أسرار البيت القديم

الفزع في جوف الليل

بقلم ظافر الغيب

ازدادت وحشة البيت القديم مع حلول الظلام، لم يعد مجرد مكان تسكنه الذكريات، بل تحول إلى ساحة تتجلى فيها أهوال لم تكن في حسبان "ليلى" قط. كانت تجلس بجوار نافذة غرفتها، تراقب ضوء القمر الباهت وهو يتسلل عبر قضبان الشجر المتشابكة، يرسم ظلالاً راقصة على الجدران التي بدت كلما طال الليل، تتسع وتتلون بألوان لم تألفها عين بشر. قلبها كان يخفق بجنون، ليس خوفاً فحسب، بل مزيجاً غريباً من الفزع والفضول الذي لا يرحم. منذ أن عثرت على تلك الرسالة المخفية، ورائحة التراب القديم تفوح من كل زاوية، وشعور بالثقل يضغط على صدرها.

"عبد الرحمن" كان غائباً منذ ساعات، غادر بعد صلاة العشاء، متذرعاً بضرورة لقاء بعض التجار في البلدة القديمة. عادة ما يعود قبل منتصف الليل، لكن الليلة اختلفت. كل دقيقة تمر كانت تطعنها ألف خنجر من القلق. كانت تستمع لأي صوت، همسة، حفيف، أو حتى صوت بعوضة، تحسبها خطى تقترب. رائحة البخور الذي كان جدها يفوح به، أصبحت تختلط برائحة غريبة، نفاذة، تشبه رائحة المعدن الصدئ المخلوط بالياسمين الذابل.

فجأة، سمعت صوتاً خافتاً قادماً من الطابق السفلي. لم يكن صوتاً بشرياً بالكامل، بل مزيجاً من أنين مكتوم وخشخشة غريبة، كأن حجراً ثقيلاً يجر على أرضية خشبية متآكلة. استقامت في جلستها، وعيناها متسعتان، تحاول استيعاب مصدر الصوت. حاولت إقناع نفسها بأنها مجرد أوهام، وأن الليل الطويل يخيل إليها أشياء غير موجودة. لكن الصوت تكرر، أقوى هذه المرة، وأكثر إلحاحاً.

نهضت بحذر، متجهة نحو باب غرفتها. أياديها كانت ترتجف وهي تمسك بمقبض الباب. فتحته ببطء شديد، مخترقة الصمت الثقيل الذي كان يلف المكان. كل خطوة كانت تخطوها في الممر المظلم، كانت تتطلب منها شجاعة عظيمة. الظلال كانت تتلاعب بعقلها، تحول الأثاث القديم إلى أشكال مشوهة، تتراقص في محيط رؤيتها.

وصلت إلى أعلى الدرج، حيث كان الظلام أشد كثافة. أخذت نفساً عميقاً، ودعت الله أن يطمئن قلبها. بدأ الصوت يتضح أكثر، قادم من ناحية غرفة المكتبة، تلك الغرفة التي لطالما أغلقت أبوابها بإحكام، والتي كانت تحمل بداخلها أسراراً لا تعرف عنها شيئاً.

"جدتي... هل أنتِ هنا؟" همست بصوت بالكاد مسموع، لكن الصدى وحده هو الذي أجابها.

تسللت نحو باب المكتبة، والذي كان موارباً قليلاً. دفعت الباب برفق، فانفتح بكاء هادئ. ما رأته داخل الغرفة جعل الدماء تتجمد في عروقها. لم يكن هناك أحد، لكن الغرفة بدت وكأنها مسرح جريمة. الأوراق مبعثرة على الأرض، الكتاب القديم الذي كانت قد وجدته، ملقى على جانب المكتب، صفحاته مفتوحة على مصراعيها. والأهم من ذلك، على الأرض، عند زاوية الطاولة، كان هناك ما يشبه بركة صغيرة من سائل غامق اللون، يتلألأ في ضوء القمر الخافت.

اقتربت بحذر، وقلبها يدق كطبول حرب. عندما انحنت لتفحص السائل، تلقت صدمة أخرى. لم يكن مجرد سائل، بل كان ممزوجاً بشيء يشبه الشعر الأسود الطويل، الملتف حول بعضه البعض. وشعرت بيد باردة تلامس كتفها.

صرخت صرخة مكتومة، والتفتت بسرعة. كان "عبد الرحمن" يقف خلفها، وجهه شاحب، وعيناه مليئتان بالقلق.

"ليلى! ما الذي تفعلينه هنا؟" سأل بصوت مرتبك، وكأنه هو من فوجئ بها.

"أنا... سمعت صوتاً..." قالت ليلى وهي تشير إلى بركة السائل والشعر. "ما هذا؟"

نظر "عبد الرحمن" إلى ما أشارت إليه، وتبدلت ملامحه من القلق إلى الرعب الخالص. بدا وكأن عالمه ينهار أمامه.

"لا شيء... لا شيء يا ليلى. ربما... تسرب شيء من أنابيب الماء القديمة." قال بتردد، محاولاً سحبها بعيداً عن الغرفة.

"أنابيب الماء؟ ومن ترك هذه الأوراق مبعثرة؟ ومن ترك الباب موارباً؟" سألت ليلى، متجاهلة محاولاته. كان صوتها يرتعش، لكن عينيها كانت ثابتتين، تبحثان عن الحقيقة. "هذا ليس تسرب ماء يا عبد الرحمن. هذا شيء آخر."

"لنعد إلى غرفتنا، الجو هنا بارد." قال "عبد الرحمن" بقوة أكبر، محاولاً إبعادها.

لكن ليلى تمسكت بالأرض، نظرت إليه بثبات. "هل تخفي عني شيئاً؟ لقد وعدتني بالصدق. هذه الرسالة... وهذا البيت... وكل شيء يحدث هنا... كل هذا له معنى."

تنهد "عبد الرحمن" بعمق، وعيناه تائرتان. بدت وكأن معركة تدور بداخله. ثم، بصوت منخفض، قال: "هذا البيت... ليس مجرد بيت يا ليلى. وهذه الأرض... لا ترحم. هناك أشياء مدفونة هنا... وأشياء تتغذى على الأسرار."

"ماذا تقصد؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن الهواء أصبح أثقل، وأن الظلال تتكاثف حولهما.

"هذا الشعر... وهذه الرائحة... إنها ليست من هذا العالم." قال "عبد الرحمن" وعيناه لا تزالان تتجولان في أرجاء الغرفة. "لقد كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي. والدتي... تركت لي تحذيرات كثيرة. لكنني لم أتصور أبداً أن الأمر سيصل إلى هذا الحد."

"والدتك؟ ماذا لها علاقة بهذا؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأن خيوط اللغز تتشابك أكثر فأكثر.

"هي... كانت تعرف. كانت تحاول حمايتنا. هذه الغرفة... هي مركز كل شيء. والدتي كانت تحذرني دائماً من فتح هذا الكتاب... ومن الاقتراب من هذه المنطقة." أشار "عبد الرحمن" إلى زاوية الغرفة حيث كان الكتاب ملقى. "لقد كنت أخشى هذا اليوم، يوم أن تكشف الأسرار."

"لكن لماذا الآن؟ لماذا ظهر كل هذا الآن؟" سألت ليلى، وهي تنظر حولها بحذر، وكأنها تتوقع أن يخرج شيء ما من الظلام.

"ربما... لأننا أصبحنا أقوى. أو ربما... لأن القوة التي تسكن هنا... أصبحت أضعف." قال "عبد الرحمن"، وقد امتلأ صوته بالحيرة. "الرسالة التي وجدتها... كانت تحذيراً. إنها تقول أن هناك حاجة... للتضحية."

"تضحية؟ تضحية بماذا؟"

"لا أعرف بالتحديد. لكنني أعرف أن هذا المنزل... له ديون قديمة. ديون لا يمكن سدادها إلا بثمن باهظ. والدتي... أخبرتني عن كهنة قدماء... وحراس لهذه الأرض... يطالبون بما لهم. وما لهم... غالباً ما يكون نفساً."

شعر بالبرد يتسلل إلى أطراف أصابع ليلى. "نفساً؟ هل تقصد... روحاً؟"

"أو جسداً." أجاب "عبد الرحمن" بصوت أثقل. "لقد رأيت... أشياء... عندما كنت صغيراً. أصوات تتحدث من الجدران، وظلال تتحرك في الزوايا. والدتي كانت دائماً تصلي... وتتلو آيات من القرآن... لطرد هذه الأشياء."

"ولماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟" سألت ليلى، وقد امتلأ صوتها بخيبة الأمل.

"كنت أخشى عليك. كنت أريد أن أعيش حياة طبيعية معك. لكن يبدو أن هذه الأرض... لها رأي آخر." قال "عبد الرحمن" وهو ينظر إلى بركة السائل. "ما رأيته الآن... يؤكد مخاوفي. لقد فتحنا باباً... لا يمكن إغلاقه بسهولة."

"ماذا سنفعل؟" سألت ليلى، وقد تملكها الخوف.

"سنقاتل." قال "عبد الرحمن" بنبرة تصميم مفاجئة. "سنقاتل من أجل بيتنا، من أجل حبنا، من أجل أنفسنا. والدتي تركت لي كتاباً آخر... كتاباً فيه وصفات للتحصين... وللطرد. يجب أن نجده."

نظرت ليلى إلى الكتاب المفتوح على الأرض، ثم إلى "عبد الرحمن". رأت في عينيه خليطاً من الخوف والقوة. أدركت أن كل ما عاشته كان مجرد مقدمة لما هو قادم. لقد اكتشفت الحقيقة، الحقيقة المرعبة التي كانت كامنة في جنبات هذا البيت القديم. لم يعد هناك مجال للرجوع. الفزع قد غلف روحهما، لكنه أشعل أيضاً جذوة مقاومة لم تكن تعلم بوجودها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%