الجن والبطل الجزء الثالث
رحلة إلى وادي الظل
بقلم سامر الخفي
مع بزوغ خيوط الشمس الأولى، التي ألقت بأشعتها الذهبية على رمال الصحراء، كان أحمد وأمينة قد انطلقا في رحلتهما. كانت سيارة الدفع الرباعي تتسلق التلال الرملية بصعوبة، تاركةً وراءها قرية "الصخرة الحمراء" وكأنها تخشى أن تطاردها الظلال التي بدأت تتسلل إلى جنباتها. حمل أحمد معه بندقية صيد قديمة، وزادها العناية التي منحها إياها والده ثقلاً معنوياً. أما أمينة، فكانت حقيبتها الصغيرة، التي تحوي أدواتها ورقاها، هي سلاحها.
"هل أنتِ متأكدة من هذا الطريق يا أمينة؟" سأل أحمد، وهو يتفادى صخرة كبيرة انحدرت من مرتفع.
"بقدر ما تسمح به ذاكرتي، وبقدر ما ورد في الأساطير القديمة،" أجابت أمينة، وعيناها تترقب أي علامة تدل على الوادي. "يقال إن وادي 'الظل' لم يزرْه أحدٌ منذ عقود. الصخور هناك شديدة الانحدار، والرمال متحركة. إنها منطقةٌ نائية، لم يعش فيها أحدٌ قط."
ازدادت الرحلة قسوة كلما توغلا في الصحراء. الشمس كانت قاسية، والهواء ساخنٌ وجاف. كلما حاولوا الاقتراب من الهدف، بدت المناظر الطبيعية وكأنها ترفض وجودهم. الصخور الشاهقة كانت تلقي بظلالها الطويلة، وكأنها تحاول أن تخفي الوادي عن الأنظار.
"أظن أننا سنضطر لترك السيارة هنا،" قال أحمد بعد ساعات من القيادة الشاقة. "الطريق لم يعد صالحاً. علينا إكمال المسير سيراً على الأقدام."
توقف أحمد، ونظر إلى أمينة. "هل أنتِ مستعدة للمشي؟"
"الرحلة لا تنتهي بالوقوف، يا أحمد. إنها تنتهي بالوصول." أجابت أمينة، ونظرت إلى الجبال الشاهقة التي تحيط بهم.
بدآ المسير، وتركا السيارة كشاهدٍ على رحلتهما. كل خطوة كانت تتطلب جهداً إضافياً، فالرمال تغوص تحت أقدامهم، والصخور الحادة تقطع أحذيتهما. كان الصمت ثقيلاً، لا يقطعه سوى صوت تنفسهما المتسارع، وحفيف الريح بين الصخور.
بعد ما بدا وكأنه دهر، بدأت التضاريس تتغير. انحدرت الأرض فجأة، وظهر أمامهم مدخلٌ ضيقٌ لوادٍ تلتف حوله الصخور كأذرع وحوشٍ نائمة. كان الوادي مظلماً، حتى تحت أشعة الشمس، وكأنه ابتلع نور النهار.
"هذا هو،" قالت أمينة بصوت خفيض. "وادي 'الظل'."
نزل أحمد وأمينة إلى الوادي، وشعرا فوراً بانخفاضٍ ملموسٍ في درجة الحرارة. الظلال كانت أعمق، والهواء أثقل. بدأت أصوات غريبة ترد إليهما، لا يعرفان مصدرها. ربما كانت مجرد صدى، أو ربما كانت شيئاً آخر.
"علينا أن نكون حذرين،" قال أحمد، وهو يمسك ببندقيته بإحكام. "لم أشعر بمثل هذا الشعور من قبل. كأننا دخلنا مكاناً غير مسموح لنا بالدخول إليه."
"الصبر والإيمان، يا أحمد. ونية البحث عن الحقيقة،" ردت أمينة، وبدأت تفتح حقيبتها. "سأقوم ببعض الطقوس البسيطة، لعلها تبعد عنا أي أذى، وتكشف لنا ما يجب أن نراه."
بدأت أمينة في إشعال بعض الأعشاب، وترديد آيات من القرآن بصوتٍ جهوري. الدخان المعطر انتشر في الأجواء، وبدأ يلتف حولهما. بينما كانت تقوم بذلك، سمع أحمد صوتاً يشبه الهمس، وكأنه آتٍ من عمق الوادي.
"هل سمعتِ ذلك؟" سأل أحمد.
"نعم. يبدو أنه صوتٌ قديم،" أجابت أمينة، وعيناها تبحثان عن مصدر الصوت.
تقدم أحمد وأمينة بحذر، كل خطوة محسوبة. بدا الوادي كأنه يبتلعهم. بعد مسافة، لمحوا في نهاية الوادي شيئاً يشبه بناءً قديماً، حجرياً، بالكاد تظهر معالمه تحت تراكم الغبار والرمال.
"ربما يكون هذا هو المكان،" قال أحمد.
عندما وصلا إلى البناء، وجدا مدخلاً صغيراً، يبدو أنه يؤدي إلى الأسفل. كانت هناك رموز غريبة محفورة على الحجر المحيط بالمدخل، رموز لم يستطع أحمد فهمها، لكن أمينة نظرت إليها بعمق.
"هذه الرموز... تشبه تلك التي رأيتها في بعض المخطوطات القديمة التي تتحدث عن طقوس استدعاء،" قالت أمينة، وشعرها يتطاير حول وجهها. "و'بئر الخوف'... لم يكن مجرد بئر. بل كان مكاناً للعبادة، أو ربما للاحتجاز."
نزل أحمد وأمينة بحذر إلى المكان. كان الجو بارداً ورطباً، والرائحة كريهة. وجدا أنفسهما في قبوٍ تحت الأرض، يتكون من عدة غرف صغيرة. في إحدى الغرف، وجدوا بئراً مظلماً، بالكاد يضيئه ضوء مصباح أحمد.
"هذا هو 'بئر الخوف'،" قالت أمينة، والصوت يرتعش قليلاً. "ولكنه ليس بئراً عادياً. انظر إلى هذه النقوش على حافته."
كانت هناك نقوشٌ تحكي قصصاً مرعبة، عن أشخاص يأتون إلى هنا ليقدموا تضحيات، ولعنات تُقال. ثم وجدوا في زاوية الغرفة، تحت كومة من الأتربة، صندوقاً خشبياً قديماً.
"ماذا تعتقدين أنه بداخل هذا؟" سأل أحمد.
"لا أدري. لكنني أشعر بأننا اقتربنا من الحقيقة،" أجابت أمينة.
وبينما كانا يحاولان فتح الصندوق، سمعا صوتاً قوياً، اهتز لهما المكان. لم يكن صوتاً طبيعياً، بل كان أشبه بهديرٍ من أعماق الأرض.
"يبدو أننا لسنا وحدنا هنا،" قال أحمد، وهو يرفع بندقيته.
"علينا أن نأخذ الصندوق، ثم نرحل فوراً!" قالت أمينة، وعيناها تشتعلان بالعزيمة.
بدأت الأرض تهتز بعنف، وظلٌ داكنٌ بدأ يتشكل في زاوية الغرفة، ظِلٌ لم يكن له شكلٌ محدد، ولكنه كان ينذر بالشر. شعر أحمد وبرودة غريبة تسري في عروقه. لقد دخلوا إلى قلب المجهول، والآن، كان المجهول يستجيب لوجودهم.