الفصل 5 / 25

الجن والبطل

غواية السرداب العميق

بقلم سامر الخفي

كانت الأيام تمضي ثقيلة، يجرّ بعضها بعضًا كعبءٍ لا يُطاق، على أعتاب منزل الحاج محمود. لم يعد الصمت هو الصديق، بل أصبح عدوًا يتربص في كل زاوية، يحمل معه أصداء ما حدث في ذلك السرداب الملعون. أما أحمد، فكان غارقًا في دوامةٍ لا تبدو لها نهاية. لم تعد رائحة التراب المتسرب من عتبة البئر السفلية مجرد ذكرى، بل أصبحت شبحًا يلتصق بأنفاسه، يوقظه من نومه المفزع على وقع صوتٍ خافتٍ، همسٍ غامضٍ، يتردد صداه في أذنيه كصدى صلاةٍ منسية.

كانت عيناه، اللتان اعتادتا البريق والنشاط، قد بهتتا. شابتهما هالاتٌ داكنة، أشبه بحفرٍ عميقةٍ تروي قصة معارك خفية. كان يقضي ساعاتٍ طويلةٍ في غرفته، يدور فيها بلا هدف، يتفحص جدرانها كأنها تخفي سرًا دفينًا، أو ربما كانت تحاول إخفاء ما لا يريد أن يراه. وجد أحمد نفسه متلهفًا للعودة إلى السرداب، ليس بدافع الشجاعة أو البحث عن الحقيقة، بل بدافعٍ أعمق، شعورٍ أقرب إلى الإدمان. كان يشتهي رؤية تلك النقوش الغريبة التي بدت تتوهج في ضوء الشمعة الخافت، تلك الدوائر المتشابكة التي كانت تبدو وكأنها تنادي اسمه.

لقد بدأت الغواية تتسرب إلى روحه، تتسلل ببطءٍ شديد، تغطي قلبه بوشاحٍ باردٍ من الفضول المخيف. في كل مرةٍ كان يغلق فيها باب غرفته، كان يشعر بأن عالمًا آخر ينفتح أمامه، عالمٌ مظلمٌ، مليءٌ بالغموض الذي يستهويه، ويخيفه في آنٍ واحد. كانت والدته، الحاجة أمينة، تراقب ابنها بعينٍ ملؤها القلق. كانت تراه يمشي كالهائم، يتجنب الأنظار، يتحدث بإجاباتٍ مقتضبةٍ، وعيناه زائغتان. حاولت مرارًا أن تتحدث إليه، أن تستكشف ما يدور في خلده، لكنه كان يصدها بكلماتٍ رقيقةٍ لكنها حازمة، "أنا بخير يا أمي، فقط أحتاج بعض الراحة."

لكن حاج محمود، ببصيرته الثاقبة، كان يرى ما هو أبعد من هذه الكلمات. كان يلاحظ شحوب وجه أحمد، تلك الهالات المتزايدة تحت عينيه، والانقطاع المفاجئ في صلاته، التي كانت قبل ذلك لا تفوته. كان يشعر بأن شبحًا آخر غير الشبح الذي تخيلوه قد بدأ يتلبس ابنه. شبحٌ داخلي، وليد صراعٍ بين ما هو حقٌ وما هو مدفوعٌ بفضولٍ جامح.

في أحد الأيام، وبينما كانت الشمس تشرق بوهجٍ خجولٍ على قرية "وادي الياسمين"، وجد أحمد نفسه واقفًا أمام باب السرداب. كانت يداه ترتجفان، وقلبه يخفق بعنفٍ كطائرٍ محبوسٍ في قفص. لم يعد يستطيع المقاومة. كان صوت الهمس يتصاعد، أكثر وضوحًا هذه المرة، وكأنه يدعوه لولوج عالمه. أمسك بالمقبض البارد، ودفع الباب ببطءٍ. الرطوبة والعفونة استقبلتاه، ممزوجتين برائحةٍ نفاذةٍ بدت قديمةً جدًا.

نزل درجات السلم الحجري، وكل درجةٍ كانت تزيد من وطأة الثقل في صدره. وصل إلى القاع، حيث ضوء الشمعة الوحيد الذي كان قد تركه بالكاد يكشف عن الظلام المحيط. اتجه نحو الجدار الذي كان به النقوش. مد يده، متتبعًا بظفره الخطوط المنحنية. شعر بدفءٍ غريبٍ يسري في أنامله، كأنها نبضة حياةٍ تتفاعل مع النقوش. بدأ الهمس يزداد، يتشكل كأنه كلماتٌ غير مفهومة، تتراقص حوله في الظلام.

"ماذا تريد مني؟" تمتم أحمد بصوتٍ مرتعش، لم يتوقع أن يخرج صوته. لم يأتِ جوابٌ واضحٌ، بل مجرد تزايدٍ في شدة الهمس، وصوتٍ يشبه أنينًا بعيدًا، يتصاعد ويتلاشى. شعر بالدوار، وأمسك بالجدار ليتماسك. رأى النقوش تبدأ بالتوهج بشكلٍ أقوى، وكأنها تستجيب لندائه. بدا له أن الدوائر المتشابكة تتحرك، تتلوى، وكأنها كائناتٌ حيةٌ تستيقظ من سباتها.

لقد تجاوز أحمد الخط الفاصل بين الفضول والخطر. لقد دخل إلى عالمٍ لا يمكنه فهمه، عالمٍ له قوانينه الخاصة، وعواقب وخيمة. كان يشعر بشيءٍ يتسلل إلى أعماقه، يلتهم هدوءه، ويستنزف قوته. لم يكن الأمر يتعلق بالخوف من المجهول، بل بالخوف مما أصبح يعرفه، وما أصبح يجذبه إليه. كان يرى في هذا الظلام، وفي هذه الهمسات، شيئًا كان يبحث عنه دون أن يدري، شيئًا يعتقد أنه سيمنحه القوة أو الفهم الذي افتقده.

عاد إلى غرفته في تلك الليلة، وهو يحمل في داخله ما لم يستطع وصفه. لم ينم، بل ظل مستيقظًا، يحدق في السقف، يسمع صدى الهمسات في رأسه. في تلك الليلة، لم يكن أحمد هو أحمد الذي عرفته عائلته. لقد بدأ شبح السرداب يبتلعه، ببطءٍ، وبشكلٍ لا رجعة فيه. كان يعرف أن هذا الطريق مظلمٌ، لكنه كان مفتونًا بالظلام، غارقًا في متعته الملعونة. لقد أصبح أسير رغبةٍ قاتلة، رغبةٍ تدفعه إلى البحث عن ما يخفيه هذا السرداب، حتى لو كان الثمن هو روحه.

في الخارج، كانت السماء قد بدأت ترسل خيوط الفجر الأولى، لكن داخل غرفة أحمد، كان الظلام قد بدأ يتجلى. لقد كان صراع أحمد مع نفسه قد وصل إلى منعطفٍ حاد، منعطفٍ سيحدد مسار حياته، ومسار كل من حوله. هل سيتمكن من كبح جماح هذه الرغبة المظلمة؟ أم أن سرداب الجن سيغرق أحمد في لججه إلى الأبد؟ الأسئلة كانت تطفو، بلا إجابات، تاركةً وراءها شعورًا بالترقب المشوب بالخوف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%