الفصل 18 / 25

الجن والبطل

همسات الليل العتيق

بقلم سامر الخفي

استمرت ليلة وليست ككل الليالي. كانت السماء ملبدة بالغيوم، كسحابة سوداء تغطي وجه القمر، وتلقي بظلال موحشة على القرية الصغيرة التي بدت وكأنها حبست أنفاسها. في بيت الحاج محمود، كان القلق قد استوطن كل زاوية، ونثر ثماره المرة في قلوب سكانه. لم يعد أحمد تلك الروح المرحة التي كانت تملأ المكان بهجة، فقد صار شبحاً يتجول بين الغرف، وعيناه تحملان تعباً لم تعهدهما من قبل. كانت زينب، أخته، تجلس بجواره، تمسح على جبينه المتعرق، وتتمتم بآيات من القرآن الكريم، راجيةً في شفائه.

"يا أحمد، أرجوك، استمع إلى صوتي. هذه مجرد أوهام، وساوس شيطان. استعن بالله، فهو الشافي المعافي."

لكن أحمد كان يلتفت بعينين زجاجيتين، وكأنه يرى شيئاً لا تراه هي. "لا يا زينب. إنها ليست أوهاماً. إنها هنا. أسمعها. تهمس باسمي. تقول أشياء... أشياء فظيعة."

ارتعشت زينب، وتضايقت أكثر. كان مرض أخيها أشبه بلوحة فنية سوداء، تتشكل فيها أشكال مرعبة، وتتغير ألوانها كل لحظة. لقد استنفدوا كل الوسائل المتاحة، من الأعشاب التقليدية إلى استدعاء شيخ القرية، الذي قرأ عليه الرقية الشرعية، لكن دون جدوى. بدا وكأن القوة التي ألمت بأحمد قد تجاوزت حدود الفهم البشري.

في تلك الليلة، بينما كانت القرية تغط في نوم عميق، استيقظ الحاج محمود على صوت غريب قادم من مخزن الحبوب القديم، الذي لم يعد يستخدم منذ سنوات. صوت يشبه حفيف أجنحة خفيفة، ممزوجاً بوشوشة غير مفهومة. شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري. رغم خوفه، دفعه إحساس أبوي بالمسؤولية إلى النهوض. ارتدى ثوبه، وحمل مصباح زيت خفيف، واتجه بخطوات مترددة نحو المخزن.

عندما وصل إلى الباب الخشبي القديم، الذي تفوح منه رائحة الغبار والعفن، توقف. كان الصوت قد ازداد وضوحاً، وأصبح أكثر إلحاحاً. همسات، تتراقص في أذنه، وكأنها تخاطبه بلغة قديمة، لغة لم يسمعها من قبل. فتح الباب ببطء، وانسل الضوء الخافت من المصباح إلى الداخل، كاشفاً عن ظلام دامس، مليء بالغبار والخيوط العنكبوتية.

لم يكن في المخزن شيء سوى أكوام من أكياس الحبوب القديمة، وصناديق خشبية مهملة. لكن الصوت كان لا يزال موجوداً، أقرب الآن، وكأنه يخرج من قلب الظلام. اقترب الحاج محمود بحذر، يسلط ضوء المصباح على كل زاوية. وفجأة، لمع شيء ما في أحد الأركان، شيء لامع، معدني.

انحنى ليراه بوضوح. كانت قطعة معدنية قديمة، مزخرفة بنقوش غريبة، تبدو وكأنها جزء من سيف أو خنجر. وبينما كان يتفحصها، شعر وكأن طاقة غريبة تنبعث منها، طاقة باردة، تخترق جسده. وفي تلك اللحظة، سمع صوتاً آخر، هذا المرة ليس همساً، بل كلمة واضحة، صادرة من أعماق مخزنه. كلمة نطقها بصوت أجش، لم يكن صوت إنسان.

"أنت... تملك... ما... نريد."

ارتعش الحاج محمود، وأفلت المصباح من يده، ليسقط على الأرض ويخمد ضوءه. غرق المخزن في ظلام مطبق. شعر بوجود شيء آخر معه في المكان، شيء ثقيل، حاقد. حاول أن يصرخ، لكن صوته كان مختنقاً. شعر بنسمة هواء باردة، تخترق ملابسه، وتلامس جلده. ثم، شعر بشيء يلتف حول قدمه، وكأنه خيط غامض، يسحبه إلى الأسفل.

في الغرفة المجاورة، استيقظت ليلى على صراخ الحاج محمود المكتوم. قفزت من سريرها، ونادت والدها، لكن لم يأتِ رد. ركضت باتجاه غرفة أحمد، ورأت زينب جالسة بجانبه، وقد انتفخ وجهها من البكاء.

"أبي! أين أبي؟ سمعت صوته!"

لم تستطع زينب الكلام، فقط أشارت برأسها نحو باب المخزن. ركضت ليلى، وقلبها يخفق بقوة، باتجاه الباب. كانت زينب تتبعها، وهي تصرخ: "انتظري يا ليلى! لا تذهبي وحدك!"

وصلت ليلى إلى المخزن، ورأت الباب مفتوحاً على مصراعيه. دخلت، تتبعها زينب. الظلام كان كثيفاً، ولم يكن هناك سوى أصوات أنفاسهن المتسارعة، وهمهمة ضعيفة قادمة من عمق الظلام.

"أبي! أين أنت؟" نادت ليلى بصوت مرتعش.

رد صوت ضعيف، بالكاد مسموع: "ليلى... ابنتي... ابتعدي..."

لم يكن ذلك صوت والدها. كان صوتاً غريباً، ممزوجاً بالألم والخوف. ثم، سمعتا صوت حفيف آخر، أقرب هذه المرة، وصوت شيء ما يتحرك بين الأكياس. فجأة، لمع ضوء ضعيف، من مصدر غير مرئي، كاشفاً عن شيء يزحف ببطء في الظلام، شكل غامض، لا يمكن تمييزه بوضوح، لكنه كان يثير الرعب في النفس.

كانت ليلى تشعر بأن شيئاً يسحبها إلى الخلف، قوة غامضة، تمنعها من التحرك. كانت زينب تحاول جاهدة الوصول إليها، لكنها كانت تجد مقاومة غير مرئية. في تلك اللحظة، سمعتا همساً آخر، هذه المرة أقرب، وأكثر وضوحاً، وكأنه يخرج من داخل أذنيهما: "لقد أصبحت... لنا..."

فقدت ليلى وعيها، وسقطت على الأرض، بينما حاولت زينب أن تسحبها، ولكن دون جدوى. الصوت الغريب استمر في الهمس، ممزوجاً بضحكات خافتة، مخيفة. وفي تلك اللحظة، أدركت زينب أنهم لم يواجهوا مجرد مرض، بل واجهوا شيئاً أقدم، وأكثر شراً. كان ذلك الوشاح المنسوج بخيوط الليل، والذي بدأ يلتف حول عائلتها، يسحبها إلى عالم لا تعرفه، عالم تتراقص فيه الظلال، وتهمس فيه الأرواح المعذبة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%