أسرار البيت القديم

الظل الأسود

بقلم ظافر الغيب

بعد الخروج من غرفة المكتبة، لم يعد لـ"ليلى" و"عبد الرحمن" مجرد زوجين يعيشان في بيت قديم، بل أصبحا محاربين في معركة لا يعرفان أبعادها. الرعب الذي تسلل إلى روحهما لم يكن مجرد انطباع لحظي، بل شعور عميق بالخطر الوشيك، يلفهما كغطاء ثقيل. كل ظل في البيت، وكل صوت خافت، أصبح مصدراً للقلق. رائحة التراب القديم، التي كانت في السابق تحمل عبق التاريخ، أصبحت تفوح الآن برائحة الدم واليأس.

عودتهما إلى غرفتهما لم تجلب لهما سوى قليل من الطمأنينة. جلسا على فراشهما، لا ينطقان بكلمة. صمت ثقيل، مليء بالكلمات غير المنطوقة، والأسئلة التي لا تجد إجابات. "ليلى" كانت تنظر إلى "عبد الرحمن"، ترى في عينيه مزيجاً من الحزن والقوة، وكأنها ترى رجلاً يحمل على كتفيه عبء قرون.

"هل تعتقد حقاً أن هناك من يريد أن يؤذينا؟" سألت ليلى أخيراً، وصوتها يكاد يكون همسة.

"أتمنى ألا يكون الأمر كذلك." أجاب "عبد الرحمن" بتنهيدة عميقة. "لكن كل ما رأيناه الليلة... وكل ما قرأناه في مذكرات والدتي... يشير إلى ذلك. هذا البيت له تاريخ. تاريخ دموي. وأجدادنا... عقدوا اتفاقيات قوية لحمايته. هذه الاتفاقيات تبدو أنها انتهت."

"وماذا عن كتاب التحصين؟ هل تعتقد أنه سيساعدنا؟"

"والدتي كانت مؤمنة بذلك. لقد ذكرت أن كتابها يحتوي على كل ما يلزم لطرد أي شر. لكن المشكلة هي... أننا لم نجده بعد. إنها وصفة سرية، مخفية بعناية. "حيث لا تصله الأيدي الآثمة، وحيث لا تطاله أعين الحسد." هذه العبارة تقتلني. ماذا يمكن أن يكون هذا المكان؟"

قضى "عبد الرحمن" بقية الليل وهو يتصفح مذكرات والدته مرة أخرى، يبحث عن أي دليل، أي تلميح. "ليلى" كانت تقرأ معه، تحاول استيعاب الكلمات القديمة، وفهم السياق. لكن كلما تعمقوا في المذكرات، كلما زاد الارتباك. كانت هناك إشارات إلى "النجم الساقط"، وإلى "البئر المنسي"، وإلى "الحارس الصامت".

"من هو الحارس الصامت؟" سألت ليلى.

"لا أعرف." أجاب "عبد الرحمن". "ربما يكون شخصاً. أو شيئاً. والدتي كانت تتحدث عنه ككيان قوي، ولكنه محايد. يحمي هذه الأرض من الأطراف المتنازعة."

"وما هي الأطراف المتنازعة؟"

"هنا تكمن المشكلة. يبدو أن هناك قوى مختلفة تسعى للسيطرة على هذه الأرض. قوى تابعة للظلام، وقوى تسعى للحفاظ على التوازن. وأجدادنا... كانوا جزءاً من هذا الصراع."

في الصباح، مع شروق الشمس الخجول الذي اخترق نوافذ غرفتهم، شعر الاثنان ببعض الراحة. لكن الطمأنينة كانت هشة. أثناء تناولهم الإفطار، سمعا صوتاً آخر. هذه المرة، كان صوت أقدم، أعمق، وكأنه قادم من أعماق الأرض. صوت يشبه أنين الريح عبر أنقاض قلعة قديمة.

"هل هذا الصوت... طبيعي؟" سألت ليلى، وهي تنظر حولها بخوف.

"لا أعتقد." أجاب "عبد الرحمن". "هذا الصوت لم يكن موجوداً من قبل. وكأن البيت يئن."

كانت الساعات التي تلت ذلك مليئة بالترقب. في الظهيرة، قرر "عبد الرحمن" أن يتوجه إلى البلدة لشراء بعض الأشياء الضرورية، وللتحدث مع بعض الشيوخ الذين قد يكون لديهم معرفة بتاريخ العائلة والأرض.

"ابقِ هنا، يا ليلى. أغلقي الأبواب والنوافذ جيداً. ولا تفتحي لأحد مهما حدث." قال "عبد الرحمن" وهو يرتدي عباءته.

"سأكون معك." قالت ليلى. "لا يمكنني تركك وحدك."

"أنا بخير. يجب أن أذهب. ربما أجد بعض الإجابات في الخارج."

تردد "عبد الرحمن" قليلاً، لكنه رأى الإصرار في عينيها. "حسناً. لكن كوني حذرة جداً. هذا البيت... لم يعد آمناً."

بينما كان "عبد الرحمن" يغادر، جلست "ليلى" في الفناء، تراقب الشمس وهي تتسلل عبر أوراق الشجر. شعرت بأن هناك شيئاً ما يراقبها. ظلال الأشجار بدت أطول وأكثر قتامة من المعتاد. رائحة الياسمين المخلوطة برائحة العفن أصبحت لا تطاق.

فجأة، سمعت صوتاً خافتاً من ناحية غرفة جدها القديمة، الغرفة التي لم تطأها قدم منذ وفاته. كان الصوت يشبه همسات كثيرة، متداخلة، كأنها محادثة سرية تجرى في الظلام.

لم تستطع "ليلى" مقاومة الفضول. نهضت بحذر، وتسللت نحو الغرفة. الباب كان مغلقاً، لكنها سمعت الصوت بوضوح أكبر وهو يقترب. يبدو أنه قادم من داخل الغرفة.

"جدي... هل أنت هنا؟" همست ليلى، وصوتها بالكاد مسموع.

لم يكن هناك رد، لكن الهمسات ازدادت قوة، وكأنها تحاول أن تقول شيئاً. أخذت ليلى نفساً عميقاً، وفتحت الباب ببطء.

الغرفة كانت مظلمة، والرائحة كانت أقوى هنا. رائحة قديمة، عفنة، مخلوطة برائحة غريبة لم تعرفها من قبل. وعلى الأرض، عند زاوية الغرفة، رأت ما جعل قلبها ينقبض. كانت هناك دائرة مرسومة بالطباشير الأبيض، بداخلها نقوش غريبة. وفي وسط الدائرة، كان هناك أثر حديث، وكأن شيئاً ثقيلاً قد تم سحبه على الأرض.

نظرت إلى جدران الغرفة. وفجأة، رأت شيئاً لم تنتبه إليه من قبل. على أحد الجدران، كانت هناك خريطة قديمة، مرسومة باليد، تظهر مساحة واسعة من الأرض، مع علامات سوداء في أماكن مختلفة. بدا أنها خريطة للمنطقة المحيطة بالبيت.

اقتربت "ليلى" من الخريطة، وبدأت تتفحصها. لاحظت أن هناك علامات سوداء كثيرة، بعضها متصل ببعضه بخطوط متعرجة. وبين هذه العلامات، وجدت علامة مميزة، على شكل نجمة، مكتوب بجانبها كلمة "النجم الساقط".

"النجم الساقط..." همست ليلى، متذكرة ما قرأته في مذكرات والدة "عبد الرحمن".

وفي إحدى زوايا الخريطة، وجدت نقشاً يشبه البئر، وتحته كلمة "البئر المنسي".

"البئر المنسي..." تكررت الكلمات في ذهنها.

بينما كانت تتفحص الخريطة، شعرت ببرودة شديدة في الهواء. الظلال في الغرفة بدأت تتكثف، وتتحرك بشكل غريب. بدت وكأنها تتجمع حولها. ثم، سمعت صوتاً خافتاً، يشبه نفساً عميقاً، قادماً من خلفها.

تجمدت "ليلى" في مكانها، خوفاً يسيطر عليها. لم تجرؤ على الالتفات. شعرت بأن شيئاً ما يقترب منها، شيئاً لا تراه، لكنها تشعر بوجوده. رائحة العفن ازدادت قوة، وأصبحت تشبه رائحة الموت.

"من هناك؟" سألت بصوت مرتجف.

لم يكن هناك رد. لكن الهواء حولها أصبح أثقل، وأكثر برودة. شعرت بضغط على صدرها، وكأن شيئاً ما يحاول سحقها.

فجأة، رأت حركة في زاوية رؤيتها. ظل أسود، أغمق من الظلام نفسه، بدأ يتشكل أمامها. لم يكن له شكل محدد، لكنها شعرت بأنه كائن حي، يمتلك نوايا شريرة.

"هذه الأرض... لنا." سمعت صوتاً عميقاً، وكأنه يأتي من جميع الجهات في آن واحد. صوت مخيف، مفعم بالقوة.

"من أنت؟" سألت ليلى، محاولة إظهار شجاعة لا تشعر بها.

"نحن الحراس القدماء. ونحن لا نرضى بمن يتدخل في شؤوننا."

"لا أريد التدخل. أنا فقط..."

"لقد دخلتِ. لقد رأيتِ ما لا يجب أن تريه. لقد عرفتِ الأسرار."

بدأ الظل الأسود بالاقتراب منها. لم يكن له ملامح، لكنها شعرت بأنه ينظر إليها. شعرت بأنها تفقد قوتها، وأن جسدها بدأ يرتعش.

"البيت... يحتاج إلى تضحية." قال الصوت مرة أخرى.

"تضحية؟" سألت ليلى، وتذكرت كلمات "عبد الرحمن".

"نعم. تضحية... بالحب. تضحية... بالروح."

بدأت الظلال تتكثف حولها، تحاول سحبها إلى مكان مجهول. شعرت بضعف شديد. لم تعد قادرة على الوقوف. وكأن قوة خارقة تسحبها إلى أسفل.

في هذه اللحظة، فتح الباب بقوة، ودخل "عبد الرحمن". رأى "ليلى" وهي تتهاوى على الأرض، وسط الظلال المتكثفة.

"ليلى!" صرخ "عبد الرحمن"، واندفع نحوها.

عندما اقترب، بدا الظل الأسود وكأنه يبتعد قليلاً، لكنه لم يختفِ تماماً. بدا وكأنه يتراجع، لكنه لا يزال موجوداً، يراقب.

"ماذا حدث؟" سأل "عبد الرحمن"، وهو يحتضن "ليلى" المرتعشة.

"لقد... لقد رأيتهم. الحراس القدماء... أو... الشياطين." قالت ليلى بصوت بالكاد مسموع. "لقد قالوا... إنهم يريدون تضحية."

نظر "عبد الرحمن" حوله، وشعر بالبرد الذي لا يمكن تفسيره. رأى الخريطة المرسومة على الجدار، والدوائر المرسومة على الأرض. أدرك أنهم قد تجاوزوا نقطة اللاعودة. أنهم الآن في صلب المعركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%