الجن والبطل الجزء الثالث
أشباح الماضي وأسئلة الحاضر
بقلم سامر الخفي
ارتسمت خيوط الفجر الذهبية على سماء القرية، لكنها لم تجلب معها سوى قلق متزايد في قلب فاطمة. جلست بجوار نافذة حجرتها، تتأمل حديقة منزلهم التي بدأت تتفتح مع نسمات الربيع، لكن زهورها الجميلة لم تعد تمنحها السكينة المعهودة. أصبحت الألوان باهتة، والعطور خافتة، كل شيء حولها يوحي بأن هناك شيئًا خطيرًا يختبئ خلف الستار المعتاد لحياتهم الهادئة.
لم يكن ما حدث في تلك الليلة إلا الشرارة الأولى. تبعتها أمور أخرى، أحداث غامضة بدأت تتراكم كغيوم سوداء في سماء صافية. كانت الأدوات تختفي وتظهر في أماكن غير متوقعة، كانت الأصوات تأتي من العدم، همسات مشوشة، كأنها صدى لأرواح ضائعة. لم تعد هذه مجرد أوهام، كما كان زوجها، صالح، يصر على الاعتقاد. لقد شاهدت بعينيها الظلال تتحرك في زوايا الغرفة، وشعرت بالبرد المفاجئ الذي لا علاقة له بدرجة حرارة الجو.
"ماذا يحدث يا فاطمة؟" تساءلت في نفسها، وهي تضع يدها على قلبها. "هل أصابني الجنون؟" لكنها كانت تعرف أنها ليست مجنونة. كانت تجرب شعورًا غريبًا، كأنها مراقبة باستمرار. شعور ثقيل، كأن عينًا لا تراها تراقب كل تحركاتها.
صالح، زوجها، كان رجلًا عمليًا، يؤمن بمنطق الأشياء، وبقدرة العلم والإيمان على حل أي مشكلة. كان يرى أن قلق زوجته مبالغ فيه، وأن ما يحدث لا يعدو كونه مجرد هواجس، أو ربما خدع شيطانية بسيطة يحاول الشيطان إلقاءها في طريقهم.
"لماذا لا تزالين مستيقظة يا فاطمة؟" سأل صالح، وهو يدخل إلى الحجرة، وعلامات النوم لا تزال على وجهه. "لا أستطيع النوم يا صالح. أشعر بالضيق." "الضيق من ماذا؟ من همسات أطفال القرية؟ من الرياح التي تعصف بالأشجار؟" قال بلهجة فيها بعض التعب، لكنها كانت تحمل أيضًا محاولة لتلطيف الجو. "لا، ليس هذا. إنها أشياء أخرى. أشياء لا أستطيع وصفها." اقترب صالح، وجلس بجوارها، يحتضنها بلطف. "يا حبيبتي، أعرف أنكِ قلقة. ولكن يجب أن نتذكر أننا مسلمون، وأن الله معنا. ما يحدث هو اختبار من الله، يجب أن نصبر ونحتسب." "ولكن يا صالح، كيف يمكن للصبر أن يوقف هذه الظواهر؟ لقد اختفت ساعة جدتك الثمينة بالأمس، ولم نجدها حتى الآن. والأصوات... الأصوات أصبحت أقوى." "سنبحث عنها. وسنصلي. إن الدعاء هو السلاح الأقوى. ولماذا لا نذهب لزيارة الشيخ مبارك مرة أخرى؟ ربما لديه تفسير."
لم يكن صالح متأكدًا مما إذا كان يجب أن يعترف بأنه بدأ يشعر ببعض القلق أيضًا. الشكوك بدأت تتسلل إلى عقله. لكنه لم يكن يريد أن يخيف زوجته أكثر.
في تلك الأثناء، كان الابن الأكبر، يوسف، شابًا في مقتبل العمر، ذو لحية خفيفة وعينين تلمعان بالذكاء، يعمل مع والده في حقله. كان يوسف مختلفًا عن أبيه. كان أكثر انفتاحًا على ما يقال، وأكثر تأثرًا بالقصص التي تتداولها القرية.
"أبي، هل سمعت ما يقوله العم عبد الله عن النور الغريب الذي رأى في الليل؟" سأل يوسف، وهو يقلب تربة الأرض بمدراعه. "سمعت، يا يوسف. ولكن الناس هنا يتناقلون القصص بسرعة. ربما كان مجرد ضوء قمر منعكس." "لكن يا أبي، الظواهر تزداد. والجميع يتحدث عن ذلك. حتى نور، ابنة العمري، تبدو خائفة." "نور؟ إنها فتاة طيبة، ربما تكون قلقة على خطيبها أحمد. هل تتذكر عندما قالت لكِ خالتكِ إنها سمعت صوتًا غريبًا قرب البئر القديمة؟" "نعم، أتذكر. لقد ذهبت مع أحمد للتحقق، لكنهما لم يجدا شيئًا." "إذن، لا داعي للقلق المفرط. ما يحدث هو مجرد فوضى بسيطة، وسوف تنتهي. الأهم أن نبقي قلوبنا متعلقة بالله، وأن نتقي الله في كل أفعالنا."
كان يوسف يريد أن يصدق والده. كان يحب هدوء والده وثقته في الحياة. لكن شيئًا ما في داخله كان يصرخ بأن هناك أكثر من مجرد "فوضى بسيطة". لقد شعر بنفسه بالبرد المفاجئ، ورأى ظلالًا عابرة عندما كان بمفرده.
"لكن يا أبي، نور تحدثت مع الشيخ مبارك، وأنا متأكد أن لديها أسبابها. عندما يقول الشيخ أن هناك خطرًا، فعلينا أن نأخذ كلامه بجدية." نظر صالح إلى ابنه، رأى في عينيه الصدق والحذر. "ربما أنت على حق يا يوسف. ربما يجب أن نتحدث مع الشيخ مرة أخرى. وأيضًا، عليّ أن أحدث أحمد. لابد أن نتحد جميعًا لمواجهة هذا الأمر."
بينما كانا يتحدثان، مرت إحدى نساء القرية، أم إبراهيم، وهي تحمل سلة من الخضروات. توقفت عندهما، وقالت بصوت منخفض، وكأنها تشارك سرًا: "هل سمعتم بما حدث لأبو العبد؟ ذهب ليجمع الأعشاب من الغابة، ولم يعد حتى الآن. والجميع يبحث عنه." شعر يوسف بالخوف يرتعش في عروقه. أبو العبد رجل قوي، يعرف الغابة كظهر يده. كيف يمكن أن يختفي؟
"الله المستعان،" قال صالح، ووجهه أصبح أكثر جدية. "لا بد أن نساعد في البحث عنه."
في تلك الليلة، اجتمع صالح ويوسف وأحمد وبعض رجال القرية، مسلحين بالفوانيس، للبحث عن أبو العبد. كانت الغابة مظلمة، وصمتها مخيف. كل صوت، كل حفيف شجر، كان يبدو لهم كأنذار.
"هل تعتقد أن شيئًا ما في الغابة؟" سأل أحمد، وهو ينظر إلى الظلام المتوهج. "لا أستطيع أن أجزم،" أجاب صالح، وصوته يبدو أجشًا. "لكن ما يحدث في القرية، وهذا الاختفاء... كل هذا يشير إلى أن هناك شيئًا غير طبيعي."
بينما كانوا يواصلون البحث، سمعوا صوتًا غريبًا، صوت أنين عميق، يأتي من عمق الغابة. صوت لم يسمعوه من قبل. صوت لا يمكن أن يكون لأي حيوان يعرفونه. توقف الجميع، والتفتوا حولهم. كان الصوت يتكرر، يزداد قوة، يرتجف كأنه قادم من باطن الأرض.
"ما هذا الصوت؟" همس يوسف. "لا أعرف،" أجاب أحمد، وعيناه متسعتان. "لكنه ليس صوت إنسان."
فجأة، رأوا نورًا غريبًا، ضوءًا خافتًا، يخرج من بين الأشجار الكثيفة. كان الضوء ينبعث بشكل متقطع، كأنه يتنفس. "هل هو أبو العبد؟" سأل أحدهم. "ربما،" قال أحمد. "لنذهب ونرى."
تقدم الرجال بحذر نحو مصدر الضوء. كلما اقتربوا، زاد صوت الأنين، وشعروا بأن الهواء يصبح أكثر برودة، وأن رائحة غريبة، كرائحة تراب رطب وعفن، تنتشر في المكان.
وصلوا إلى بقعة صغيرة في الغابة، حيث كان الضوء ينبعث من كهف صغير، بالكاد يتسع لشخص واحد. الأنين كان يصدر من داخله. "أبو العبد! هل أنت هنا؟" نادى أحمد.
لم يأتِ رد. فقط الأنين المستمر. تردد الرجال في الدخول. كان المكان يبدو مشؤومًا، والظلام فيه أعمق من أي ظلام آخر.
"يجب أن ندخل،" قال صالح بحزم. "لا يمكننا تركه هناك." دخلو واحدا تلو الآخر، وبأيديهم الفوانيس. الكهف كان ضيقًا، ورطبًا. كل خطوة كانت تثير غبارًا قديمًا. في نهاية الكهف، وجدوا أبو العبد. كان ملقى على الأرض، شاحب الوجه، وعيناه مغلقتان. لم يكن مصابًا بجروح واضحة، لكنه كان في حالة ذهول. والأغرب من ذلك، أنهم رأوا نقوشًا غريبة على جدران الكهف، نقوشًا مشابهة لتلك التي رأتها نور على شجرة الرمان. كانت هذه النقوش تضيء بضوء خافت، وهو ما يفسر الضوء الغريب الذي رأوه.
"الحمد لله أنه على قيد الحياة،" قال يوسف، وهو يحاول إيقاظ أبو العبد. "ولكن ما هذا؟" سأل أحمد، مشيرًا إلى النقوش. "لا أعرف،" قال صالح. "لكنني أشعر أن كل هذه الأحداث مرتبطة ببعضها البعض."
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا آخر، صوتًا مختلفًا، صوتًا يشبه الضحك، لكنه ضحك بارد، خالٍ من البهجة. ضحك خرج من الظلام، كأنه يستهزئ بهم. تجمد الجميع في أماكنهم. شعروا ببرودة لا تأتي من الأرض، بل من الداخل.
"علينا أن نخرج من هنا،" قال أحمد، وهو يسحب أبو العبد. خرجوا بسرعة، يحملون أبو العبد الذي بدأ يفيق ببطء، وعيناه لا تزالان مغلقتين.
عادوا إلى القرية، والقلوب مليئة بالأسئلة. ما الذي يحدث؟ ما معنى هذه النقوش؟ ومن أين يأتي هذا الصوت؟ كانت تلك الليلة بداية فهم أعمق بأن الشر الذي حذر منه الشيخ مبارك ليس مجرد حكايات، بل هو حقيقة تتكشف ببطء، تهدد بإغراق حياتهم الهادئة في ظلام لا يعرف الرحمة.