الفصل 19 / 25

الجن والبطل

أشباح الماضي الأليم

بقلم سامر الخفي

استيقظ الحاج محمود في الظلام، والرأس يدور به، والجسم يرتعش. لم يكن يتذكر كيف وصل إلى هذا المكان، سوى شعور غامض بالبرودة، ورائحة عفن تخترق أنفه. رفع رأسه بصعوبة، وشعر بألم في مؤخرة رأسه. بدا وكأنه تعرض لضربة قوية. كانت يداه مقيدتين ببعضهما البعض، لكن ليس بحبل، بل بشيء لزج، كالقطران.

"أين أنا؟" سأل بصوت أجش، بالكاد سمعه.

لم يأتِ رد، سوى صدى صوته في المكان المظلم. حاول أن يتحرر، لكن القيود كانت قوية. شعر بأنها تزداد إحكاماً كلما حاول المقاومة. تذكر ليلى وزينب. هل هما بخير؟ هل رأوا شيئاً؟

في تلك اللحظة، بدأ يرى ومضات ضعيفة من الضوء، تظهر وتختفي في زوايا المخزن. كان شكلها غير منتظم، وتتحرك بسرعة، كأنها فراشات سريعة. ثم، بدأ يسمع أصواتاً، همهمات، وتنهدات، كأنها تأتي من مسافة بعيدة، أو ربما من داخل رأسه.

"لقد وقعت في فخنا..." قال صوت خفيض، بارد، اخترق صمت الظلام.

ارتعش الحاج محمود. "من أنت؟ ماذا تريد؟"

"نحن... هنا منذ زمن طويل..." أجاب الصوت. "شاهدنا كل شيء. سمعنا كل شيء. وهذه الأرض... تحمل أسراراً دفينة."

بدأت الومضات الضوئية تتجمع، وتشكل أشكالاً شبيهة بالإنسان، لكنها شفافة، وخافتة. كانت تتحرك حوله، وكأنها طيور جارحة تستعد للانقضاض. شعر بالخوف يتسلل إلى قلبه، خوف لم يعهده من قبل، خوف لا يرتبط بالموت، بل بشيء أقدم، شيء لا يمكن فهمه.

"لماذا تفعلون هذا؟" سأل، محاولاً أن يبدو قوياً، رغم أن قلبه كان يرتجف.

"أنتم... بني البشر... تثيرون غضبنا..." قال صوت آخر، مختلطاً بالصوت الأول. "لقد أزعجتم سكوننا. لقد انتهكتم حدودنا."

ثم، رأى الحاج محمود شيئاً مريعاً. ظهرت في الظلام صورة لشخص، واقف أمامه مباشرة. كان رجلاً عجوزاً، وجهه متغضن، وعيناه محفورتا الأجواfen، تبدوان كأنهما تحملان آلاف السنين من الحزن والغضب. كان يرتدي ثياباً قديمة، ممزقة، ويحمل في يده عصا ملتوية، تبدو وكأنها مصنوعة من الخشب المشوه.

"هل تذكرني؟" سأل الرجل العجوز، وصوته كان أشبه بصوت حفيف أوراق الشجر الجافة.

لم يتعرف عليه الحاج محمود. "من أنت؟"

"أنا... الحارس... الذي تم نسيانه..." أجاب الرجل. "حارس هذا المكان... وهذا السر."

بدأ الحاج محمود يشعر بضعف شديد، وكأن طاقته تسرق منه. بدأت الصور الشبحية تتقرب، تلمسه، تهمس في أذنيه. كان الأمر أشبه بحلم سيء، حلم لا يمكن الاستيقاظ منه.

"ما هو السر؟" سأل، وكأن كلماته لا تخصه.

"السر... الذي تحمله هذه الأرض..." أجاب الحارس. "والقوة... التي استيقظت في بني جنسك... القوة التي يجب أن تعود إلى أصحابها."

فهم الحاج محمود شيئاً. فهم أن المشكلة لم تكن في أحمد وحده، بل كانت تمتد إلى ما هو أبعد. فهم أن ما يحدث هو نتيجة لشيء قديم، شيء تم إيقاظه.

"أحمد... هو السبب؟" سأل.

"ليس هو السبب... بل هو... المفتاح..." قال الحارس. "لقد أيقظ ما كان نائماً. لقد فتح الباب."

ثم، بدأ الحارس يكشف عن قصة قديمة، قصة عن زمن سحيق، حينما كانت هذه الأرض مسكونة بقوى أخرى. قصة عن عهد مظلم، وحروب أزلية، وصراع بين الخير والشر. قصة عن سحرة قدامى، استدعوا كائنات من عوالم أخرى، وأبرموا معاهدات مظلمة، لغرض القوة.

"لقد دفنناهم... أغلقنا الباب... لكنكم... بني البشر... دائماً ما تعودون... لاستدعاء ما يجب أن يبقى مدفوناً."

شعر الحاج محمود بأن كل كلمة من كلمات الحارس تهبط على روحه كالصخرة. كان يشعر بأن تاريخاً طويلاً، مليئاً بالظلم والأسرار، يتكشف أمامه.

"لكن... لماذا أحمد؟" سأل.

"لأنه... يحمل دماءهم... بداخلة..." قال الحارس، وأشار بعصاه نحو الحاج محمود. "وأنتم... كنتم سبباً في إيقاظ تلك الدماء."

شعر الحاج محمود بالصدمة. دماء؟ أي دماء؟ هل كانت هناك سلالة أخرى تسكن هذه المنطقة؟ هل كانت هناك صلة بين عائلته وبين هذه القوى الخفية؟

"لن... أفهم... ما... تقول..." قال الحاج محمود، بالكاد يستطيع أن يجمع كلماته.

"ستفهم... عندما يكون الأوان قد فات..." قال الحارس. "لقد استيقظوا... وهم جائعون... وسوف يأخذون ما يريدون... حتى لو كان أرواحكم."

بدأ الحاج محمود يشعر بأن القيود حول يديه تتلاشى. لكن لم تكن تلك حرية، بل شعور بأن شيء ما قد تم استنزافه منه، شيء حيوي. رأى الومضات الضوئية تتكاثف، وتصبح أكثر وضوحاً. رأى وجوهاً، وجوهاً بشعة، ومليئة بالكراهية.

"أعطونا... ما... لنا..." همس أحدهم.

"سنعود... وسوف نسترجع... ما... ضاع..." قال آخر.

شعر الحاج محمود بأن جسده يرتخي، وكأنه فقد كل قوته. رأى الحارس يقترب منه، وعيناه تلمعان ببريق غريب.

"تذكر... يا الحاج محمود..." قال الحارس. "أنك تحمل على كتفيك... مسؤولية عظيمة. مسؤولية... تجاه ما هو قادم."

ثم، انحنى الحارس، ووضع يده الباردة على جبين الحاج محمود. شعر الحاج محمود وكأن عقله يتعرض للتجريف، وكأن أسراراً قديمة، لم يكن يعرفها، يتم زرعها فيه. رأى صوراً سريعة، لمحات من تاريخ مظلم، ونبوءات مخيفة.

"هم... قادمون..." قال الحارس. "وإذا لم توقفهم... فسوف يلتهمون كل شيء."

ثم، اختفى الحارس، واختفت الومضات الضوئية. عاد الظلام المخيم. لكن الحاج محمود لم يعد كما كان. كان بداخله شيء قد تغير. شيء قد استيقظ، لم يكن يريده، ولكنه أصبح الآن جزءاً منه. كان يشعر بوزن ثقيل على روحه، وزن يعرف أنه لن يستطيع التخلص منه بسهولة. كان يعلم أن هذا هو بداية النهاية، أو ربما، نهاية البداية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%