أسرار البيت القديم

الوصيةُ الغامضةُ وميراثٌ ثقيلٌ

بقلم ظافر الغيب

معَ كلِّ صفحةٍ يقلبانها، كانتْ ليلى وأحمدُ تغوصانِ أعمقَ في عالمِ إبراهيمَ وفاطمةَ. أصبحتْ مذكراتُ إبراهيمَ أطولَ، وتفاصيلُ حياتهِ معَ فاطمةَ تتكشفُ بوضوحٍ أكبرَ. روى إبراهيمُ كيفَ اضطرا إلى العيشِ بسرٍّ، يلتقيانِ في أوقاتٍ متأخرةٍ من الليلِ، وكيفَ كانتْ كلُّ لحظةٍ يقضيانها معاً ثمينةً. وصفَ حبهما الذي كانَ يتغلبُ على كلِّ الصعابِ، ولكنهُ لم يكنْ كافياً للتغلبِ على القيودِ الاجتماعيةِ والضغوطِ العائليةِ.

"لقد كانتْ عائلتها ترفضُني بشدةٍ، وتعتبرني شخصاً لا يليقُ بها." قرأتْ ليلى، وعلاماتُ الحزنِ تلوحُ على وجهها. "أما عائلتي، فقد كانتْ خائفةً من العارِ الذي قد يلحقُ بنا إذا علمَ الناسُ أنَّ إبني مرتبطٌ بفتاةٍ من عائلةٍ معروفةٍ عنها... (توقفَ الخطُّ قليلاً، كأنَّ إبراهيمَ كانَ يترددُ في ذكرِ السببِ) ... لا أريدُ أنْ أفصحَ عن كلِّ شيءٍ، لكنَّ الظروفَ كانتْ أقسى مما نتصورُ."

توقفَ إبراهيمُ في مذكراتهِ عن سردِ التفاصيلِ الدقيقةِ، ولكنهُ أشارَ إلى أنهُ اضطرَ إلى اتخاذِ قرارٍ صعبٍ. قرارٍ كانَ يمزقُ قلبهُ، ولكنْ يبدو أنهُ كانَ الحلَّ الوحيدَ لتجنبِ كارثةٍ أكبرَ.

"لقد أُجبرتُ على الرحيلِ، على الابتعادِ عن كلِّ ما هوَ غالٍ على روحي." كانتْ الكلماتُ مليئةً بالأسى. "لقد تركتُ فاطمةَ، تركتُ حبي، تركتُ حياتي. ولكني وعدتها أنْ أبقى وفياً لذكراها، وأنْ أحفظَ حبنا إلى الأبدِ."

ثمَّ جاءَ الجزءُ الأكثرُ إيلاماً. تحدثَ إبراهيمُ عن مغادرتهِ المدينةَ، وسفرهِ إلى بلادٍ بعيدةٍ، حيثُ حاولَ أنْ يبدأَ حياةً جديدةً، ولكنهُ لم يستطعْ نسيانَ فاطمةَ أبداً. كانَ يكتبُ الرسائلَ إليها، ولكنهُ لم يكنْ متأكداً مما إذا كانتْ تصلُ إليها.

"لقد أرسلتُ لكِ كلَّ ما في قلبي، يا فاطمةُ. أتمنى أنْ تكوني بخيرٍ، وأنْ تكوني قد وجدتِ السعادةَ التي تستحقينها. أما أنا، فسأظلُّ أحبكِ حتى آخرِ يومٍ في حياتي."

ثمَّ تحولَ الحديثُ إلى تركيزٍ على وصيةٍ. "لقد قررتُ أنْ أعودَ يوماً ما، لأجدَ طريقةً لتكريمِ حبنا، وأنْ أتركَ إرثاً يدومُ. لقد أعددتُ وصيةً، تضمنُ كلَّ ما أملكُ، وأنْ يُعطى لكلِّ ذي حقٍّ حقّهُ."

"هل هناكَ ذكرٌ لهذهِ الوصيةِ في الرسائلِ؟" سألتْ ليلى أحمدَ.

"نعم، هناكَ إشارةٌ إلى أنها مخبأةٌ في مكانٍ ما في هذا البيتِ، وأنها ستُعطى للشخصِ المناسبِ في الوقتِ المناسبِ." أجابَ أحمدُ، وهوَ يقلبُ في إحدى الرسائلِ.

"ولكنْ، كيفَ نعرفُ أننا الشخصُ المناسبُ؟" تساءلتْ ليلى. "ولماذا لم تُكتشفْ هذهِ الوصيةُ من قبلُ؟"

"ربما لم يبحثْ عنها أحدٌ بنفسِ الجديةِ التي نبحثُ بها الآنَ." قالَ أحمدُ. "أو ربما كانَ هناكَ لغزٌ لتحديدِ المكانِ."

بدأتْ ليلى تشعرُ بأنَّ هذهِ القصةَ لم تكنْ مجردَ قصةِ حبٍ ضائعٍ، بل أصبحتْ الآنَ رحلةً للبحثِ عن إرثٍ. إرثٍ قد يحملُ مفتاحَ فهمِ كلِّ شيءٍ.

"هل تعتقدُ أنَّ هذهِ الأشباحَ التي نراها، أو نشعرُ بها، هيَ جزءٌ من هذهِ الوصيةِ؟" سألتْ ليلى. "ربما هم يبحثونَ عنها أيضاً، أو ربما يحاولونَ إخبارنا بمكانها."

"من يدري." قالَ أحمدُ، وهوَ ينظرُ إلى النافذةِ. "هذا البيتُ مليءٌ بالألغازِ. كلُّ شيءٍ فيهِ يهمسُ بالماضي."

قررا أنْ يركزا جهودهما على البحثِ عن الوصيةِ. قاما بمسحٍ دقيقٍ لكلِّ زاويةٍ من زوايا البيتِ. بحثا في الجدرانِ، خلفَ اللوحاتِ القديمةِ، تحتَ البلاطِ المتصدعِ. كلُّ مكانٍ كانَ يبدو ممكناً.

وبينما هما يبحثانِ في غرفةِ المكتبةِ القديمةِ، وجدَ أحمدُ كتاباً مختلفاً عن بقيةِ الكتبِ. كانَ كتاباً سميكاً، مغطىً بالجلدِ الأسودِ، بدونِ أيِّ عنوانٍ. فتحَ أحمدُ الكتابَ، فوجدَ صفحاتهِ مليئةً برسومٍ غريبةٍ، ونقوشٍ لم يفهمها.

"ليلى، انظري إلى هذا." قالَ أحمدُ، وهوَ يريها الكتابَ. "هل هذهِ رموزٌ؟"

نظرتْ ليلى إلى الرسومِ، وشعرتْ بأنها مألوفةٌ بطريقةٍ ما. "نعم، إنها تشبهُ النقوشَ التي رأيتها على صندوقِ الرسائلِ. ولكنها هنا أكثرُ تعقيداً."

بدأتْ ليلى بمقارنةِ النقوشِ في الكتابِ معَ النقوشِ على صندوقِ الرسائلِ. لاحظتْ وجودَ بعضِ التشابهاتِ. "أعتقدُ أنَّ هذهِ الرسومَ هيَ مفتاحُ الوصيةِ. إنها خريطةٌ ما، أو طريقةٌ لفكِّ رموزٍ."

أمضيا وقتاً طويلاً في محاولةِ فكِّ رموزِ هذهِ النقوشِ. كانتْ ليلى تتذكرُ تفاصيلَ من دراستها للفنِّ الإسلاميِّ، ومن قراءاتها عن الرموزِ القديمةِ. بدأتْ تلاحظُ أنَّ بعضَ النقوشِ تشبهُ الحروفَ العربيةَ القديمةَ، والبعضُ الآخرُ يشبهُ رموزاً فلكيةً.

"ربما هيَ رموزٌ مرتبطةٌ بالنجومِ، أو بمواقعِ معينةٍ في البيتِ." قالتْ ليلى، وهيَ تشيرُ إلى رسمٍ يشبهُ خريطةً سماويةً.

"وهذا الرسمُ يبدو وكأنهُ يصفُ ترتيباً معيناً للأشياءِ." قالَ أحمدُ، وهوَ يشيرُ إلى رسمٍ آخرَ.

وبينما هما غارقانِ في محاولةِ فكِّ الرموزِ، سمعتْ ليلى همسةً واضحةً، تبدو قريبةً جداً. "البابُ... خلفَ الرفِّ..."

نظرتْ ليلى إلى أحمدَ. "هل سمعتَ ذلكَ؟"

"نعم." أجابَ أحمدُ، وعيناهُ تلمعانِ. "إنها تخبرنا بمكانٍ ما."

نظرَ كلاهما إلى الرفوفِ المليئةِ بالكتبِ القديمةِ في غرفةِ المكتبةِ. بدأتْ ليلى تحركُ الكتبَ، وتبحثُ عن أيِّ شيءٍ غيرِ عاديٍّ. وفجأةً، لاحظتْ أنَّ أحدَ الرفوفِ كانَ ثابتاً بشكلٍ غريبٍ. دفعتهُ بحذرٍ، فانزلقَ الرفُّ ليكشفَ عن فتحةٍ مظلمةٍ في الجدارِ.

"يا إلهي!" هتفتْ ليلى. "هذا هوَ!"

كانتْ الفتحةُ تؤدي إلى ممرٍّ صغيرٍ، لم يكنْ ظاهراً من الخارجِ. كانَ الممرُّ مظلماً، وتفوحُ منهُ رائحةُ الغبارِ العتيقِ. تقدمَ أحمدُ إلى الأمامِ، وهوَ يحملُ شعلةً من هاتفهِ.

"يبدو أنَّ هذا هوَ المكانُ الذي وصفتْهُ الهمسةُ." قالَ أحمدُ.

دخلا الممرَّ، وكانتْ ليلى تشعرُ بأنَّ قلبها يخفقُ بعنفٍ. كانتْ تتوقعُ رؤيةَ شيءٍ عظيمٍ، شيءٍ يحملُ تاريخَ إبراهيمَ وفاطمةَ.

في نهايةِ الممرِّ، وجدا صندوقاً خشبياً آخرَ، يبدو أنهُ أقدمُ من صندوقِ الرسائلِ. كانَ الصندوقُ مزخرفاً بنقوشٍ تشبهُ تلكَ التي في كتابِ الرموزِ. كانَ مقفلاً بقفلٍ قديمٍ.

"كيفَ سنفتحُهُ؟" سألتْ ليلى.

نظرَ أحمدُ إلى كتابِ الرموزِ، ثمَّ إلى الصندوقِ. "ربما النقوشُ الموجودةُ على الكتابِ، تشرحُ كيفَ نفتحُ القفلَ."

بدأَ كلاهما بمقارنةِ النقوشِ على الصندوقِ معَ تلكَ الموجودةِ في الكتابِ. بعدَ عدةِ محاولاتٍ، اكتشفَ أحمدُ أنَّ هناكَ ترتيباً معيناً يجبُ أنْ يُتبعَ لفتحِ القفلِ. كانتْ عمليةً معقدةً، ولكنها أدتْ في النهايةِ إلى سماعِ صوتِ "طقطقةٍ" خافتةٍ، وانفتحَ القفلُ.

وبينما كانَ أحمدُ يفتحُ الصندوقَ، شعرتْ ليلى ببرودةٍ شديدةٍ تلفُّ المكانَ. كانَ الهواءُ أثقلَ، وكأنَّ هناكَ وجوداً غيرَ مرئيٍّ يراقبهما.

فتحَ أحمدُ الصندوقَ. بداخلهِ، وجدوا كومةً من الأوراقِ، مكتوبةً بحبرٍ أسودَ. كانتْ هذهِ هيَ الوصيةُ. ولكنْ، إلى جانبِ الوصيةِ، كانَ هناكَ شيءٌ آخرُ. قطعةٌ قماشٍ بيضاءَ، مطويةٌ بعنايةٍ، وبداخلها شيءٌ صلبٌ.

"ما هذا؟" سألتْ ليلى، وهيَ تشيرُ إلى القطعةِ القماشيةِ.

فتحَ أحمدُ القطعةَ بحذرٍ. كانَ بداخلها خاتمٌ ذهبيٌّ، مزينٌ بحجرٍ كريمٍ أزرقَ، نقشٌ عليهِ حرفٌ واحدٌ: "ف".

"هذا خاتمُ فاطمةَ." قالتْ ليلى بصوتٍ متهدجٍ. "لقد تركَ لها شيئاً، واحتفظَ بذكرى لها."

شعرتْ ليلى بأنَّ هذهِ اللحظةَ تحملُ ثقلاً عظيماً. لقد وصلوا إلى قلبِ القصةِ، إلى المكانِ الذي يحملُ إرثَ إبراهيمَ وفاطمةَ. ولكنْ، معَ اكتشافِ الوصيةِ، شعرتْ بأنَّ الأمورَ قد بدأتْ تصبحُ أكثرَ تعقيداً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%