أسرار البيت القديم

أشباح الماضي المظلمة

بقلم ظافر الغيب

كان الليل قد ارتدى ثوبه الأسود المخملي، تتلألأ فيه نجوم كاللآلئ المتناثرة على سجادة سماوية لا متناهية. في قلب ذلك الصمت المهيب، كانت نوافذ البيت القديم المهجورة تبعث بوهج خافت، كأنها عيون ساهرة تراقب ما يدور في الخارج. في الداخل، في أحد الغرف المليئة بالغبار والأثاث البالي، كان فارس، الشاب الذي اختار العزلة عن العالم، يغوص في أعماق ماضٍ أثقل كاهله.

لم يكن البيت القديم مجرد بناء حجري بارد، بل كان مستودعًا لأسرار دفنتها الأيام، وأشباحٍ لا ترحم. كانت رائحة العفن ممزوجة بعبق البخور القديم تملأ الأرجاء، تحكي قصصًا عن حياة سابقة، عن ضحكاتٍ وأحزانٍ، وعن عائلاتٍ تعاقبت على هذا المكان. لكن بالنسبة لفارس، كان البيت مرادفًا للشيطان الذي يسكن داخله.

كان يدخن بشراهة، أعقابه تتناثر كرمادٍ يتطاير من جمرةٍ محتومة. لم يكن التدخين مجرد عادة، بل كان إدمانًا، قيدًا يشدّه إلى دائرة مفرغة من القلق والتفكير. كان يدخن ليطفئ وحشة روحه، ليخدر الآلام التي لا تعرف نهاية، ليغرق في غيبوبة مؤقتة تنسيه ما هو عليه.

"لماذا؟" همس لنفسه، وصوته متقطع كشظايا الزجاج. "لماذا لا أستطيع التوقف؟"

كان السؤال يتردد في أرجاء الغرفة، كصدىٍ لحياةٍ ضائعة. كل سيجارة كانت انتصارًا لضعفه، وهزيمةً لإرادته. كان يرى في ضباب الدخان المنبعث من فمه انعكاسًا لوجهه المتعب، وعينيه الغائرتين، وشعره الأشعث. كان يتذكر وجه أمه، دعواتها الحانية، ورضاها الذي لم يستطع أن يحافظ عليه. كان يتذكر وعده لأبيه، الوعد الذي تبدد كالدخان في الهواء.

خرجت ريم، أخت فارس، من غرفتها بخطواتٍ وئيدة، تحمل في يديها كوبًا من الشاي الدافئ، يبعث برائحته الزكية التي اعتادت أن تريح قلب فارس. كانت ترى فيه أخاها الوحيد، سندها في هذه الدنيا، لكنها كانت تشعر بغربةٍ متزايدة بينهما. كان فارس قد انسحب من حياتها، وحبس نفسه في قوقعته المظلمة.

"فارس؟" نادت بصوتٍ خافت، يحمل مزيجًا من القلق والحنان. "لم تنم منذ البارحة. لقد أعددت لك بعض الشاي."

نظر إليها فارس، كانت عيناه تائهتين، لا تزالان غارقتين في دوامة الإدمان. لكن شيئًا ما في صوتها، في نظرتها البريئة، أيقظ فيه بقايا ضميرٍ غائب.

"لا أحتاج شيئًا يا ريم،" قال بصوتٍ أجش، يحاول أن يخفي فيه ألمه.

"أعرف أنك تمر بوقتٍ عصيب،" قالت وهي تقترب منه، تضع الكوب على طاولةٍ قريبة. "لكن هذا ليس الحل. أنت تدمر نفسك."

ارتعش جسد فارس. كانت كلماتها كلسعاتٍ حارقة، تذكّره بحجم فشله. "وماذا تريدين مني أن أفعل؟ أن أعود إلى الوراء؟ أن أمحو كل شيء؟"

"أريد منك أن تعيش، يا أخي. أن تعيش حياةً كريمة، حياةً ترضى عنها. لم يكتب لنا أن نعيش هكذا، محبوسين في هذه الأوهام."

نظرت ريم إلى يدي فارس المرتعشين، والآثار الباهتة للندوب القديمة التي كانت تخفيها. كانت تعلم أن هناك شيئًا أكبر يثقل كاهل أخيها، شيئًا يتعلق بالبيت القديم، بالماضي الذي لم تتجرأ هي على نبشه.

"هل ما زلت ترى تلك الأشياء، فارس؟" سألت بصوتٍ منخفض، وقد تخلل الشك إلى نبرتها.

تجمد فارس. كانت تلك هي النقطة الحساسة، الشبح الذي كان يطارده في يقظته ومنامه. "ماذا تقصدين؟"

"أقصد تلك الأصوات، تلك الظلال... تلك الأفكار التي لا تدعك تنام."

تنهد فارس بعمق. كانت ريم قد لمست وتراً حساساً. كان يرى أشياء، يسمع أصواتًا، يشعر بوجودٍ غريب يحيط به. لم يكن مجنونًا، أو هكذا كان يحاول أن يقنع نفسه. كان يعتقد أن البيت القديم يسكنه شيءٌ ما، شيءٌ خبيث، ينتقم.

"إنها مجرد أوهام، يا ريم،" قال محاولاً أن يبدو واثقًا، لكن صوته خانته. "ضغط العمل، قلة النوم..."

"ليس ضغط العمل، فارس،" قاطعته ريم، وعيناها تلتمعان بقوة. "لقد رأيتك. أنت تتحدث مع نفسك. أنت تهرب من الواقع. وهذا البيت... هذا البيت يحمل شيئًا ما."

اقتربت ريم أكثر، ونظرت إلى عيني فارس المذعورتين. "هل تخاف، يا أخي؟"

أومأ فارس برأسه ببطء، ثم هزّه بقوة. "لا... لا أخاف. أنا فقط... أحاول أن أفهم."

"ما الذي تحاول أن تفهمه؟"

"السبب... السبب في كل هذا. لماذا نحن هنا؟ لماذا اختارنا هذا البيت؟"

كانت كلماته تخرج متدفقة، كأن سدًا قد انهار. كان يعلم أن إدمانه للتدخين هو مجرد عرض، وأن المرض الحقيقي كامن في روحه. كان البيت القديم يلتهمه، يمتص طاقته، يزرع فيه بذور الشك والخوف.

"توقف عن هذا، فارس!" قالت ريم بصوتٍ عالٍ، وقد اختلط الخوف والغضب في نبرتها. "هذا البيت ليس لنا. علينا أن نرحل."

"نرحل؟" انفجر فارس ضاحكًا بمرارة. "إلى أين نرحل؟ لا يوجد لنا مكان آخر. هذا هو قدرنا."

"لا، ليس قدرنا!" صرخت ريم، ودموعها بدأت تنهمر. "لقد وعدنا أبي أن نحمي هذا البيت، ليس أن نموت فيه."

نظرت ريم إلى أخيها، لم تعد ترى فيه الشاب القوي الذي عرفته. بل رأت فيه روحًا منهكة، تتصارع مع وحشٍ لا يرى. كانت تعلم أن الصراع ليس فقط مع إدمانٍ جسدي، بل مع صراعٍ روحي أعمق.

"هناك شيءٌ ما في هذا البيت، فارس،" قالت بنبرةٍ هامسة، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد. "شيءٌ قديم. شيءٌ يغذيه خوفنا."

تنهد فارس، ودخان السيجارة الأخيرة خرج من فمه كنفسٍ أخير. كانت ريم على حق. كان الخوف هو الطعام الذي يغذي هذا الكيان الغامض، وهو نفسه كان يصب الزيت على النار.

"ربما... ربما أنتِ على حق، يا ريم،" قال ببطء، وهو ينظر إلى النافذة المطلة على الظلام. "ربما علينا أن نواجه... ما هو مخبأ في هذا البيت."

كانت كلماته أشبه بقرارٍ مصيري، قرارٍ سيتطلب منه كل قوته، كل ما تبقى من شجاعته. كان يعلم أن الطريق سيكون صعبًا، مليئًا بالمخاطر، وأن الظلام الذي يسكن البيت قد يبتلعه. لكن في تلك اللحظة، في تلك الغرفة المليئة بالغبار، وبجانب أخته الوحيدة، شعر بشيءٍ من الأمل، بشعورٍ غريب بأن المواجهة قد تكون بداية النهاية.

نظرت ريم إلى يد فارس، ثم إلى النافذة. كانتا تنظران إلى نفس الظلام، لكن بنظرةٍ مختلفة. كانت ريم تنظر إلى الظلام بعينٍ فيها تصميم، وفارس بعينٍ فيها تردد، لكنه تردد ممزوجٌ برغبةٍ جامحة في الخلاص.

"هل أنت مستعد؟" سألت ريم، وقد استجمعّت قواها.

نظر إليها فارس، ثم أومأ برأسه. "نعم. مستعد."

كانت تلك اللحظة الشرارة الأولى، بداية رحلةٍ جديدة في أسرار البيت القديم. رحلةٌ ستكشف عن حقيقة ماضٍ مظلم، وعن أشباحٍ لم تكن مجرد وهم، بل كانت حقيقةً قاتلة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%