الجن والبطل
أشباح الماضي وظلال الحاضر
بقلم سامر الخفي
تزايد الظلام كلما تعمق فارس في الجبل. الهواء أصبح أكثر برودة، يحمل معه رائحة غريبة، مزيج من تراب قديم، وأعشاب لم يشم مثلها من قبل، وشيء آخر... شيء معدني، كأنه دم قديم. لم تعد النجوم ترى بوضوح، بل كان الضوء الوحيد يأتي من المصباح الذي كان في يده، والذي كان يبدو كشمعة صغيرة في بحر من السواد.
صوت خطواته كان يبدو عالياً، كل حجر يتحرك تحت قدمه كان يصدر صوتاً كأنما يصرخ. ثم، سمع صوتاً آخر. صوت غريب، يشبه حفيف أجنحة كبيرة، يليه صوت أشبه بصرير معدني. توقف فارس، وأمسك بقطعة الخشب بيد أقوى.
"من هناك؟" نادى، صوته كان يحمل نبرة أقوى من ذي قبل، لكنها كانت ممزوجة ببعض القلق.
لم يأتِ رد مباشر، لكنه شعر بحركة في الظلام أمامه. شيء ما كان يتحرك، شيء أكبر من الكائنات التي رآها سابقاً. ثم، بدأ الضوء يظهر. ضوء خافت، أزرق اللون، كأنه ضوء من القمر، لكنه كان أكثر كثافة، وأكثر توهجاً.
من وسط هذا الضوء، بدأت تتجسد شخصية. كانت أشبه بتمثال من جليد، شفاف، يحمل ملامح بشرية، لكنها كانت جامدة، لا تحمل أي تعبير. كانت عيناه، إن كانتا عيوناً، عبارة عن فراغات سوداء عميقة، كأنها ابتلعت كل نور.
"ماذا تريد أيها الغريب؟" سأل الصوت، كان الصوت عميقاً، يتردد صداه في المكان، وكأنه قادم من باطن الأرض. "أبحث عن جدتي، أم عائشة. لقد اختفت." "أم عائشة.. إنها ليست هنا." "إذن أين هي؟ وماذا فعلتم بها؟" "لم نفعل شيئاً. لقد ذهبت." "ذهبت؟ إلى أين؟" "ذهبت إلى مكان لا يراه البشر. مكان لا يمتلكه أحد." "لكنك تفهم ما أقول. أنت لست مثل أولئك. ما علاقتك بهم؟" "نحن.. نحن مختلفون. نحن أحفاد من كانوا هنا قبلكم. نحن حراس. هم.. هم آكلون." "آكلون؟ آكلون ماذا؟" "آكلون للأرواح. آكلون للنور."
شعر فارس ببرد يتسرب إلى عظامه، لم يكن البرد مجرد حرارة منخفضة، بل كان برداً روحياً، برداً ينبع من الرعب.
"وماذا تريد مني؟" سأل، متذكراً كلمات الكائنة السابقة. "نشعر بالنور الذي فيك. إنه قوي. قوي جداً." "لقد قالت لي أختكم إنني أحمل أملاً." "الأمل؟ الأمل هو السلاح. والسلاح يمكن أن يكون سيفاً مزدوج الحدين."
بدأ يتذكر مواقف في حياته، مواقف كان فيها لديه خيار بين فعل الصواب وفعل الخطأ، وبين إظهار الرحمة أو القسوة. كان دائماً يختار الصواب، كان دائماً يحاول أن يكون رحيماً.
"ماذا تقصد بـ 'سيف مزدوج الحدين'؟" "إن كنت تستخدم نورك بحكمة، فقد تكون قوياً. وإن كنت تستخدمه بغضب، فقد تدمر نفسك. وهؤلاء.. يريدون أن يروا نورك يشتعل، ليطفئوه."
"ولماذا تريدون إطفاء نوري؟" "لأن الظلام لا يحب النور. ولأن ما تحمله جدتك.. كان أقوى من إرادتهم."
"ماذا حملت جدتي؟" سأل، صوته أصبح أكثر إلحاحاً. "لقد حملت مفتاحاً. مفتاحاً لما كان مدفوناً هنا منذ زمن. مفتاح قد يفتح الباب.. أو يغلقه للأبد."
"ما هو هذا الشيء المدفون؟" "إنه قوة. قوة قديمة. قوة يمكن أن تدمر أو تحمي. جدتك.. كانت تحميه. والآن.. إنها تحميه من خلالك."
شعر فارس بأن الحجارة بدأت تتمايل حوله. الغبار يتطاير. وكأن المكان نفسه كان يحتج على حديثه.
"أتمنى أن تعود جدتي." قال، وصوته يحمل مزيجاً من الحزن والأمل. "إنها ليست هنا. لكن ربما.. ربما يمكنك أن تجد أثراً لها. شيء يحمل طاقتها. شيئاً تحبه." "أحبته؟" "نعم. الأشياء التي نحبها.. تحمل جزءاً منا."
فجأة، شعر بفارس بأن هناك شيئاً يلمع في جيبه. مد يده، فوجد قطعة صغيرة من الخشب، كانت قد أخذها من بيت جدته قبل يومين. كان قد نسي أنها في جيبه. كانت قطعة خشب منحوتة، عليها شكل فراشة، وهو حيوان كانت جدته تحبه.
"هذه؟" قال، وهو يخرج القطعة. "نعم. هذه تحمل طاقتها." قال الصوت الجليدي. "لكن.. إنها ليست وحدها. ما تشعر به الآن.. هو إرادتهم. يريدون أن يأخذوا هذا منك. يريدون أن يروا خوفك."
شعر فارس بأن الهواء من حوله أصبح أثقل، وكأن هناك شيئاً يضغط عليه. رأى أشكالاً تتحرك في الظلام، أشكال نحيلة، وأعين لامعة. كانوا قادمين.
"أيها الغريب، لا تتخل عن ما في يدك. إنها بدايتك." قال الصوت الجليدي، ثم بدأ يتلاشى. "تذكر.. حيث ينتهي النور، يبدأ الأمل."
اندفع فارس، وهو يمسك بقطعة الخشب بقوة. لم يكن لديه خيار سوى أن يواجه. رفع المصباح، ورأى الكائنات تتجه نحوه. لم يعد الأمر مجرد بحث، بل أصبح معركة.
"لا.. لن تأخذوا مني شيئاً!" صرخ.
بدأت الكائنات تهاجم. حاول فارس أن يتجنبها، لكنهم كانوا سريعين، وخبيثين. شعر بأنهم يحاولون سلب قوته، سلب إيمانه.
في هذه الأثناء، في القرية، كانت علياء تشعر بقلق متزايد. سمعت أن الحاج سالم قد ذهب إلى الجبل ليبحث عن فارس. قررت أنها لا تستطيع الانتظار.
"أمي، سأذهب لأبحث عن فارس. لا أستطيع أن أظل جالسة هكذا." "لكن يا ابنتي، الجبل خطر." "أعرف، لكن قلبي لا يطمئن. سأذهب وحدي."
قبل أن تتمكن والدتها من منعها، كانت علياء قد ارتدت ملابسها، وخرجت من المنزل. اتجهت نحو الجبل، وهي تحمل في قلبها خوفاً على فارس، ورغبة قوية في مساعدته.
في عمق الجبل، كان فارس يقاتل. لم يكن يملك قوة جسدية كبيرة، لكنه كان يملك شيئاً آخر: إيماناً لا يتزعزع، ورغبة في حماية ما هو عزيز. بدأ يقرأ آيات من القرآن الكريم بصوت مرتفع. آيات عن النور، عن الحماية، عن الله.
بدأت الكائنات تتراجع. لم تستطع تحمل صوت القرآن. كان كأنه نار تحرقها. لكنهم لم يختفوا تماماً. بقوا يتربصون في الظلام، ينتظرون اللحظة المناسبة.
شعر فارس بأن القطعة الخشبية في يده تسخن. نظرت إليها، فوجدتها تضيء بضوء خافت، وكأنها تحمل نوراً قديماً.
"حيث ينتهي النور، يبدأ الأمل." أدرك فارس. جدته لم تذهب إلى مكان لا يرى. بل ذهبت إلى مكان تتلاشى فيه قوى الشر، ولكنها لم تفقد الأمل. وإن كان هو يحمل الآن هذا "المفتاح" الجديد، فربما يمكنه أن يجدها، وأن يغلق الباب أمام قوى الشر.
لكن التحدي الأكبر كان ينتظره. كان عليه أن يحمي هذا "المفتاح"، وأن يفهم معناه، وأن يهزم أولئك الذين يريدون استخدامه لأغراضهم المظلمة. بدأت الأشباح الماضية، والظلال الحاضرة، تتجسد أمامه. ولم يكن يعلم أن هذه المعركة، التي بدأت بخوف، ستكون صراعاً لحماية ليس فقط عائلته، بل ربما لأكثر من ذلك.