الفصل 3 / 25

الجن والبطل

ضوء النجوم في حضرة الجان

بقلم سامر الخفي

تسلل فارس نحو مدخل الجبل، وهو يشعر بأن الهواء يثقل شيئاً فشيئاً. كانت السماء هذه الليلة أكثر صفاءً من الليلة الماضية، لكن نجومها بدت كأنها تقف كحراس صامتين، تراقب بصمت كل ما يدور في الأسفل. لم يعد يسمع أصوات الليل المعتادة؛ لقد استبدلتها همسات خافتة، كأنها أنفاس غائبة، تتسلل من بين الصخور.

كان يحمل المصباح، لكن ضوءه بدا ضعيفاً أمام الظلام المحيط. كان يشعر بأن الظلام ليس مجرد غياب للضوء، بل هو كيان حي، يحاول ابتلاع كل شيء. اقترب من المكان الذي رأى فيه تلك الكائنات الليلة الماضية. وجد آثاراً غريبة على التراب، آثار قدمين طويلتين ونحيفتين، لم يكن لها شكل بشري طبيعي.

"أنا هنا مجدداً." قال بصوت خافت، يحاول أن يتحدى الخوف الذي بدأ يتسلل إلى قلبه. "أتيت لأفهم. أتيت لأرى ما تركت لي جدتي."

لم يأتِ أي رد. الهدوء كان سيد الموقف، لكنه هدوء ينذر بعاصفة. شعر فجأة بأن وجوده في هذا المكان غير مرغوب فيه. كأن الأرض نفسها ترفضه.

ثم، سمع صوتاً. هذه المرة، لم يكن همساً، بل كان كأنها قيثارة قديمة تعزف لحناً حزيناً. لحن يثير الشجن، ويجعل القلب ينقبض. نظر حوله، لكنه لم يرَ شيئاً.

"من هناك؟" سأل، وصوته كان أقوى هذه المرة، مدعوماً بتوكله على الله.

من بين الظلال، ظهرت شخصية. كانت مختلفة عن الكائنات التي رآها الليلة الماضية. كانت نحيلة، نعم، لكنها كانت أكثر بياضاً، وأكثر نوراً. كانت ترتدي ما يشبه رداءً شفافاً، يبدو أنه مصنوع من الضباب. شعر فارس بأنها ليست شيطاناً، بل هي أكثر منها.

"أتيت تبحث عن أثر؟" سألت بصوت رقيق، كأنه ندى الصباح. "نعم. أنا فارس، وحفيدة أم عائشة. ابحث عن جدتي." "أم عائشة.. إنها ليست هنا." "إذن.. أين هي؟ ومن أنتم؟" "نحن.. نحن هنا منذ زمن. نسكن بينكم، دون أن تروا. كنا نراقب. كنا نسمع." "تسمعون ماذا؟" "نسمع النداءات. نسمع الدعوات. نسمع ما يخبئه القلب. جدتك.. كانت روحها نقية. كانت تملك شيئاً.. شيئاً ثميناً." "ما هو هذا الشيء؟" "إنه ليس شيئاً تراه العين، بل شيئاً تشعر به الروح. إنه أمان. إنه نور. ولأنك تحمل النور في داخلك، جاءوا إليك."

"جاءوا؟ تقصدين أولئك الكائنات؟" "نعم. هم أبناء الظلام. يبحثون عن ما يطفئ نورهم. وجدتك.. كانت تملك شمعة، وشمعتك أنت.. أقوى."

شعر فارس بأن ما تقوله هذه الكائنة غريب، لكنه حمل شيئاً من الصدق. لقد شعر بنفسه يتغير منذ تلك الليلة.

"أين هي جدتي؟" سأل مرة أخرى، عازماً على الحصول على إجابة. "لقد أخذوها. لأخذ ما تملك. لكنهم لم يحصلوا عليه. لأنك أنت.. أملهم." "أملهم؟ كيف؟" "إنهم يعتقدون أنك ستحمل هذا الأمان. سينتقلون إليك. عليك أن تجدها، قبل أن يجدوا الأمان ويستولوا عليه."

"لكن كيف أجدها؟ ومن أين أبدأ؟" "ستجد الدليل. روح جدتك.. لم تتركك. ابحث عن علامة. علامة حب." "علامة حب؟" "نعم. الحب الصادق. الحب الذي لا يعرف الخوف."

ثم، أشارت إلى اتجاه معين، نحو عمق الجبل. "اذهب في هذا الاتجاه. ستجد شيئاً. شيئاً قد يريك الطريق." قبل أن يتمكن فارس من شكرها، اختفت في الظلام، تاركة وراءها رائحة زهور غريبة، وعطراً لم يعرفه من قبل.

لم يكن فارس متأكداً مما إذا كانت هذه الكائنة صادقة، أم أنها تحاول خداعه. لكن كلماتها عن "علامة حب" و"الأمان" أثارت فيه شيئاً. تذكر جدته، وحبها العميق له، وللعائلة.

بدأ يسير في الاتجاه الذي أشارت إليه. كل خطوة كانت تزيد من شعوره بالوحدة، لكنه كان يشعر أيضاً بشيء آخر. إحساس بأن هناك قوة خفية تدفعه، قوة لا تأتي من نفسه.

بعد مسافة، وجد شيئاً. كان عبارة عن حجرة صغيرة، مغطاة بأعشاب غريبة. نظر إليها، ثم مد يده بتردد. وجد أن تحت الأعشاب، هناك نقش. نقش قديم، يبدو أنه كلمة "حب" مكتوبة بلغة لم يفهمها، لكن شكلها كان يوحي بالدفء.

وفوق النقش، كانت هناك قطعة صغيرة من جلد، عليها رسم لقلب. لم يكن قلباً تشريحياً، بل قلباً رمزياً، يبدو وكأنه نابض بالحياة.

"علامة حب.." همس فارس.

شعر بشيء غريب يتدفق منه، وكأن جزءاً من روحه قد خرج. ثم، رأى شيئاً آخر. قطعة صغيرة من ورق، مطوية بعناية. فتحها. كانت مكتوبة بخط يد جدته، لكنها لم تكن برسالة. كانت بضع كلمات فقط:

"حيث ينتهي النور، يبدأ الأمل."

"حيث ينتهي النور، يبدأ الأمل." تكررت الكلمات في رأسه. ماذا يعني هذا؟ هل تقصد أن جدته في مكان مظلم؟ مكان لا يصل إليه النور؟

شعر بإصرار أكبر. لم يعد الأمر مجرد البحث عن جدته، بل أصبح واجباً مقدساً. كانت جدته تراهن عليه، وتتوقع منه أن يفعل المستحيل.

قرر أن يمضي قدماً. كان يتجه نحو عمق الجبل، نحو المجهول. لم يعد الخوف مسيطراً عليه تماماً، بل حل محله شعور بالمسؤولية، وشيء من الشجاعة التي لم يكن يعرف أنها تملكها.

في هذه الأثناء، كان الحاج سالم قد استيقظ، وشعر بقلق شديد. ذهب إلى غرفة فارس، فوجدها فارغة. عرف أن ابنه قد ذهب مرة أخرى إلى الجبل.

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم." قال الحاج سالم، وهو يخرج من بيته. "اللهم سلم."

كانت علياء، في بيتها، قد استيقظت أيضاً، وشعرت بنفس القلق. تذكرت أنها كانت قد رأت فارس يتحدث مع شيخ القرية قبل يومين، وكان الشيخ قد أعطاه قطعة قماش قديمة، قال إنها من جدته.

"أمي، هل رأيتِ فارس؟" سألت والدتها. "لا، لم أره منذ الصباح. لماذا؟" "لا أعرف، لكنني أشعر بالقلق. هل يمكن أن يكون قد ذهب إلى الجبل مرة أخرى؟" "لا أظن ذلك، فقد كان متعباً جداً."

لكن علياء لم تستطع أن تطمئن. كان لديها شعور بأن شيئاً سيئاً يحدث.

في هذه الليلة، في عمق جبل الظلام، كان فارس يتجه نحو المجهول. كان يعلم أن هذه الرحلة لن تكون سهلة، وأن عليه أن يواجه ما لا يمكن تخيله. لكنه كان يحمل معه شيئاً قوياً: إيمانه، وحب جدته، ووعده بحمايتها.

كانت النجوم فوقه، كأنها تشجعه، وكأنها تخبره بأن النور موجود دائماً، حتى في أشد الأماكن ظلمة. ولم يكن يعلم أن هذه الرحلة، التي بدأت بخوف، ستكشف له عن قدرات لم يكن يتخيلها، وعن صراع قديم، لم يكن يعرف أنه طرف فيه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%