الجن والبطل الجزء الثالث
الأسرار المدفونة والعهد المكسور
بقلم سامر الخفي
استقرت نور في حجرة جدها، بين الكتب العتيقة والغبار المتراكم. كان العم سليمان، بنظراته الثاقبة وابتسامته الهادئة، يرشدها خلال صفحات كتاب عتيق، غلافه من الجلد البالي، وصفحاته تحمل بين طياتها أسرارًا دفنت مع مرور الزمن. لم تكن نور تبحث عن مجرد قصة، بل كانت تبحث عن مفتاح، مفتاح يفك شفرة النقوش الغريبة التي بدأت تظهر كجروح غائرة في واقع قريتهم الهادئة.
"انظري يا ابنتي،" قال العم سليمان، مشيرًا إلى رسمة في الكتاب. "هذه هي نقوش الحماية. استخدمها الأجداد لطرد الجن والشياطين، ولتحصين البيوت والأرض. كل نقش له معناه، وقوته." كانت النقوش تشبه تلك التي رأتها نور، ولكن هنا كانت موصوفة بعناية، وكل رمز يحمل تفسيرًا. كان هناك رمز للطرد، ورمز للحماية، ورمز للاستدعاء، ورمز للتدمير.
"ولكن،" أضاف العم سليمان، وعلامات القلق بدأت ترتسم على وجهه، "إذا استُخدمت هذه النقوش في الشر، أو من قبل شخص ذي نوايا سيئة، فإنها تصبح أداة للشيطان. إنها تفتح الأبواب لمن لا يجب استدعاؤهم." "وماذا عن النقوش التي تظهر في قريتنا؟" سألت نور، وعيناها تلمعان بالفضول والخوف. "هل هي نقوش الاستدعاء؟" "لا أستطيع أن أجزم. ولكنها بالتأكيد ليست نقوش الحماية. لقد رأيت أشكالًا مشابهة في كتابات قديمة، وكانت ترتبط بطقوس مظلمة، تستدعي قوى لا يمكن التحكم فيها."
كان العم سليمان يتحدث بجدية، وكأنما يحمل على كتفيه ثقل قرون من المعرفة والمسؤولية. "أتذكر قصة قديمة، عن ساحر من أزمان سحيقة، استغل هذه النقوش لجلب الدمار على قومه. لقد فتح أبوابًا للجحيم، ولم يستطع إغلاقها. مات هو ومن معه في ظلام لا يعلم مداه إلا الله." ارتعشت نور من سماع القصة. كانت تشعر بأنها تقف على حافة هاوية، وأن هذه النقوش هي جسر هش، يمكن أن ينهار في أي لحظة.
في تلك الأثناء، كان أحمد يجلس مع والده، الحاج سالم، والشيخ مبارك. كانت الأحاديث تدور حول اختفاء أبو العبد، وحول الظواهر الغريبة التي باتت تشكل قلقًا حقيقيًا لسكان القرية.
"يا شيخ مبارك،" قال الحاج سالم، "ابنتي نور، مع خطيبها أحمد، وجدي العم سليمان، يبحثون في كتب قديمة عن تفسير لهذه النقوش. هل تعتقد أن هناك من يتعمد إيذاءنا؟" "الشر لا يحتاج إلى سبب، يا الحاج سالم،" أجاب الشيخ مبارك، وصوته عميق وحزين. "هو يتغذى على الخوف، على الضعف. ولكن، ما يحدث الآن، ليس مجرد نزوات شياطين. هناك قوة قديمة، تستيقظ."
"هل تقصد أن هناك ساحرًا، أو جنّيًا قويًا؟" سأل أحمد. "الأمر أعقد من ذلك، يا بني. أخشى أن يكون هناك شيء يتعلق بالعهد القديم. عهد بين البشر وقوى الظلام، كُسر منذ زمن، وبدأت أجزاؤه تتكشف من جديد." "عهد؟" تساءل الحاج سالم بدهشة. "أي عهد؟" "لقد سمعت قصصًا من أجدادي، عن اتفاقيات قديمة، بين بعض أهل الأرض وبين الجن. كانت هذه الاتفاقيات تمنحهم القوة، مقابل التضحيات، أو الخدمة. ولكن، هذه القوى دائمًا ما تكون مدمرة، ولا تجلب إلا الشقاء."
كان أحمد يشعر بأن كل كلمة يقولها الشيخ مبارك، تزيد من تعقيد الموقف. لم يعد الأمر مجرد خوف، بل أصبح صراعًا حقيقيًا، صراعًا له جذوره في الماضي السحيق.
"هل تعتقد أن اختفاء أبو العبد له علاقة بهذا العهد؟" سأل أحمد. "لا أستطيع أن أجزم. ولكن، اختفاء شخص في ظروف غامضة، في نفس الوقت الذي تظهر فيه هذه النقوش، هو أمر يدعو للقلق الشديد. ربما كان ضحية لأحد هذه الطقوس."
عاد أحمد إلى نور، وروى لها ما سمعه. "عهد قديم؟" همست نور، وعيناها تنظران بعيدًا، كأنها ترى ما لا يراه الآخرون. "هذا يعني أن ما يحدث ليس صدفة. إنها حرب بدأت منذ زمن، ونحن الآن في خضمها." "علينا أن نفعل شيئًا، نور. لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي." "أعتقد أننا يجب أن نعود إلى الكتاب. ربما هناك المزيد من المعلومات عن هذا العهد، أو عن كيفية مواجهة هذه القوى."
فتحت نور والكتاب، وبدأت تقلب الصفحات بحثًا عن أي ذكر للعهد القديم، أو عن قصص مشابهة. وبعد فترة من البحث المضني، وجدت شيئًا. كانت هناك إشارة إلى "ميثاق الظلام"، اتفاقية بين أناس طمعوا في القوة، وبين جنٍّ عهد لهم بالسيطرة على الأرض، مقابل تقديم قرابين، وسفك للدماء.
"ها هو ذا يا أحمد!" صاحت نور. "لقد وجدته. إنه يتحدث عن ميثاق الظلام. اتفاقية بين بشر وجن، مقابل القوة." قرأت نور بصوت خافت: "من يكسر الميثاق، تدفعه القوى التي عاهدها إلى الهلاك. ومن يطمع في استعادته، يجده مدفونًا في أعماق الأرض، تحرسه وحوش الظلام."
"وحوش الظلام؟" سأل أحمد، وشعر بقشعريرة تسري في جسده. "نعم. ويقول الكتاب إن هذه النقوش، هي علامات تستخدم لفتح هذا الميثاق، أو لإغلاقه. ولكن، استخدامه يتطلب قوة إيمان عظيمة، وقلبًا نقيًا."
"إذن،" قال أحمد، وعيناه تلمعان بالإصرار، "علينا أن نجد طريقة لإغلاق هذا الميثاق. علينا أن نعيد ما كُسر، ونوقف هذه القوى قبل أن تسيطر علينا." "ولكن كيف؟" سألت نور. "الكتاب يتحدث عن مكان سري، مدفون في أعماق الأرض." "يجب أن نجده. مهما كان الثمن."
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا غريبًا، صوتًا كأنه قادم من بعيد، صوت أنين عميق، يتردد في أرجاء المنزل. شعرت نور بالبرد يتكاثف في الغرفة. "ما هذا؟" سألت. "لا أعرف،" أجاب أحمد، وهو يلتفت حوله. "ولكن يبدو أن ما نكتشفه، يزعجهم."
كان الصوت يتصاعد، ويتحول إلى ضجيج، كأن حشودًا غاضبة تتحرك حول المنزل. تشقق زجاج النافذة، وبدأت الجدران تهتز. "علينا أن نخرج من هنا!" صاح أحمد، وهو يمسك بيد نور.
خرجوا مسرعين من حجرة