أسرار البيت القديم
الفجر الباكر وصوتٌ في الظلام
بقلم ظافر الغيب
تسلل الفجر بخيوطه الأولى، ناشراً وشاحاً فضياً على أطراف الصحراء الممتدة، قبل أن يستيقظ أهل القرية النائمة. لم يكن الاستيقاظ بلطفٍ وسلام، بل بصرخةٍ مكتومةٍ انبعثت من أرجاء البيت العتيق، ذلك البناء الحجري الضخم الذي أكل عليه الدهر وشرب، والذي ظل شاهداً على أجيالٍ مرت، حاملةً أسرارها إلى مثواها الأخير. في قلب هذا البيت، حيث يتداخل عبق التاريخ بوهج الزمن، كانت "ليلى" تقف، شابةٌ يافعةٌ في ربيعها الثاني والعشرين، تحمل بين يديها مصباحاً زيتياً يرتعش ضوءه، خالقاً ظلالاً راقصةً على الجدران المتهالكة. كان عرقٌ باردٌ يتصبب من جبينها، وقلبها يخفق بعنفٍ كطائرٍ محبوسٍ بين ضلوعها. لم يكن صدى صوتها تلك الصرخة، بل كانت هي من استقبلتها، واستقبلتها بعنفٍ لم تعهده قط.
كانت ليلى ابنة المرحوم "سعيد"، الرجل الذي ورث هذا البيت عن أجداده، وكان يحكي لها دائماً قصصاً عن ماضٍ غابر، عن أناسٍ عاشوا وماتوا بين جدرانه، وعن أسرارٍ دفنت في أعماقه. لكنه لم يذكر أبداً أن هذا البيت يمتلك روحاً، أو أن تلك الروح قد تستيقظ لتصرخ فزعاً في جنح الظلام. كان البيت قديماً بالفعل، عتيقاً بما يكفي ليشعر المرء فيه بوجود أشباح الماضي، لكن هذه الصرخة كانت مختلفة. كانت صرخةً بشرية، ولكنها مشوبةٌ بمسحةٍ من الألم واليأس لا تخرج إلا من روحٍ تعاني.
انتفضت ليلى من سريرها، لم تنتظر أن يتأكد صوتها مما سمعت. كانت تعرف أن الخوف قد يصور لها ما ليس بواقع، ولكن هذا الصوت كان حقيقياً، عميقاً، وقريباً جداً. أمسكت بمصباحها، وارتدت حجابها بعجلة، وانطلقت في دهاليز البيت المظلمة. جدران البيت كانت قديمة، متشربةٌ بتاريخٍ طويل، تروي بصمتها قصصاً لا تُحصى. كل حجرٍ في جدرانه كان له قصة، كل خشبةٍ في سقفه كانت تشهد على أحداثٍ كثيرة. كانت ليلى قد ترعرعت في هذا البيت، ولكنها في تلك اللحظة شعرت وكأنها غريبةٌ فيه، وكأن الظلام قد أزاح الستار عن وجهٍ آخر له، وجهٌ لم تعرفه قط.
كان الهواء في البيت ثقيلاً، يحمل معه رائحة الغبار العتيق، ورائحة التراب الرطب، ورائحة لا يمكن تحديدها، رائحةٌ أشبه برائحة الزمن نفسه، رائحةٌ تثير قشعريرةً في الأبدان. كل خطوةٍ كانت تخطوها ليلى كانت تُقابل بصوتٍ خافت، صوتٌ يشبه همسة الريح وهي تعبر النوافذ المكسورة، أو صوتٌ يشبه تنهيدةً عميقةً تنبعث من صدرٍ واسع. كانت تقترب من مصدر الصوت، قلبها يزداد خفقاناً، وعيناها تتسعان بحثاً عن مصدر ذلك الفزع.
كانت في الأصل قد استيقظت على صوتٍ أشبه بنقراتٍ خفيفةٍ على الباب، صوتٌ تكرر ببطءٍ وإصرار. ظنت في البداية أنه أحد خدم البيت، أو ربما إحدى قريباتها اللواتي كن يزرنها من وقتٍ لآخر. لكن الصوت لم يكن أشبه بنقراتٍ بأصابع، بل كان أشبه بضرباتٍ خفيفةٍ على الخشب، وكأن شيئاً يريد الدخول، ولكنه متردد، أو خائف. عندما ذهبت لتفتح الباب، لم تجد أحداً. عادت إلى فراشها، ثم سمعت الصرخة.
الآن، وهي تسير في الممرات، لم يعد خوفها مجرد خوفٍ عادي، بل تحول إلى رعبٍ حقيقي. كانت تعلم أن البيت فيه الكثير من الأماكن المهجورة، وغرفٍ مغلقةٍ منذ زمنٍ طويل. هل يمكن أن يكون شخصٌ قد تسلل إلى البيت؟ ولكن كيف؟ أبواب البيت ونوافذه كانت جميعها محكمة الإغلاق. هل يمكن أن يكون شخصٌ قد فقد عقله؟ هذه الفكرة جعلت قلبها ينقبض أكثر.
كانت متجهةً نحو القسم الغربي من البيت، وهو القسم الذي كان أشدها إهمالاً، حيث كانت غرفة "الجدة فاطمة"، تلك الغرفة التي لم يجرؤ أحدٌ على دخولها منذ وفاة الجدة قبل سنواتٍ طويلة. كان المكان محاطاً بالغموض، وكانت الأقاويل تتناقل حولها. قيل إن الجدة كانت تعيش حياةً منعزلة، وأنها كانت تتحدث إلى أشياءٍ غير مرئية، وأنها كانت تمارس طقوساً غريبة. كانت ليلى دائماً تتجاهل هذه الأقاويل، وتعتبرها مجرد خرافاتٍ نسجتها ألسنة الأقارب.
عندما وصلت إلى باب غرفة الجدة، وجدت الباب مفتوحاً قليلاً. لم يكن الباب دائماً مفتوحاً، بل كان مغلقاً بحديدٍ سميكٍ وسلسلة. كان هذا الأمر أغرب من أي شيءٍ شهدته. شعرت بدوارٍ يصيبها، ورأت خيالها يتراقص على الجدران أمامها. استجمعت كل قوتها، ودخلت الغرفة.
كانت الغرفة مظلمة، رائحتها كريهة، مزيجٌ من العفن والتراب والغبار. كان المصباح في يدها بالكاد يكشف عن معالم المكان. كانت الأثاثات مغطاةً بأغطيةٍ بيضاء، أشبه بالأشباح النائمة. في وسط الغرفة، كان هناك سريرٌ خشبيٌ قديم، وبجانبه طاولةٌ صغيرةٌ عليها بعض الكتب الغريبة، وبعض الأدوات التي لم تتعرف عليها.
ثم، رأت. عند زاوية الغرفة، خلف كرسيٍ قديم، كانت هناك صورةٌ بالكاد ظاهرة. كانت صورةً صغيرةً، ولكنها كانت لجنيةٍ من الأقزام، ذات عيونٍ حمراء متوهجة، وأنيابٍ بارزة. اقتربت ليلى بحذر، وحاولت أن ترى تفاصيل الصورة بشكلٍ أفضل. ثم، بينما كان المصباح يهتز في يدها، رأيت شيئاً يتحرك في زاوية الغرفة.
كان ظلاً. ظلٌ داكنٌ، ضخمٌ، يتحرك ببطءٍ، وكأنه ينظر إليها. صرخت ليلى، وأسقطت المصباح. انطفأ الضوء، وعم الظلام الغرفة، ولم يبقَ سوى صوت أنفاسها المتلاحقة، وصوت شيءٍ ما يتحرك في الظلام.