أسرار البيت القديم
همسات الماضي
بقلم ظافر الغيب
كانت أصداء كلمات "عبد الرحمن" تتردد في أذن "ليلى" كصدى حجارة قديمة تتساقط في بئر عميق. "تضحية... نفساً... كهنة قدماء... وحراس لهذه الأرض." لم تكن هذه الكلمات مجرد حكايات أسطورية، بل أصبحت واقعاً ملموساً يزحف ببطء إلى حياتهما. الرعب الذي شعرت به في غرفة المكتبة لم يكن مجرد خوف من المجهول، بل كان إدراكاً بأنها وطئت أرضاً ملعونة، أرضاً لها تاريخ دموي وأسرار دفينة.
"ماذا تعني هذه التضحية؟" سألت ليلى، وهي لا تزال تقف بجوار "عبد الرحمن"، تتفحص بعينيها كل زاوية في الغرفة المظلمة، وكأنها تبحث عن أي علامة على وجود خطر.
"لا أعرف تفاصيلها الدقيقة." أجاب "عبد الرحمن" وهو يمسح جبينه بظهر يده. "لكن والدتي ذكرت في مذكراتها أن هناك اتفاقيات قديمة عقدت بين أجدادنا وبين قوى لا تراها العين. اتفاقيات لحماية هذه الأرض من الأشرار، مقابل... جزاء. وهذا الجزاء قد يكون دماً."
"دم؟ هل هذا يعني أن هناك من يريد أن يقتلنا؟"
"لا أعرف، ليلى. كل ما أعرفه هو أن هذا البيت يطلب شيئاً. والرسالة كانت تحذيراً من أن هذا الطلب قد يزداد. والدتي... كانت تحاول جاهدة إرضاء هذه القوى. كانت تقيم شعائر معينة، وتقدم قرابين... لكنها لم تكن تعرف ما هو المطلوب بالضبط."
"قرابين؟ وما هي هذه القربان؟" سألت ليلى، وقد بدأت الصورة تكتمل أمام عينيها، ولكنها كانت صورة مرعبة.
"عادة ما تكون مجرد رموز. أو أشياء ذات قيمة معنوية." قال "عبد الرحمن" بتردد. "لكن في أوقات الشدة... كانت تتحدث عن أن الأمر قد يصل إلى ما هو أبعد من ذلك."
"وهل هذه البركة من الدم والشعر... هي أحد هذه القربان؟"
"ربما." أجاب "عبد الرحمن"، وشعر بالغثيان. "الشعر... يبدو أنه شعر بشري. وهذه الرائحة... لم أشم مثلها من قبل. رائحة الموت والقدم."
"يجب أن نرحل من هنا، يا عبد الرحمن." قالت ليلى بصوت مرتجف. "هذا البيت ليس لنا. إنه مسكون بشيء شرير."
"لا يمكننا الرحيل." قال "عبد الرحمن" بحزم، وقد بدا وكأن كلماته تحمل ثقلاً هائلاً. "هذه الأرض... هي ملك لنا. ولم يتخل عنها أجدادنا. والدتي... كانت تقول إن الرحيل يعني ترك الروح هنا. وأن هذه القوى... لا تسمح بالفرار."
"ماذا تقصد؟"
"عندما يسكن شيء في مكان ما، يصبح جزءاً منه. وهذه القوى... متجذرة في هذه الأرض. إذا حاولنا الهرب، فقد تطاردنا. أو قد تعاقبنا بطرق لا يمكننا تصورها."
"ولكن ما فائدة البقاء هنا، إن كنا سنعيش في خوف دائم؟"
"هناك حل. والدتي كانت تبحث عن حل. كانت مؤمنة بأن الإيمان والذكر والصلاة... هي أقوى سلاح ضد هذه الظلمات. لقد تركت لي كتاباً... كتاباً للتحصين. فيه آيات وأدعية... وطقوس معينة لطرد الأرواح الشريرة."
"أين هو هذا الكتاب؟" سألت ليلى، وقد شعرت بنبرة من الأمل، وإن كانت ضعيفة.
"لم أجده بعد. لقد بحثت عنه كثيراً في البداية، لكنني فقدت الأمل. ربما يكون مدفوناً هنا في هذه الغرفة. والدتي كانت تحب إخفاء الأشياء الهامة في أماكن غير متوقعة."
بدأت ليلى تنظر حولها بعين جديدة. لم تعد الغرفة مجرد مكان ملوث، بل أصبحت كنزاً محتملاً. بدأت تتفحص الكتب القديمة على الرفوف، والأوراق المبعثرة على الأرض.
"ما هذا الكتاب؟" سألت وهي تشير إلى الكتاب الذي كان ملقى على الأرض، صفحاته مفتوحة.
"هذا هو الكتاب الذي وجدته أنا." قال "عبد الرحمن". "لقد حاولت قراءته، لكنه مكتوب بلغة قديمة جداً، ولست متأكداً من معناها. لكنه يبدو أنه يتحدث عن تاريخ هذه الأرض، وعن العقود التي عقدت."
مدت ليلى يدها نحو الكتاب، وتفحصت الصفحات. كانت الخطوط غريبة، والرموز غير مألوفة. لكنها لمحت في إحدى الصفحات صورة غريبة، تصور كائناً ذا أجنحة، جالساً على عرش، وتحته بشر يسجدون له.
"هل هذا... شيطان؟" سألت ليلى، وقد شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
"لا أعرف." أجاب "عبد الرحمن" بصوت خافت. "لكن مذكرات والدتي كانت تتحدث عن وجود قوى تسعى للسيطرة على هذه الأرض... قوى تستمد قوتها من الظلام واليأس."
"لقد بدأت أتذكر شيئاً." قالت ليلى فجأة. "عندما كنت صغيرة، جدتي كانت تحكي لي حكايات عن جن. لكنها كانت دائماً تقول أنهم ليسوا كلهم أشرار. وأن بعضهم يبحث عن الحماية، وعن مكان يستقر فيه."
"ربما... هؤلاء هم من نتحدث عنهم." قال "عبد الرحمن" مفكراً. "ربما أجدادنا عقدوا اتفاقية مع بعضهم... لمواجهة قوى أخرى أشر... قوى لا تنتمي إلى عالمنا. والآن، بعد كل هذه السنوات، يبدو أن هذه الاتفاقيات قد انتهت صلاحيتها."
"والمطلوب الآن هو... أن نجد الكتاب الآخر، صح؟" قالت ليلى، محاولة التركيز على الحل.
"نعم. والدتي ذكرت في مذكراتها أنها أخفت كتاب التحصين في مكان "حيث لا تصله الأيدي الآثمة، وحيث لا تطاله أعين الحسد." كانت هذه العبارة تحيرني دائماً."
بدأ الاثنان في البحث بشكل منهجي. كان كل ركن من أركان الغرفة، وكل رف من رفوف الكتب، وكل صندوق قديم، يخضع لفحص دقيق. أزالة الأوراق المبعثرة، كشف عن المزيد من الرسائل المكتوبة بلغة قديمة، وصور غريبة، وعلامات لم يفهموها.
"هذا ليس مجرد بيت يا عبد الرحمن." قالت ليلى وهي تحمل بضع مخطوطات قديمة. "هذا مكان له تاريخ معقد، مليء بالأسرار التي تتجاوز فهمنا."
"أعرف. والدتي كانت تكرر ذلك دائماً." قال "عبد الرحمن" وهو يفتح خزانة خشبية كبيرة، كانت تبدو مهملة. "كانت تقول إن هذه الأرض لها روح. وأنها تتذكر كل ما حدث عليها."
فجأة، سمعا صوتاً آخر. هذه المرة، كان صوتاً ضعيفاً، يأتي من خلف أحد الرفوف. صوت يشبه بكاء طفل مكتوم.
تجمد الاثنان في مكانهما، قلبيهما يخفقان بقوة.
"هل سمعت ذلك؟" همست ليلى.
"نعم." أجاب "عبد الرحمن"، وقد بدا عليه الذهول.
تسلل الاثنان بحذر نحو مصدر الصوت. خلف الرف، وجدا مساحة صغيرة بالكاد تتسع لشخص واحد. وفي زاوية هذه المساحة، وجدا صندوقاً قديماً، مصنوعاً من الخشب الداكن، ومزخرفاً بنقوش غريبة. الصوت كان يأتي من داخله.
"لا أظن أن هذا طبيعي." قال "عبد الرحمن" بتوتر.
"لكن يجب أن نرى ما بداخله." قالت ليلى، وقد تملكها فضول ممزوج بالخوف.
فتح "عبد الرحمن" الصندوق ببطء. لم يكن بداخله طفل، بل كان مليئاً بقطع قماش قديمة، وأحجار لامعة، وشيء يشبه دمية صغيرة مصنوعة من القش. لكن الصوت... الصوت كان لا يزال موجوداً، ضعيفاً، وكأنه يأتي من الهواء نفسه.
"ما هذا؟" سألت ليلى.
"لا أدري." أجاب "عبد الرحمن". "لكن رائحة هذه الأشياء... غريبة. ليست مثل رائحة التراب أو الخشب."
فجأة، توقف الصوت. اختفى البكاء. ساد صمت ثقيل. ثم، بدأت الأحجار اللامعة داخل الصندوق في الإضاءة بشكل خافت، بلون أحمر داكن.
"علينا أن نتوقف عن البحث الآن." قال "عبد الرحمن" بصوت متهدج. "أعتقد أننا استفززنا شيئاً. علينا العودة إلى غرفتنا. وسأفكر في خطوتنا التالية."
نظرت ليلى إلى الصندوق، ثم إلى "عبد الرحمن". شعرت بأن هذه الليلة كانت مجرد بداية. وأن أسرار البيت القديم كانت تتكشف ببطء، لتكشف عن جوانب مظلمة لم تكن تتخيل وجودها. الهمسات التي سمعاها، والأشياء التي رأوها، لم تكن مجرد ظواهر خارقة، بل كانت إشارات إلى صراع قديم، صراع على هذه الأرض، وعلى أرواح من يسكنونها.