم، تحاول لمسهم، وإحداث خوف في قلوبهم.
"اقتحموا الصفوف!" صرخ رائد، وهو يرفع سيفه.
اشتبك الرجال مع الأشكال، بينما وقف رائد وظل بجانب أميرة، يحاولون حمايتها. كانت أميرة تشعر بالطاقة تتصاعد حولهم، طاقة الظلام تتمدد.
"يجب أن نصل إلى مركز هذا الوادي،" قال ظل. "هناك مركز هذه الطاقة."
واصلوا المسير، وخلال هذا الاشتباك، لمح رائد شيئاً لامعاً بين الصخور. كانت قطعة معدنية، مزينة بنقوش غريبة. "ما هذا؟" سأل، وهو يلتقطها.
"هذه ربما تكون قطعة من البوابة التي رأتها أميرة،" قال ظل. "دعنا نأخذها."
بينما كانوا يواصلون مسيرهم، ومع كل خطوة، كانت أصوات الهمسات تزداد قوة، وأصبحت كأنها تتلو أسماءهم. "رائد... أميرة... ظل..."
"إنهم يعرفون أسماءنا!" قالت أميرة، وقد ارتسم الخوف على وجهها.
"لا تدع هذا يخيفك،" قال رائد. "إنهم يحاولون إضعافك. تذكري قوة الإيمان."
وصلوا أخيراً إلى نهاية الوادي. كان هناك كهف مظلم، تنبعث منه رائحة قوية من الكبريت. وكان صوت البكاء، الذي سمعته أميرة في أحلامها، قادماً من داخل الكهف.
"هذا هو المكان،" قال ظل، بلهجة جدية. "هنا يحدث كل شيء."
"هل تعتقدون أن الأطفال ما زالوا هنا؟" سأل رائد.
"ربما. أو ربما تم أخذ طاقتهم بالكامل. ولكن علينا الدخول."
قبل أن يدخلوا، شعروا بريح قوية تهب عليهم، ريح باردة، وكأنها تحمل صرخات من عالم آخر. كانت هذه ريح الشر، تتنبأ بالمعركة القادمة.
"هذه النهاية،" قال ظل. "إما أن ننتصر، أو أن نغرق في الظلام."