أسرار البيت القديم
البحث عن سالم
بقلم ظافر الغيب
كان ضوء النهار يتسرب إلى الغرفة التي اكتشفا فيها الصندوق، ولكن ضوء الحقيقة كان أشد إشراقًا، وإن كان يحمل معه ظلالًا من الحزن. تلفتت ريم حولها، وكأنما تبحث عن علامةٍ إضافية، عن سرٍ آخر يخفيه هذا البيت. لكن فارس كان يحدق في الرسائل، في كلمات الحب والشوق التي خطتها ليلى، يشعر بثقل القصص التي تحملها جدران هذا المكان.
"يجب أن نجد سالم،" قال فارس، بنبرةٍ عزيمة. "إذا كان حبها له هو السبب في بقائها هنا، فإن إيجاده، أو إيجاد شخصٍ يعرفه، قد يكون هو المفتاح لتحرير روحها."
"ولكن كيف؟" تساءلت ريم، وقد بدأت علامات القلق تظهر على وجهها. "لقد مرت سنواتٌ طويلة. قد يكون سالم قد رحل، أو مات."
"حتى لو رحل، فإن ذكرى ليلى قد تكون لا تزال موجودة لدى شخصٍ ما. عائلة، أصدقاء... يجب أن نبدأ البحث."
اتفقا على أن تبدأ ريم بالبحث في الأرشيفات القديمة بالبلدة، ربما تجد سجلاتٍ زواج، أو شهادات ميلاد، أو أي شيءٍ يدل على وجود سالم. أما فارس، فقد قرر أن يتولى مهمة استكشاف حديقة البيت، وبشكلٍ خاص، البئر القديم الذي ذكرته ليلى في رسائلها. كان يعلم أن هذا المكان يحمل ذكرياتٍ قوية، وربما مفتاحًا للحل.
كانت مهمة فارس شاقة. بدأت الحديقة بالنمو البري، وغطت الأشواك والأعشاب معظم المكان. كان البئر القديم، الذي كان يومًا ما مصدرًا للحياة، يبدو الآن كفمٍ مظلمٍ مفتوح، يشبه الموت. كان يحيط به حجارةٌ متصدعة، وتنمو حوله نباتاتٌ شوكية، وكأنها تحمي سرًا دفينًا.
وقف فارس أمام البئر، وشعر ببرودةٍ غريبة تنبعث منه. لم تكن البرودة المادية، بل كانت برودةً نفسية، كأنها همسةٌ من الماضي. تذكر كلمات ليلى، "غدًا، سنلتقي عند البئر القديم." هل حدث اللقاء؟ أم أن القدر كان له رأيٌ آخر؟
كانت قدماه ثقيلتين، مترددتين في الاقتراب. كان يعرف أن هذا المكان ربما شهد آخر لحظات ليلى، وربما شاهد أيضًا نهاية سالم. كان الخوف لا يزال يساوره، ولكنه كان مدفوعًا بقوةٍ أكبر، رغبةً في إنهاء هذه المعاناة.
"ليلى..." همس، وكأنما يخاطب روحها. "أنا هنا. جئت لأفهم."
شعر وكأن نسمةً خفيفة مرت بجانبه، تحمل معها رائحةً عطرية باهتة، رائحةٌ غريبة، قديمة. استنشقها، وبدأ يستحضر في ذهنه صورة ليلى، صورة المرأة الشابة في الصورة.
بدأ بفحص محيط البئر، يبحث عن أي شيءٍ غير عادي. كانت الحجارة متناثرة، والأعشاب كثيفة. وفجأة، لمح شيئًا لامعًا بين الحجارة. كان قطعة معدنية صغيرة، صدئة، ولكنها تحمل نقشًا غريبًا.
انحنى فارس، والتقطها. كانت قلادة، أو ربما جزءًا منها. كان عليها نقشٌ لحرف "س"، حرف اسم سالم.
"وجدتها!" صرخ بصوتٍ عالٍ، وقد شعر بانتصارٍ صغير. "هذه دليلٌ على أن سالم كان هنا!"
عاد فارس إلى البيت، والقلادة في يده. وجد ريم تبدو متعبة، ولكن عينيها كانتا تلمعان بالأمل.
"ماذا وجدت؟" سألت.
عرض عليها فارس القلادة. "وجدتها قرب البئر. إنها تحمل حرف 'س'. أعتقد أنها تعود لسالم."
"يا إلهي!" قالت ريم، وهي تأخذ القلادة بعناية. "هذا يعني أنه كان هنا بالتأكيد."
"ولكن... لم يظهر ما يدل على أنه قد عثر على ليلى، أو على لقاءٍ سعيد."
"ربما... حدث ما لم تتوقعه ليلى،" قالت ريم، وقد بدأت الأفكار تتشابك في ذهنها. "ربما حدث شيءٌ مأساوي في ذلك اليوم."
في تلك الليلة، بينما كان فارس وريم يتفحصان القلادة، شعر فارس بوجودٍ أقوى من ذي قبل. كانت الأصوات التي يسمعها في الليل أصبحت أكثر وضوحًا، وكأنها تحذره. كان يشعر بالبرد يتسلل إلى غرفته، وبالظلال تتجمع حول فراشه.
"لماذا؟" سأل بصوتٍ متهدج، وهو يمسك قلادة سالم. "لماذا لم يتحرروا؟"
شعر وكأن صدىً خافتًا يجيب: "الظلم... لم ينتهِ بعد."
كانت تلك الكلمات كافية لزيادة خوفه، ولكنها أيضًا زادت من تصميمه. أدرك أن هناك شيئًا أكبر بكثير مما تخيله. لم تكن مجرد قصة حبٍ مأساوية، بل كانت هناك جريمة، جريمةٌ لم تُحل بعد، وأن الظلام الذي يسكن البيت تغذيه تلك الجريمة.
في الأيام التالية، استمرت ريم في بحثها في سجلات البلدة. وبعد جهدٍ جهيد، وجدت شيئًا. وجدت سجلًا للوفيات، يسجل وفاة شابٍ يدعى "سالم" في حادثٍ غامض بالقرب من البئر القديم، قبل حوالي خمسين عامًا.
"لقد مات سالم!" قالت ريم، وهي تبدو مصدومة. "لقد مات قبل أن يلتقي بليلى!"
شعر فارس بلسعةٍ من الحزن. لو كان سالم قد وصل، ربما كانت ليلى قد نجت. ربما كانت قصتهما قد انتهت نهايةً مختلفة.
"إذاً... لماذا روح ليلى لا تزال هنا؟" تساءل فارس. "ولماذا كانت تحاول أن تقول لنا شيئًا؟"
"ربما... لأن موت سالم لم يكن حادثًا،" قالت ريم، وبدأت تتسلل إليها فكرةٌ مظلمة. "ربما قُتل. وربما... قتله شخصٌ ما في هذا البيت."
كانت تلك الفكرة مرعبة. إذا كان سالم قد قُتل، فهذا يعني أن هناك مجرمًا لا يزال حرًا، أو أن عائلته قد تحمل ثقل هذا السر.
"ولكن من؟ ولماذا؟" سأل فارس، وقد تملكته الحيرة.
"لا أعرف،" قالت ريم، وقد لمعت في عينيها دموع. "لكن الرسائل، القلادة، سجل الوفيات... كلها تدل على أن هناك شيئًا مروعًا قد حدث."
عاد فارس إلى حديقة البيت، وإلى البئر القديم. نظر إلى المكان، وأحس بنبضٍ خفي، كأن الأرض تحت قدميه تخفي سرًا. بدأ يبتعد عن البئر، يتفحص الأرجاء. كان يبحث عن أي شيءٍ يفسر ما حدث، أي شيءٍ يدل على وقوع جريمة.
فجأة، لاحظ شيئًا غريبًا. كانت هناك قطعةٌ من الحجر، مختلفة عن باقي الحجارة حول البئر. كانت أكبر، وأكثر قتامة. وعندما اقترب منها، رأى أنها تحمل علاماتٍ واضحة، علاماتٍ تشبه آثار ضربةٍ قوية.
"هنا!" صاح فارس، مخاطبًا ريم التي كانت تقف قريباً. "هنا حدث شيءٌ ما!"
اقتربت ريم، ونظرت إلى الحجر. "يا إلهي... هذه آثار ضربة! كأن شيئًا ثقيلاً قد سقط هنا، أو ضرب شيئًا بقوة."
تذكر فارس الرسالة الأخيرة لليلى، "أرجو أن لا تخيب أملي." كان يتخيلها تنتظر سالم عند البئر، ثم تسمع صوتًا، أو ترى شيئًا يثير خوفها.
"ربما... لم يتمكن سالم من الوصول إلى البئر،" قال فارس، وبدأت الفرضية تتشكل في ذهنه. "ربما حدث شيءٌ له في مكانٍ قريب. وربما... قتله أحدهم."
"ولكن من؟" سألت ريم، وقد تملكها الخوف. "ومن سيكون هذا الشخص؟"
"لا أعرف،" أجاب فارس، ولكن في عينيه كان هناك تصميم. "ولكن يجب أن نكتشف. من أجل ليلى، ومن أجل سالم. ومن أجلنا."
كان إدمانه على التدخين قد تراجع بشكلٍ ملحوظ، وأصبح يتذكر بوضوحٍ أكبر. كان يشعر بأن عقله قد استيقظ، وأن لديه القدرة على حل هذا اللغز.
"البيت القديم... هو المكان الذي حدث فيه كل شيء،" قال فارس، وهو يتأمل في الجدران المهدمة. "يجب أن نبحث فيه عن دليلٍ قاطع. دليلٍ يربط بين موت سالم، وروح ليلى."
كانت تلك الليلة مختلفة. لم يعد الخوف مجرد شعورٍ بالرعب، بل أصبح خوفًا ممزوجًا بالإصرار. كانا على وشك كشف الحقيقة، ولكن الحقيقة قد تكون أكثر قتامةً مما يتخيلان.